الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الثلاثاء 4 أكتوبر 2016

صلاح سليمان يكتب: مصريون في قاع البحر!
ضاقت السبل بعموم المصريين، وسدت منافذ الطرق أمامهم، فاداروا ظهورهم لهذا الظلم الكبير، والعته السياسي الذي يسود البلاد..ووجهوا أنظارهم إلى شواطئ المتوسط ، حيث العالم الآخر، إلى قارة أوربا ينشدون فيها الرحمة ، والرعاية الصحية، وحقوق الإنسان، غير عابئين برحلة البحر الغادرة، في سبيل الخلاص بأي شكل كان، سواء بعبور المتوسط أو الاستقرار في قاعه!.

في مركب رشيد المنكوبة تكدست الأجساد المنهكة من الفقر والمعاناة أكواما فوق بعضها.. انتظاراً للحظة لم تأت، فالموت كان بانتظارهم. رغم أنهم كانوا يعرفون أن المركب تفتقر إلى السلامة وقواعد الأمان، لكن رغبتهم في الفرار كانت أكبر وأقوى، حتي عندما تأرجحت السفينة، وسقطت الأجساد في البحر، كان ثمة أمل مازال يراودهم في النجاة، واستكمال رحلة البحث عن حياة أفضل في عالم آخر.
عشرات الجثث الطافية أدمت القلوب، وظهرت حسرة في عيون الذين تم إنقاذهم، فهم سيعاودون رحلة الموت ومعهم آخرون مازالوا يتحينون الفرصة المناسبة لركوب البحر.


لا خطر الموت يهددهم، ولا خيبة الفشل تثنيهم عن عزمهم، فهم مصممون على استحالة العيش في الأوطان البائسة التي كانت سببا في تشردهم وهروبهم. رحلة المهاجرين مليئة بالأشواك والأوحال، وهي مجازفة غير محمودة العواقب، فأوربا اليوم تغيرت كثيرا، ولم تعد راغبة أو مستعدة لاستقبال مهاجرين جدد، رغم أن المهاجرين لا يبحثون عن الرفاهية قدر بحثهم عن الإنسانية والعدل والعيش الكريم أو بالكاد ما يسد الرمق.
أوربا لم تعد تلك القارة الرحيمة، فهي ترغب فقط في الهجرة الانتقائية التي تحددها هي بشروطها، وليست التي تفرض عليها، لذلك ليس غريبا أن تتقاعس عن نجدة مهاجري القوارب، وتتركهم وحدهم يواجهون مصيرهم في عرض البحر بحثا عن ضمير حي، أو إنسانية تائهة تنتشلهم من الموت المحقق.


مركب رشيد ليست هي الأولى ولا الأخيرة، قبل عام ابتلعت مياه المتوسط 800 مهاجر مرة واحدة في عرض البحر، لم ينقذهم أحد، ورغم أن الدنيا قامت ولم تقعد وقتها، إلا أن أحدا لم يطرح حلا وقتها فعادت الجثث تملأ مياه المتوسط .
المنظمة الدولية للهجرة ذكرت أن أكثر من 1750 مهاجرا قتلوا في البحر المتوسط منذ مطلع العام الحالي، وهذا العدد يزيد بثلاثين مرة على نفس العدد في الفترة الزمنية نفسها من العام الماضي. إن ذلك يعطي دلائل قاطعة على أن الهجرة مستمرة ولن يردعها الموت أو التقاعس الأوربي، فطالما وجد جنوب فقير وشمال غني فإن الهجرة لن تتوقف أبدا .


في تحقيق مثير عن الهجرة عبر المتوسط كشفت صحيفة "تي تسيت الألمانية "النقاب عن متوسط المبلغ الذي يدفعه كل مهاجر للمهربين، وهو قد يصل إلى 1000 يورو مقابل أن يحصل على مكان على قارب الموت، ويجب عليه أن ينفذ تعليمات المهرب بكل دقة، وأن يكون دائما جاهزاً للسفر في أي لحظة. ففي الغالب يخبر المهرب اللاجئ قبل الرحلة بساعتين أو ثلاثة، ويجب ألا يحمل أمتعة معه، وعندما يصلون إلى المياه الإقليمية يستقل المهرب ومساعدوه قاربا آخر ويتركوهم وحدهم يواجهون الموت في عرض البحر بعد أن يستولوا علي الهواتف النقالة وما تبقي معهم من نقود،.


يصف أهالي مركب رشيد أن أحدا من السلطات لم يهتم عندما تم الإبلاغ عن غرق المركب، حتي عندما اتصل أحد الأهالي مباشرة بحرس السواحل، فان الضابط المسؤول أجاب: " وماذا يمكنني أن افعل لك؟".
بشكل عام لا احد يبحث عن حق اللاجئين غير الشرعيين، ولا أحد يهتم بهم، يصفهم صحفي إيطالي اسمه " فابريزيو جاتي".. بأنهم يتعرضون للمضايقات، وانتهاكات دائمة من قبل رجال الأمن، وتتم سرقتهم، وتتعرض النساء للاغتصاب، وفي نقاط التفتيش لا يسمح بالمرور إلا لمن يدفع، والذي ليس معه نقود يمنع من المرور، ويترك وحيدا في الصحراء.


أكثر المهاجرين الذين يعانون في طريق الهجرة الشائك هم الأفارقة، فالأهوال والصعاب لا تنتظرهم في البحر فقط، بل تصحبهم في الطريق حتي يصلوا إلى نقطة التجمع قبل الأخيرة، إنهم يسافرون في شاحنات قديمة متهالكة متسخة تكتظ بالأجساد. يصف احدهم احدي الشاحنات بقوله : " إن مظاهر البؤس والتشرد والضياع تغلب علي وجوه كل المسافرين"، الروائح كريهة، والأوساخ في كل مكان، الطعام شحيح للغاية، ويندر وجود الماء، رغم ذلك فان المهاجرين يتحملون الآلام في صبر يحسدون عليه من أجل الوصول إلى هدفهم في عالم آخر غير الفارين منه، حتي الذين تكتب لهم النجاة ويصلون إلى الشاطئ الآخر يعيشون في معسكرات سيئة، وغير صحية تكتظ بالمهاجرين، وحتي من يستطيع الإفلات من كل تلك العوائق وينطلق داخل الأراضي الأوربية، فإنه يعمل في أعمال شاقة جدا، وبأجور زهيدة تذكر بعهود العبودية التي شهدتها أوربا من قبل .


لهذه الأسباب مجتمعة يتفق الكثيرون من نشطاء حقوق الإنسان وخبراء الهجرة على وجوب أن تكون هناك إصلاحات جديدة يجب أن تدخلها أوروبا على سياسة الهجرة، تقتضي مثلا بوجوب الاعتراف بحق اللجوء بسبب الملاحقة السياسية، وحق حماية اللاجئين الهاربين من مناطق الحروب، كما يجب أن تتاح فرص الهجرة لأسباب اقتصادية. أما إذا كانت أوربا فعلا راغبة حقا في وقف هذه الهجرة فيتوجب عليها قبل كل شئ العمل علي استقرار الدول التي ينزح منها المهاجرين، وتوقف دعمها للأنظمة الفاسدة الديكتاتورية التي تعتبر السبب الأول وراء هجرة الشباب إلى أوربا.
________________

*كاتب مصري مقيم في ميونيخ

 
 
   Bookmark and Share      
  
 مصريون في قاع البحر!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7