الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الثلاثاء 30 أغسطس 2016

شريف عبدالغني يكتب: ديمقراطية «اللحوم» العربية!
(1)
من المقولات الخالدة للاقتصادي الشهير أمارتيا سن «إن المجاعات، رغم أنها في الأصل ظواهر طبيعية، فإنها تظهر في باكستان غير الديمقراطية، ولا تظهر في الهند الديمقراطية».
أما السبب فلأن «الحكام» الذين يعلمون أنهم سيتحولون إلى «محكومين» إذا قصروا في أداء واجباتهم، لا يمكن أن يتهاونوا في التزامهم تجاه فئة من فئات شعبهم، ويعملون وفق المثل الشعبي «يقدمون السبت، حتى يجدون الأحد» وهو يوم الانتخابات التي يكرم فيها المرشح أو يهان، وقد يحتاج إلى أصغر صوت لأقل مواطن.

(2)
لذلك يعتبر كثير من المحللين أن الديمقراطية «هي أهم الاختراعات الكبرى في العالم وأصعبها»، وأنها بحق اختراع عبقري يقوم على «قهر القهر»، أي وضع «قيود قهرية» على المسؤول المستبد.
إنها في أبسط تعريفاتها: «ضمان تعدد مراكز صنع القرار في المجتمع، فلا يوجد من يأمر وعلى الباقي السمع والطاعة». كما أنها تضمن أن تظل الحكومة في حالة عمل دائم من أجل رفع المعاناة عن المواطنين.
لكن ما يحدث في بلادنا العربية يؤكد أن سادتنا الذين في السلطة، ليسوا ديكتاتوريين، بل إنهم فلاسفة منذ قذفتهم أمهاتهم من بطونهن، فهم على ما يبدو يسيرون على منهاج معلمهم وملهمهم «أرسطو» الذي يرى أن بعض الناس هم عبيد بطبيعتهم، وأنه يلزمهم التوجيه والقيادة من السادة، وفي هذا مصلحة لهم وللسادة أيضا.
كما أنه من الواضح أن مسؤولينا يسلكون نفس مسلك الفكر الروماني الذي أخذه بدوره من الفكر الإغريقي، فقسموا الناس إلى عبيد لا يتجاوزون حد المتاع، وسادة لهم الحق في استعمال هؤلاء العبيد وتسخيرهم، بل وقتلهم إذا تراءى لهم ذلك، حتى ولو كان القتل لمجرد المتعة.

(3)
الديمقراطية الحقيقية تلغي مفهوم «السيد» و «العبد»، وأبرز مظاهرها التصويت بشفافية لبرنامج انتخابي، وليس لمرشح يعرف أن أقصر طرق الوصول للناخب هو معدته، فيملأها بكسرة خبز، وزجاجة مياه غازية. أغلب الانتخابات العربية تسير وفق قاعدة شراء الأصوات بسد الرمق المؤقت، وبدلا من أن يعمل المرشح الذي سيصبح نائبا برلمانيا على تعديل السياسات الاقتصادية بما يؤدي إلى تحسن مستوى المعيشة وزيادة الدخول والقضاء على الجوع، فإنه يساهم في ترسيخ التعايش مع الفقر.
أقول هذا من واقع ما عايشته في أجواء الانتخابات المصرية بمختلف أنواعها، فغالبية المرشحين يتبعون هذا المنهج، وبينهم للأسف وزراء، ورغم أن بعضهم أكاديميون ويحملون «الدكتوراه»، فإنهم عند ترشحهم لانتخابات البرلمان يخلعون في جولاتهم الانتخابية ثوب الكوادر العلمية التي ينبغي أن تقود المجتمع نحو الأفضل، ويبدلون عقولهم بعقليات العامة، فلا يقدمون برامج انتخابية، بل يقيمون «شوادر» يوزعون من خلالها اللحوم على الناخبين، فيشبع الشعب ليلة ويظل جائعا باقي ليالي العام.

(4)
مصر بالفعل هي «أم الغرائب»، فلا الأكاديميون فيها غيروا العادات المتعلقة بالانتخابات حينما يخوضونها، ولا نخبتها قادت الأمة نحو الأفضل. عندما جاء الدكتور محمد البرادعي إلى القاهرة قادما من الغرب بثقافته وأفكاره، استبشرنا خيرا خاصة لما قال إن «طابور التصويت» في انتخابات حقيقية سيؤدي إلى راحتهم من باقي الطوابير في حياتهم، من طابور الخبز إلى طابور الغاز، مرورا بطابور المجمعات الاستهلاكية والمصالح الحكومية.
لكن، اتضح بعد ذلك وبالتجربة أن البرادعي، لا يختلف كثيرا عن وزراء «شوادر اللحوم» من أصحاب نظريات «ديمقراطية البتلو.. وديكتاتورية الكندوز»!

 
 
   Bookmark and Share      
  
  ديمقراطية «اللحوم» العربية!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7