الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الثلاثاء 4 أكتوبر 2016
New Page 1

"عزيزي بيريز"!
سليم عزوز
لم يبق إلا خدم سلطة الانقلاب في مصر، يستدعوا خطاب "عزيزي بيريز" الشهير، وقد رأوا، وزير خارجيتهم هناك مشيعاً جثمان "سيدهم بيريز" إلى مثواه الأخير، وقد ظهر في الصورة حزيناً، على أساس أن فقيد الإسرائيليين فقيد حكم العسكر، بعضهم أولياء بعض!

لم ير خدم الانقلاب، وفي المقدمة منهم "فريدة الشوباشي"، في قرار سفر "سامح شكري" للعزاء وتشييع الجنازة، جريمة وطنية قام بها النظام الانقلابي في مصر، الذي يجهر بالمعصية، والتي تتمثل في التقارب مع الإسرائيليين، والعمل على خدمتهم، فالمشاعر القومية، جرى لها عملية تحويل مسار لتظهر في مواجهة الرئيس المنتخب محمد مرسي، مستخدمة خطاب "عزيزي بيريز" أداة لتفريغ الشحنة القومية، لأنهم لا يمكن أبدا أن يدينوا علاقة قائد الانقلاب مع "العدو"، وقد تلقى من إسرائيل ما ثبت فؤاده، فـ"الفقيد العظيم" مات وهو عنه راض!

أعترف بأن خطاب "عزيزي بيريز"، يمثل نقطة ضعف استفاد منها أذيال الانقلاب وأذنابه في مصر، لاسيما وأننا لا نناقش الأمر بشكل علمي، فيمكن بسهولة دحض تأثير الخطاب، بذكر منهج الدكتور محمد مرسي في الدفاع عن أهلنا في غزة، وفي التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها فعلا قضيتنا المحورية، ولأول مرة ومنذ سنوات طويلة يحدث التماهي بين الموقف الشعبي والموقف الرسمي من هذه القضية!

فالشاهد أننا نواجه "عوالم" لا علماء، ينطلقون من الحانات لا مجالس العلم، ومن هنا أمكن القول أن الخطاب يمثل نقطة ضعف، استغلته فرقة عبد الفتاح السيسي الموسيقية وفي المقدمة منها "الشوباشي"، لتجذب الانتباه بعيداً عن مشهد العمالة للصهاينة الذي لم يتبد بالبؤس الظاهر على وجه "سامح شكري" وكأنه فقد والده في ظروف غامضة، ولكن في قرار المشاركة في جنازة قاتل ومجرم حرب، ارتكب مذبحة قانا، واستهل حياته في الانخراط في عصابات الهجانة التي تولت الكثير من الهجمات ضد الفلسطينيين خلال مرحلة الانتداب البريطاني، كما أنه آخر القادة المؤسسين للكيان الصهيوني، وقبل هذا وبعده فهو مهندس العدوان الثلاثي على مصر عام 1956!

وقرار المشاركة في الجنازة، ليس منشئاً للعمالة ولكنه كاشفاً لها، فالسيسي نفسه على اتصال دائم مع "نتنياهو"، والطيران الإسرائيلي يغار على سيناء باتفاق معه، وقد تنازل عن حصة مصر التاريخية من ماء النيل، حتى يبدو الشعب المصري مضطراً للموافقة على قرار توصيل المياه إلى الأرض المحتلة، مقابل واسطة إسرائيل لدى أثيوبيا بما يضمن وصول ماء النيل إلى مصر!

ثم كان قرار التفريط في "تيران وصنافير"، بهدف حماية أمن إسرائيل، وإذا كان عبد الناصر قد أغلق المضايق فحاصر الإسرائيليين، ومنع إمدادهم بالسلاح، فبهذا التنازل لصالح السعودية، أنهى هذا الامتياز المصري، دعك من التبسيط المخل من أنه "عواد" الذي باع أرضه، فالموضوع يتجاوز فكرة بيع الأرض إلى المؤامرة لصالح إسرائيل، التي يرى السيسي بحسب إعلانه، أن من مقتضيات الواجب الوظيفي تحقيق "الأمان الدافئ" للإسرائيليين، الذين هم أقرب إليه من حبل الوريد، ثم يتجاهل القوم كل هذا ويمسكون في خطاب "عزيزي بيريز"!

لست مع الذين يرون تأجيل مناقشة الأخطاء التي ارتكبت في عهد الرئيس مرسي إلى بعد سقوط الانقلاب، وعلى أساس أن الطرف الأصيل في هذه القضية تم تغييبه في السجون، ولا يمكنه إبداء دفوعه. فهذا كلام يهدف إلى حماية هذه الأخطاء وحماية أصحابها من المحاسبة، لاسيما وأن خطاب "عزيزي بيريز" ليس اكتشافا وقعنا عليه بعد سجن الرئيس وإخوانه، فقد تكشف أمر الخطاب مبكراً، ومع أن الرئيس جرى توريطه فيه إلا أن الرئاسة للأسف الشديد لم تكن على مستوى الوعي بالجريمة التي ارتكبت، فقد أديرت المسألة على قواعد تسيير شؤون القبائل، عندما يتحمل الكبير أخطاء الصغار، وربما من ورط الرئيس هو من أقنعه بإبداء الدفع، حفاظاً على الشكل، وباعتبار أن التستر هو من سمات "رجل الدولة"، وهناك طعم ألقي للقوم، اسمه "رجل الدولة" فتم جرهم إلى الأخطاء حتى يثبتوا أنهم "رجال دولة"، ولم يكونوا بحاجة إلى ذلك، فالرئيس مرسي جاء إلى موقعه بعد ثورة، وليس عبر انتخابات نجح فيها وسقط مبارك. وأيضاً جرى التستر على الفعل الفاضح هذا حتى لا يقال إن هناك من يتآمر على الرئيس داخل القصر الجمهوري ولو كان ضابطاً صغيراً!

عندما تم نشر خطاب "عزيزي بيريز"، قيل إن الإسرائيليين هم من قاموا بتسريبه بهدف إحراج الرئيس، بينما الرئاسة أعلنت أنه خطاب بروتوكولي. وأي بروتوكول في الدنيا يجبر رئيس جاء لمصر بعد ثورة أن يستخدم ذات الديباجة القديمة للعهد البائد مع الكيان الصهيوني، الذي يعاديه الشعب المصري، ولم تسقط هذه المعاداة بتوقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل؟!

هذا مجمل ما كتبته حينذاك، ولم يشغلن ما جرى ترويجه عن دور إسرائيل في ترويج الخطاب للإساءة للرئيس، فمن أعطي السلاح للإسرائيليين للإساءة والتشويه؟!

بعد الانقلاب علمنا من شهادات متناثرة، أن ضابطاً صغيرا من سكرتارية الرئيس في القصر الجمهوري هو من زج بالخطاب ضمن "البوستة"، فقام الرئيس بالتوقيع عليه دون أن يدري، وذكر الحقيقة وإحالة الأمر للتحقيق للتوصل إلى أبعاد المخطط، وإعلان وقائع هذا التحقيق للرأي العام، كان سينصف الرئيس ويمثل إضافة له أفضل من افتعال دور "رجل الدولة" والتستر على جريمة لا يجوز التستر عليها بأي حال من الأحوال.

للأسف أننا لم نسمع أن تحقيقا سرياً جرى، ففلت الجاني بجريمته فلم نعرف إلى الآن من هو هذا الشخص الذي دس الخطاب؟ إذا لم يكن متاحاً لنا التوصل إلى من كان يقف خلفه، ولم نسمع أنه تم إحالته للتقاعد، وربما استمر في عمله بعد إعلان التوبة النصوح، وربما كان من الذين "يصلون الفرض بفرضه"، وهو الانجاز الذي ذُكر لقائد الحرس الجمهوري، الذي اختاره السيسي لهذا الموقع، فخان عقيدته العسكرية وسلم الرئيس لمختطفيه، وبعد انتهاء مهمته أحاله السيسي للتقاعد لأنه يفهم في تقاليد مهنة الخيانة، وكل المهن، بما فيها المهن المحتقرة لها تقاليدها، ومن لا يلم بدنيا الناس، فأفضل له أن يذهب إلى صومعة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين.

اللافت أن هذا العسكري المتجرد من قيم العسكرية انطلق يتحدث عبر الفضائيات كما لو كان أدى دوراً عظيماً، مع أنه فاقد للثقة والاعتبار، وهذا ليس موضوعنا!

فخطاب "عزيزي بيريز"، يستخدم من بعد الانقلاب إلى الآن للتأكيد على أن الدكتور محمد مرسي عميل لإسرائيل، لكنهم في هذه المرة استغلوه لستر عوراتهم التي تبدت للناظرين بمشاركة وزير خارجية الانقلاب في جنازة "المجرم بيريز".

لا بأس، فصاحب خطاب "عزيزي بيريز" لم يتنازل عن "تيران" و"صنافير"، ولم يفرط في حقوق مصر التاريخية من مياه النيل، ولم يعلن أن الخطر على الحدود يأتي من حماس، بل تم منحه وساماً باتهامه بالتخابر مع حركة المقاومة الإسلامية، وكيف يجمع مرسي بين العمالة لإسرائيل والتخابر مع حركة تقود المقاومة ضد المحتل الإسرائيلي؟!

في مرافعته الوحيدة عن الدكتور محمد مرسي، كمحام منتدب سأل صديقنا أحمد قناوي ضابط أمن الدولة، الشاهد في قضية التخابر: عن من يمثلون خطراً على الحدود المصرية؟، فلم يقل له إسرائيل، كما كان يقال منذ أن أنشئ الكيان دولته ولكنه قال: حماس!

وصاحب خطاب "عزيزي بيريز"، أعلن أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة العدوان الإسرائيلي على غزة، في حين أن السيسي وقف مع العدوان الذي جرى في عهده، ومرسي فتح معبر رفح، والسيسي أغلقه لتجويع الشعب الفلسطيني وقتله، ورئيس حكومة محمد مرسي زار غزة المحاصرة وفي عز الهجمات، ووزير عبد الفتاح السيسي ذهب لتشييع جنازة "بيريز" وذرف الدمع الهتون!

كل هذا بديهيات، لكن عندما يتعامل المرء مع فرق الشبيحة ومن يقومون بزفة العوالم، فإن البديهيات تحتاج إلى أدلة لتعيها أذن واعية!

والسؤال: هل أنتم ضد بيريز ولهذا تهاجمون صاحب خطاب "عزيزي بيريز"؟..إذن انظروا كيف أن السيسي أرسل وزير خارجيته لتشييع جثمان "عزيزي بيريز" إلى مثواه الأخير!

ما رأيك يا "فريدة" في الراسل والمرسل؟!

 
 
   Bookmark and Share      
  
 "عزيزي بيريز"!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7