الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الخميس 15 سبتمبر 2016

سليم عزوز يكتب: زفة التأييد الكنسي في نيويورك!
عادت المياه إلى مجاريها، وعادت الكنيسة الأرثوذكسية في مصر من جديد تعلن انحيازها لقائد الانقلاب العسكري، لتُثبت أن ما حدث مؤخراً من جفاء كان مجرد سحابة صيف، فبين إعلان الكنيسة دعوتها لأقباط المهجر للاحتشاد لتأييد السيسي، والدعوة للتظاهر ضده أمام البيت الأبيض، هو إقرار قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس!

قائد الكنيسة الأنبا تواضروس كان قد هدد بأنه قد يفقد سيطرته على المسيحيين، لكن هذه الدعوة للاحتشاد أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك خلال إلقاء السيسي كلمته في الأسبوع المقبل، كشفت عن أن مخاوفه قد تبددت وأنه عاد من جديد يمسك بزمام الأمور إلى درجة توجيه هذه الدعوة، التي أوب معه فيها المقر البابوي في أمريكا، وإبراشية نيويورك ونيو انجلاند!

إقرأ أيضا: مركز ندفع ثمن قناعة السيسي بأن المصريين غير جديرين بالحرية
الدعوة للاحتشاد للتأييد أطلقتها هيئات كنسية، في حين أن الدعوة للتظاهر أطلقتها منظمات مدنية، اليوم ظهر رجال الإكليروس، وبالأمس ظهر مجدي خليل الناشط الحقوقي ومدير منتدى الشرق الأوسط للحريات، وهو لا يشغله من الحريات إلا الجانب الطائفي فيها، وقد صمت الآن في مواجهة الدعوة للاحتشاد، لأن ما بينه وبين رجال الكنيسة هو توزيع أدوار، فهو يصمت عندما يتكلم البابا، ويتكلم عندما يعجز البابا عن الكلام، أو يخشى من أن يتجاوز فيعاقب على تجاوزه، ودرس البابا شنودة لا يزال ماثلاً في الذهن المسيحي!

لقد اختلف البابا الراحل مع الرئيس الراحل أيضاً، ولم يكن طرفاً مهدئاً في حوادث الفتنة الطائفية التي شهدتها مصر في حكم السادات، فحلت عليه لعنة الرئيس!

كان شنودة يظن أنه يستطيع بضغوطات أمريكية أن ينتصر على السادات، وكان قد حرض أقباط المهجر على التظاهر ضد الرئيس عندما زار واشنطن، ونشر أنهم قذفوه بالبيض الفاسد والطماطم، فأحدث هذا نتيجة عكسية!

عندما التقيت البابا في منتصف التسعينيات نفى لي تماماً علمه بواقعة "البيض والطماطم"، وأرجع تظاهر أقباط المهجر ضد السادات بأنه لم يحدث بتنسيق معه، لأنه لا يملك سيطرة على هؤلاء الذين عاشوا في مناخ الحرية في الغرب، ففقدت الكنيسة سلطتها التقليدية عليهم!

السادات غضب على البابا، فأصدر قراره بعزله من منصبه والتحفظ عليه في أحد الأديرة، وهو الأمر الذي كان ماثلاً في ذهنه وهو يتعامل مع النظام على مدى الثلاثين سنة الأخيرة، فتحول إلى جزء من حسابات السلطة، وأحد مكونات دولة مبارك العميقة!

والآن تبين أن الحديث عن فقدان البابا سيطرته على أقباط المهجر قيل في السابق للتنصل من المسؤولية عن تظاهرات القوم ضد الرئيس السادات، فها هي الكنيسة تدعوهم للاحتشاد لتأييد السيسي، ومن المؤكد أنهم سيستجيبون رداً لجميله في إقرار قانون الكنائس كما أرادته الكنيسة، وهم يقدمون له السبت انتظاراً للأحد، فهناك قانون آخر حبيس الأدراج هو قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، داعب به مبارك عواطفهم الجياشة لكنه لم يقره!

لست ضد قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس إلا من حيث كونه قانوناً طائفياً، وأنا مع قانون موحد لدور العبادة، يمنع التمييز السلبي أو الإيجابي بين المسجد والكنيسة، فقانون واحد يسري على دور العبادة لجميع الأديان السماوية هو المطلوب، ليخضعها جميعها لرقابة الدولة، ويلزمها جميعها بقانون واحد، فدور العبادة ليست بناء وترميماً فقط ولكن إدارة وإشرافاً أيضاً.

بيد أن المزعج حقاً هو هذا الخلط بين الدين والسياسة الذي دفع سلطة الكهنوت لخارج أسوار الكنيسة، وانتقل بالمسيحيين ليكونوا مجرد طائفة!

والكنيسة عندما تدعو الأقباط للاحتشاد لتأييد رأس السلطة التنفيذية فهي هنا تمارس سلطة سياسية ينبغي أن ترفض من أي مدافع عن وحدة المصريين، وأي مؤمن بالدولة المدنية.

إقرأ أيضا: تواضروس نصلي من أجل نجاح زيارة السيسي للأمم المتحدة
والكنيسة عندما تمارس هذا الدور فهي تعزز من عزلة المسيحيين ليحدث التباكي بعد ذلك بسبب هذه العزلة، التي لن تخدم سوى الطموح السياسي للبابا في أن يتحول إلى زعيم دولة المسيحيين!

والمؤسف ليس فقط في الحجر على المسيحيين لصالح الكنيسة، وإنما بالإضافة إلى هذا في أن "الحجر" أخذ المسيحيين من محيطهم الوطني، فلا يشغلهم ما يشغل المصريين جميعاً، فهم يمكن أن ينتقلوا إلى دور المعارضة للنظام القائم إذا تعثر قانون طائفي، لينتقلوا إلى مؤيدين له عند تمرير هذا القانون، وتتحول الكنيسة وهيئاتها إلى "مقاول أنفار"، تحشدهم في الحافلات إلى مقر الأمم المتحدة لتأييد السيسي كما حدث في العامين الماضيين!

فالإدارة الفاشلة للبلاد لا تزعج "المواطن المسيحي" كما تزعج "المواطن المسلم"، وكأنه لم يكتو بنار الأسعار، وكأنه ليس قلقاً على التنازل عن حصة مصر من ماء النيل طواعية بتوقيع السيسي على اتفاق المبادئ الذي أعطى شرعية لبناء سد النهضة!

وكأن المسيحي لا يزعجه هذا الهبوط المتواصل للجنيه المصري، أو هذا الارتفاع في أسعار الأدوية، واختفاء العقاقير اللازمة لمرضى السكري، والضغط، والسرطان، فهل يعانون من هذه الأمراض؟ وهل لا يتعاملون مع ألبان الأطفال المدعمة، التي تم رفع الدعم عنها، مما كان سبباً في ارتفاع أسعارها؟! ليصبح "المواطن المسيحي" لا يشغله إلا تمرير قانون بناء وترميم الكنائس، فيعتبر هذا هو المراد من حاكم البلاد وكفى؟!

قد يقال إن الدعوة موجهة لأقباط الخارج، فهل هؤلاء القوم ليس لديهم أهل بالداخل يشكون من الغلاء والفشل الذي يشكو منه كل كائن حي يعيش على أرض مصر؟.. وماذا استفادوا من العيش في الحرية الغربية، ليُساقوا إلى "زفة التأييد الكنسي" لحاكم ديكتاتور، يقتل خصومه، ويعتقل من يرتفع صوته ضده بالمعارضة، ويودع الأطفال والنساء في سجونه، فلا يشغلهم كل هذا وإنما يكفي إصدار قانون الكنائس حتى يستجيبوا للداعي بالاحتشاد لتأييد الديكتاتور!

ما علينا، فلا يبدو هذا التأميم الكنسي موجهاً ضد المسلمين المصريين فقط، وإنما هو ضد الكنائس الأخرى، وإذا كان عبد الفتاح السيسي قد سعى لنيل الرضا الكنسي فقرر بناء كنيسة في التجمع الخامس للأقباط الأرثوذكس، فظني أنه لن يشغله بناء كنيسة للأقباط الكاثوليك، أو أخرى للأقباط الإنجيليين، لأن الطائفتين تعدان أقلية الأقلية، وهو يعنيه رضا البابا تواضروس وأتباعه لأن تعدادهم ثلاثة ملايين صوت انتخابي، وأغلبية أقباط المهجر منهم.

اللافت أن من ينحازون للدولة المدنية، ويرفضون الخلط بين الدين والسياسة، لا يجدون في ممارسة رأس الكنيسة الأرثوذكسية في مصر ما يمثل خلطاً بين الدين والسياسة انتهاكاً لقيم الدولة المدنية!

إن الكنيسة بوضعها الحالي تقف عقبة في طريق التحول الديمقراطي، فمن يرد البابا إلى ديره، والمسيحيين إلى وطنهم؟!

 
 
   Bookmark and Share      
  
  زفة التأييد الكنسي في نيويورك!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7