الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الجمعة 9 سبتمبر 2016

محمد ابو العمايم يكتب .. ألسنا مصريين
منذ عدة سنوات أصدر رئيس الجامعة أمرًا بمنع المنتقبات من دخول الامتحانات؛ فمنعت زوجتي وزميلاتها من أداء امتحاناتهن؛ لتمسكهن بالنقاب، واحتسبت ذلك عند الله، ودافعت هي وزميلاتها عن حقهن، ولجأن للقضاء وربحن القضية, وعلى الرغم من ذلك تمسكت إدارة الجامعة بقرار رئيس الجامعة، الذي انتهت ولايته، وأتى بعده رئيس جامعة آخر، وانتهت أيضًا ولايته، وأتى ثالث، وبذل محامى الجامعة كل وسيلة ممكنة لاستئناف الحكم وإطالة أمد القضية، حتى بدأت أستشعر أنه يعتقد أن أولئك المنتقبات يحملن الجنسية الإسرائيلية ويمارسن الجاسوسية للكيان الصهيوني!

وكم كنت أتمنى أن يوجه كل تلك الحماسة والبذل لمحاربة الفساد المستشري في الجامعة, وعلى الرغم من تخرج زوجتى وزميلاتها بالكلية وانتهاء فترة دراستهم بالجامعة، إلا أن القضية مازالت حتى الآن أمام القضاء، وكل بضعة شهور يأتى خطاب من المحكمة معلمًا إياهن بموعد الجلسة القادمة, اعتقدت أن هذه الممارسات كانت حكرًا على فترة ما قبل الثورة، تلك الفترة التي تعمد فيها مبارك وزبانيته التنكيل بكل ما هو إسلامي، واعتقدت أن مثل تلك الممارسات قد اختفت أو قلت بعد الثورة، ولكن حدثت أمامي العديد من المواقف التي جعلتني أتشكك في ذلك الأمر, كان آخر تلك المواقف منذ أسابيع قليلة، فلقد دعاني أحد أصدقائي لحضور حفل زفافه في إحدى قاعات الأفراح التابعة للجيش, ولكن المفاجأة كانت أني وزوجتي ممنوعان من دخول ذلك المبنى الذى يضم تلك القاعة! لماذا؟ لأني ملتح وهي منتقبة, وما الجريمة في ذلك؟ لا أدرى, ولماذا تمنعوننا من حقوقنا الاجتماعية والإنسانية المكفولة لنا بالدستور الذي أقسم الجيش على حمايته؟ أيضًا لا أدري, هل تمنعون السافرات والخليعات والمتبرجات من الدخول ذلك المكان؟ طبعًا لا، فهي على الرحب والسعة, فلماذا تصبح سنة النبى وأمهات المؤمنين منبوذة مرفوضة، بينما الانحلال والسفور مرحب بهما؟ ألا يغذي هذا روح الانعزالية والتطرف لدى المتهورين من الشباب؟ كلها أسئلة دارت بخلدي، وزادت من إحباطي تجاه الوضع القائم، ولكن لأني تعودت على البحث عن بصيص الضوء وسط أمواج الظلام مستعينًا بالله في ذلك، فقد طرحت الأمر خلف ظهري، وتناسيته، و لكنه عاد مجددًا إلى ذهني بالأمس عندما حكى أحد الشباب موقفًا مشابهًا حدث له عندما أراد أن يشترك لابنه الصغير فى رياضة السباحة بأحد النوادى القريبة من منزله، والذي تشرف عليه القوات المسلحة, ومن باب الأمانة سأنقل لكم نص الحوار «باللهجة العامية» بين ذلك الأب وإدارة النادي كما حكاه الأب الشاب بالضبط، أثناء تقديمه للأوراق المطلوبة:
«الموظفة: ايه ده هي مامته منقبة؟
الأب: آه
الموظفة: طيب هات لي الأول موافقة مدير أمن النادي.
الأب: تمام، ما فيش مشكلة، فين مكانه؟
مكتب السيد الرائد مدير أمن النادي.
الأب: من فضلك محتاج أبليكيشن، وموافقة من سيادتك أقدمها للموظفة.
الرائد: متأسف ممنوع دخول منتقبات جهات عسكرية، دي تعليمات.
الأب: أنا مستعد أجيب لك توصية أمنية، وتقرير أمني كمان.
الرائد: الموضوع له بعد اجتماعي، حتى لو جبت توصية أمنية.
الأب: مش فاهم، بعد إيه؟

الرائد: أصل العضوات ممكن يتضايقوا من مظهر المنتقبة، ويتسبب مظهرها في ضرر نفسي لهم.
الأب: هو ده افتراض، والا حد منهم اشتكى قبل كده؟
الرائد: دي تعليمات، غير أنه جات لنا شكاوى من العضوات، بتأذيهم ورفضهم تواجد منتقبات.
الأب: طيب لو عضوة دخلت بميني جيب، العضوات إيه موقفهم؟
الرائد: ابتسامة.
انتهى»
شعرت بالمرارة مجددًا عندما عرفت حكاية ذلك الأب الشاب، وبدأت الأسئلة تعربد في رأسي مجددًا: ألسنا مصريين لنا حقوق مماثلة لحقوق باقي أبناء مصر؟ ألم نقف دائمًا مع الوطن في أوقات الشدة؟ ألم ُيقتل أخونا العزيز «مصطفى عبد الرحمن» أمين حزب النور فى شمال سيناء؛ لأنه حارب أفكار داعش، ولم يرضخ لتهدياتهم، فلم يرو بدًا من إسكاته للأبد؟ ألم ُيعتدى على كثير منا ماديًا ومعنويًا؛ لأننا رفضنا سفك دماء المصريين، وآثرنا مصلحة الوطن على المصالح الشخصية المحدودة؟
كم شاب لعب المتطرفون بعقله؛ حتى أصبح خنجرًا ماضيًا في ظهر الوطن، ثم هداه الله على أيدى هؤلاء الملتحين الممنوعين من ممارسة أبسط حققوهم الدستورية؟
كم امرأة كانت ستربى أبنائها على التشدد والتطرف؛ ليصبحوا قنابل موقوتة تهدد السلم المجتمعي، لولا تدخل أولئك المنتقبات المنبوذات من قبل إدارة المؤسسات العسكرية؟
إننا كملتحين ومنتقبات – خاصة المنتمين منا للدعوة السلفية – قدمنا للوطن ما لم يقدمه كثيرون من أصحاب السراويل المقطعة والأسنان المصفرة من السجائر والملابس التي تعري أكثر مما تغطي, لقد بذلنا ومازلنا نبذل لأجل هذا الوطن؛ لأن الله كما أمرنا في شرعه باللحية والنقاب أمرنا أيضًا بالحفاظ على الدماء والأوطان , وإذا كنا كما نعتنا الرئيس بنفسه ومستشاروه سابقًا بــ«الوطنين المحبين لمصر»، فلماذا نمنع من ممارسة أبسط حقوقنا؟ لماذا نمنع من تولي أي مناصب قيادية، ويقدم علينا غيرنا – الأقل كفاءة – لأننا ملتحون وهم حليقون؟ لماذا نعامل بامتهان في أقسام وكمائن الشرطة، وكأننا نخبئ قنابل في اللحى وألغامًا تحت الأنقبة؟ ألا تؤذي تلك الممارسات العنصرية كثيرًا من الشباب العاطفي؛ للشعور بالعزلة المجتمعية؛ فيضحى فريسة لدعاة التطرف وما أكثرهم؟
أنا شخصيًا على قناعة تامة بأن الجيش المصري ليس علمانيًا، على العكس، هو أقرب كثيرًا للتمسك بالإسلام منه للعلمانية, ولكن بماذا سأجيب إذا سألنى أحد هؤلاء الشباب المتشكيين قائلًا «إذا كان الجيش ليس علمانيًا، ولا محاربًا للإسلام كما تقولون، فلماذا يمنعكم من ممارسة حقوقكم، ويضيق عليكم لمجرد أنكم تحملون سمتًا إسلاميا؟».
لقد تعودنا – كملتحين ومتقبات – على الضيم والظلم، ولكننا ما نبذل، ولا نضحي لشخص ولا لمؤسسة، وإنما ابتغاء وجه الله – نسال الله الإخلاص – لذا فلن تزيدنا تلك الممارسات الاستفزازية، إلا تمسكا بنهجنا الإصلاحى السلمي المحافظ على الوطن, لكن قلبي يقطر دمًا على أولئك الشباب الذين تدفع بهم مثل تلك الممارسات الأمنية العنصرية إلى آتون التشدد والتطرف؛ فيفسد ويفسد وينزف الوطن أكثر وأكثر وإلى الله المشتكى.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  ألسنا مصريين

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7