الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الإثنين 3 أكتوبر 2016

هاني بشر يكتب .. وثيق جريمة العقرب
صدر قبل أيام واحد من أهم التقارير الحقوقية الدولية التي استغرق الإعداد لها شهورا طويلة عن سجن طرة شديد الحراسة المعروف باسم "سجن العقرب" تحت عنوان "حياة القبور"، والصادر عن منظمة "هيومان رايتس ووتش" الأميركية.

وتنبع أهمية هذا التقرير من عدة نقاط؛ أولها أن هذا الجهد يعد توثيقا حقوقيا دوليا نادرا لأحد الجرائم التي تتم داخل السجون المصرية وعلى رأسها سجن العقرب، وذلك لأن هناك مشكلة كبيرة تتعلق بتوثيق الانتهاكات التي ترتكبها السلطات المصرية بحق المسجونين على اختلاف مشاربهم سواء سياسيين أو جنائيين. ومنبع المشكلة هو صعوبة توثيق هذه الجرائم في ظل المنع المتكرر لزيارات الأهالي والمحامين فضلا عن منع المنظمات الحقوقية المستقلة من زيارات السجون وتفقد أحوالها. والتوثيق هنا عملية معقدة ذات معايير دولية معتمدة تقوم بها المنظمات المعنية قبل أن تصدر تقريرا أو بيانا بشأن انتهاك ما وتتعلق بالتأكد من صدقية الروايات والبحث والتحري عن كل الملابسات المحيطة والمعلومات المتوفرة، كما تشمل ذكر المنهجية المعتمدة في البحث من أساليب المقابلات إلى الوثائق والتقارير الطبية والصور الفوتوغرافية والتأكد من صحتها إلخ. الأمر الذي يعطي هذه التقارير مصداقية في الدوائر السياسية والقانونية والإعلامية، ومن هنا تأتي أهمية هذا التقرير الذي جمع معلومات كثيرة وشهادات من شهود عيان ومتضررين قلَّ أن يوجد نظيره له في ظل الوضع المصري القائم حاليا.

من ناحية أخرى؛ فإن مثل هذا التوثيق يدحض الفرية التي يروجها أنصار النظام ووسائل الإعلام المقربة منه من أن هناك مبالغات فيما يروى عن التعذيب والمعاملة اللاإنسانية التي يتعرض لها المعتقلون في سجن العقرب. وسيستمر هؤلاء في العزف على نغمة التشكيك ذاتها حتى بعد صدور تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش لكنهم لن يستطيعوا الأتيان بأمثلة وحالات تناقض ما هو مذكور في التقرير.

كما سيضع التقرير كثير من أعضاء "المجلس القومي لحقوق الإنسان" وربما معظمهم في حرج كبير، لكونهم الجهة الحقوقية الوحيدة التي أتيح لها زيارة هذه السجن وتفقد أحواله، فإذا كانت منظمة بعيدة عن مصر استطاعت توثيق ورصد حالات الانتهاكات بهذا الشكل، فما الذي ينقص المجلس القومي لحقوق الإنسان ليرصد ويوثق بالقدر ذاته؟

لقد أتت أولى زيارات المجلس إلى سجن العقرب بشكل جعلها محط سخرية القاصي والداني، فقد استغلت السلطات هذه الزيارة لتأتي بوسائل الإعلام المقربة منها لتصوير جوانب من السجن تجعله أقرب لفندق منه لسجن سئ السمعة. تنبهت السلطات لهذه الورطة، فسمحت لوفد المجلس بزيارة أخرى بعد عدة شهور. وقبلها سمحت للمسجونين بدخول كثير من الأطعمة والألبسة لكنها وقعت في مشكلة أخرى حين رفضت طلب الوفد دخول الزنازين ورؤية معتقلين معينين بالإسم. هذا فضلا عن منع أحد الأعضاء من الدخول وهي راجية عمران.

لقد أتت توصيات التقرير الأخير لهيومان رايتس ووتش لتحمِّل النيابة العامة أيضا مسؤوليتها في هذا الصدد من ضرورة إجراء تحقيق شفاف في حالات الوفاة التي شهدها السجن إلى التحقيق مع مسئولي السجن على خلفية تهم بالتعذيب وحتى ممارستهم دورا رقابيا على السجن. والمفترض أن النيابة سلطة قضائية مستقلة، وهذا التقرير يقيم حجة عليها في هذا الصدد.

إن أسوأ ما يتعرض له السجين بعد انتهاك كرامته وحريته هو أن تتعرض قضيته للنسيان، وقد أحيا هذا التقرير قضية مئات يقبعون في سجن ليس من المفترض أن يكون موجودا في دولة مركزية كبيرة مثل مصر، وليس من المفترض أن يكون موجودا أصلا في أي مكان، ناهيك أن يحبس فيه عدد كبير من الوزراء والمحافظين السابقين.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 توثيق جريمة العقرب

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7