الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الخميس 8 سبتمبر 2016
New Page 1

سليم عزوز يكتب : عسكرة صناديق النذور!
كدت أنسى الكتابة عن اتجاه الانقلاب العسكري في مصر لتأميم صناديق النذور، ضمن مخططه لوضع يده على كل موارد مصر المالية!

إقرأ أيضا: خمس فضائح لإعلام السيسي بالهند والصين ما هي؟ (فيديو)
ففي الحقيقة، فإن مصر بما جرى في 3 يوليو من انقلاب على السلطة المنتخبة، من قبل من يفتقدون الحد الأدنى للياقة المطلوبة لشغل المواقع الكبرى، دخلت في "دوامة" لا أمل في الخروج منها، فصرنا نعيش المساخر التي أنتجت ملهاة غير مسبوقة، وكأننا نشاهد مسرحية متعددة الفصول، فلا نكاد ننشغل بملهاة، حتى نفاجأ بأخرى تقرع أسماعنا، وتخطف أبصارنا!

في أسبوع واحد شاهدنا ثلاثة فصول مختلفة لهذه المسرحية الهزلية، فقد صدر قرار وزير الأوقاف بتعيين رئيس الحكومة السابق، ومساعد عبد الفتاح السيسي لشؤون المشروعات القومية الكبرى، "إبراهيم محلب" رئيساً لمجلس إدارة مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، ولأن الرأي العام لم يكن يجهل أن الهدف هو السيطرة على "صندوق النذور" بالمسجد، فقد كان هذا سبباً في انفجار بركان السخرية، وقبل أن يتوقف البركان كانت أزمة "ألبان الأطفال" وإعلان وزير الصحة، في آخر نهار الأزمة، أن الجيش قد ضخ 30 مليون علبة ألبان في الأسواق، ولم يكن الأمر بحاجة إلى تفكير عميق لنصل إلى أن المستهدف من وراء الأزمة هو سيطرة الجيش على هذه التجارة الرابحة، وهو ما كان سبباً في عاصفة من السخرية لم يواجه الجيش بمثلها منذ وقوع هزيمة 1967 وسخرية المصريين من جيشهم بسببها!

وبينما كان الرأي العام مستغرقاً في بحر السخرية من أزمة الألبان وتداعياتها، كان المشهد المزري لقائد الانقلاب العسكري في الصين، بعد احتشاد إعلامي في القاهرة أكّد أن حضوره لـ "قمة الكبار" دليل على أن مصر صارت كبيرة بالسيسي، فإذا بالمذكور يظهر أمام أوباما في الوضع الذي فجر فيضاناً من التهكم والسخرية، ممن جرى تقديمه على أنه "الدكر"، الذي يحمل الأمريكان على النوم من المغرب، ولدرجة أن من في البيت الأبيض هم في خوف مقيم من شجاعة الرجل القادم من مؤسسة القوة في مصر، والذي "زاد وغطى"، أن أوباما قام من موقعه ودار في نصف دائرة حتى وصل للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليصافحه، بينما أردوغان لم يتحرك من مكانه ولو لخطوة في اتجاه الرئيس الأمريكي!

ولم يكد الناس يفيقون من سكرة السخرية، حتى كان الفيديو الذي يظهر فيه أحد حراس عبد الفتاح السيسي وهو يسأل وزير الخارجية الأمريكي إن كان يحمل هاتفاً جوالاً بكاميرا؟.. وهو سؤال احتارت البرية في فهم الدوافع وراءه؟، ويبدو أن الحارس كان يريد أن يأخذ له الوزير الأمريكي "سيلفي" مع السيسي!

وهكذا فلا نكاد نخرج من ملهاة حتى نسقط في أختها، منذ وقوع الانقلاب العسكري الذي صار منتجاً للمادة الخام للفكاهة، على نحو أنهى على مهنة الكتابة الساخرة، وجعلها تشبه محاولة تحلية العسل بوضع السكر عليه، فأداء القوم وأقوالهم لا تحتاج لأي تعليق أو توظيف من قبل كاتب ساخر، فيكفي أن تعرض كما هي، على نحو صرت معه أقبل يدي "مقلوبة ومعدولة"، لأنني لم أنسق وراء تقديمي على أني كاتب ساخر، فلو استجبت لهذا، "لكان زماني كاتب متقاعد الآن"، فلم أنسق وراء ذلك وكاتب ساخر بحجم الراحل محمود السعدني يكتب قبل ستة عشر عاماً، أنني سأحصل بعد سنوات قليلة على لقب "الكاتب الساخر الكبير"، فكل الكتاب الساخرين انتهوا مع وجود المنتج للمادة الخام للفكاهة في مصر والعالم!

ما علينا، فعندما صدر القرار بتعيين إبراهيم محلب رئيساً لمجلس إدارة مسجد الإمام الحسين، كنت قد أعددت العدة الكتابة عنه لكني نسيت ذلك قبل أن تذكرني ورقة عثرت عليها على مكتبي ودونت فيها بعض المعلومات عن هذا الموضوع!

وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فأودّ التذكير بأنني سبق لي أن اقترحت على السيسي أن يضع يده على أموال صناديق النذور، عندما وجدته وقد أعد عدته للسيطرة على كل الموارد المالية للبلاد، وكانت البداية، بنقل مسؤولية تحصيل رسوم المرور على الطريق الصحراوي، من هيئة الطرق والكباري إلى الجيش، في تصرف غير مسبوق!

كنت أسخر عندما لفتّ انتباه السيسي، إلى مورد مهم للمال هو صناديق النذور، ونصحته بأن يبدأ من مسجد السيد البدوي، انتظاراً لاحتكار القوات المسلحة لهذا الأمر، وإذ كنت قد نصحت حينئذ بتشييد ضريح للسيسي، فأعتقد الآن أن الأولى بالضريح هو المشير محمد حسين طنطاوي، وله مسجد يحمل اسمه، ولم ينقصه سوى المقام، وتحديد بضعة أيام في السنة للاحتفال بمولده، ثم يتقرر أن الضريح هو وحده الذي تشد له رحال الناذرين المستضعفين، وبما يليق بالحالة العسكرية التي تحياها مصر!

ولم أكن أعلم أن الفكرة الساخرة الخاصة بوضع اليد على صناديق النذور ستكون مطروحة على أي مستوى لدى السلطة الحاكمة، وإن لم تكن البداية بمسجد البدوي ربما لأنه بعيد عن القاهرة، وكانت بمسجد الحسين لأنه يقع في قلب العاصمة المصرية!

إقرأ أيضا: كاريكاتير السيسي خرب البلد
لم تكن هذه هي المرة الأولى، التي نطالع فيها قرارات تختص بمجالس إدارات المساجد، فالانقلاب الذي سعى للسيطرة على دور العبادة للمسلمين، وتأميمها لصالحه، حرص مبكراً على إعادة تشكيل مجالس إدارات المساجد، وفي عهد الرئيس محمد مرسي وفي 4 مارس 2013 صدرت اللائحة الخاصة بمجالس الإدارات، والتي تنص على أن يكون تشكيلها بالانتخاب، من الجمعية العمومية لكل مسجد والتي تتكون من أبناء المنطقة التي يقع فيها ومن أوتاده، فلما وقع الانقلاب العسكري بدأ وزير الأوقاف في اتخاذ قرارات بإعادة تشكيل مجالس بعض المساجد الكبرى، وكانت البداية بإعادة تشكيل مجلس إدارة مسجد الحصري في مدينة السادس من أكتوبر، وهو واحد من المساجد البارزة، وقد تم تعيين وزير الصحة السابق عادل العدوي رئيساً لمجلس إدارته!

وفي (8 مايو) الماضي تم الإعلان عن أن وزارة الأوقاف قامت بإعادة تشكيل مجالس إدارة ألف مسجد من المساجد الكبرى في القاهرة والمحافظات الأخرى!

ومثل هذه القرارات تفهم في إطار سياسة التحكم والسيطرة، وعندما يتقرر تعيين إبراهيم محلب بقرار منفرد رئيساً لمجلس إدارة الإمام الحسين فإن الأمر يتجاوز فكرة السيطرة على المساجد إلى وضع اليد على صناديق النذور، وهو قرار له ما بعده، وسننتظر قرارات مشابهة بالنسبة لمساجد الأولياء في مصر!

لم يعرف عن إبراهيم محلب أنه "حمامة" المسجد الحسيني، ولم يعرف عنه أنه من أوتاده، كشأن كثير من المسؤولين السابقين والحاليين ورجال الأعمال، الذين يرابطون في هذه المساجد، لاسيما مسجد السيدة نفيسة، وبعضهم يذهب ليجلس عند حذاء أحد مشايخ الطرق الصوفية بإحدى محافظات الوجه البحري، مع أن سلوكه العام لا ينم عن أنه شخص متدين، ناهيك عن أن يكون "واصلاً" بحسب التعبير الصوفي.

فمحلب هو مساعد السيسي للمشروعات الكبرى، وهو محل ثقته، ولولا أنه بصفته مقاولاً ورئيس سابق لشركة مقاولات كبرى، فانشغل في العمل الميداني، لتمّ الإبقاء عليه، فنشاطه اليومي من هنا إلى هناك، وبشكل جعله خبراً يومياً في الصحف والفضائيات، خشي معه السيسي أن يفتن الناس به، وهو "كالفريك لا يحب شريكاً"، وإذا كان قد عيّنه مسؤولاً عن المشروعات الكبرى، التي تعثرت كفكرة ثم صارت كهشيم تذوره الرياح، فقد بدا أن صندوق النذور بمسجد الحسين، هو واحد من هذه المشروعات الكبرى، وعندما تبلغ حصيلته في الأسبوع الواحد (360) ألف جنيه، فإنها تعدّ رقماً كبيراً إذا وضع الحكم يده عليها، وهو الذي يدعو المصريين للتبرع لمصر ولو بجنيه!

حصيلة أموال النذور تبلغ سنوياً (67) مليون جنيه، وهي الفائض بعد السرقات، وهناك قصص يرويها الدكتور محمد الصغير مستشار وزير الأوقاف في عهد الرئيس محمد مرسي في هذه الصدد مثيرة للغاية، وقد حاولت الوزارة مواجهة اللصوص، وكان أن ربطت الصناديق بكاميرا مرتبطة بجهاز الكمبيوتر الخاص بالوزير، وظل صندوق مسجد الحسين عصياً على السيطرة مع وجود الكاميرات، فكان لابد من أن تضع السلطة العسكرية يدها والبداية بهذا المسجد بالذات، ولا يفهم من هذا أن الهدف من تعيين محلب هو ترشيد الخطاب الديني، فقد كان رئيس مجلس الإدارة السابق هو وكيل مشيخة الأزهر!

أعتقد أن مرحلة إبراهيم محلب هي مرحلة وسيطة سيتبعها تعيين جنرالات على صناديق النذور، ولا بأس فنحن في زمن المساخر!

في انتظار مسخرة أخرى!

 
 
   Bookmark and Share      
  
  عسكرة صناديق النذور!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7