الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الخميس 18 أغسطس 2016

رضا حمودة يكتب : علماء تحدوا الطغاة وشيوخ انبطحوا أمام السلطان
مقالي أدناه كتبته قبل عامين لتفنيد مواقف شيوخ السلطان ، الذين ادعوا العلم الربّاني ،وارتضوا النوم في فراش الحاكم الغشوم ، في الوقت الذي تجاسروا فيه واستأسدوا على الحاكم الشرعي بعدما أمنوا العقوبة فأساءوا الأدب.. وعليه فقد رأيت اعادة نشره للرد على أمثال الشيخ محمد حسان وياسر برهامي ، في مقاربة موحية مع شيوخ العزة والكرامة.
لا شك أن عالم الدين يكتسب ثقةً أكبر في عيون تلاميذه ومحبيه بل والمجتمع ككل كلما كان مستقلاً عن السلطان ، وبعيداً عن دائرة الحكم الجهنمية وشبكاتها العنكبوتية التى تؤثر بشكل كبير وسلبي على استقلالية ونزاهة القريبين منها ،لاسيما عندما يكون هذا القريب من الحاكم، داعية إسلامي أو فقيه شرعى رأس ماله هو العلم المنزه عن أي هوى والمستقل عن أي شخصٍ أيّاً كان نفوذه وسلطانه ما قد يفقد العالِم اعتباره العلمى بل وهيبته أمام المجتمع إذا ما قبل أن يكون تابعاً ضمن أدوات الحاكم يتلاعب بها كيفما ومتى شاء لخدمة أغراضه حفاظاً على عرشه.
لقد تغيرت نظرة الحاكم إلى مؤسسة الأزهر ككيانٍ مستقلٍ فاعلٍ ومحركٍ وقائدٍ للحركة الوطنية يستطيع أن يخلع الحاكم في أحيانٍ كثيرة ويقود التغيير ، ويتقدم صفوف المقاومين والمجاهدين ،لما له من تأثير ديني بحق على جموع الشعب استمده من عالمية رسالة الأزهر العلمية الشرعية انحيازاً حقيقياً للأمانة المنوط بها وليس لفئة أو جماعةٍ أو نظام حكم بعينه ، ذلك أن مصر الدولة كانت تستمد قوتها الرئيسية من قوة واستقلالية الأزهر كقوة ناعمة فاعلة في محيطها الإقليمي والعالمي أيضاً.
بلغ ذروة التحول السلبي والتراجع المزري لدور الأزهر كمؤسسة جامعة بعد حركة 23 يوليو 1952 ، فضلاً عن محاصرة دوره بحيث يضمن ضباط يوليو ولاءه لمقتضيات المرحلة أو على الأقل تحييد دوره.. بدا ذلك واضحاً وجلياً فى قانون تنظيم الأزهر عام 1961 ، حيث أصبح تابعاً مالياً وإدارياً بل وسياسياً للدولة وفقد على أثرها أهم مصدر قوته وتأثيره فتحول شيخ الأزهر إلى مجرد موظف كبير بدرجة رئيس وزراء يتم تعيينه من قبل رئيس الجمهورية يتقاضى راتبه حسبما تقرره له السلطة التنفيذية ، ولم يكن تدخل سلطة" 23 يوليو" عائقاً أمام استقلال بعض علماء الأزهر العمالقة أصحاب الرأى الحر أمثال العلاّمة الشيخ "محمد الخضر حسين "أحد أبرز علماء عصره استقلاليةً ونزاهةً وعلماً ، لنلمس البون الشاسع بين علماء عاشوا سلاطيناً بعلمهم المنزّه عن الهوى وعلماء ارتموا فى حضن السلطة تحت دعاوى ومبررات واهية وحقائق ملتوية لضمان الكرسى أو لفسادٍ فى القلب والعقل.
فلنشاهد المقارنة المذهلة والمقاربة ذات الدلالة التى لا تخطئها العين إزاء موقف الشيخ الخضر حسين هذا التونسى الأصل عندما وُلي مشيخة الأزهر بعد أقل من شهرين من حركة 23 يوليو فى 16 سبتمبر 1952 بناءً على طلب ضباط يوليو حيث توجه ثلاثة من الضباط إلى منزله طالبين منه قبول المنصب فنهض بالأمانة ما وسعته الطاقة رغم قصر مدتها.
وعندما أحسّ بضغوطٍ تحول بينه وبين القيام بمهام الأمانة الموكلة إليه ، صمم على الاستقالة فى 7 يناير 1954 حين احتدم الصراع بين جمال عبدالناصر ومعسكره من صغار الضباط المنتفعين من الحكم الجديد من جهة وبين الرئيس اللواء محمد نجيب وجماعة الإخوان المسلمين من جهةٍ أخرى ، فطلب منه العسكر فتوى بأن هؤلاء (أى الإخوان) كفار أو خوارج أو بغاة فقال الشيخ رحمه الله ، "معاذ الله أن أختم حياتى بهذه الفتوى وأضع دماءهم في رقبتي – معاذ الله أن أقول عن الدعاة بغاة – لقد عشت خادماً لديني لا مستخدماً له قائلاً قولته الشهيرة ويكفى العبد كِسرة خبزٍ وشربة ماءٍ ، وما أكثر الفضاء في ملكوت الله ، وإني أشهد الله أن الإخوان دعوة ربانية عرفتهم ميادين البذل والعطاء والجهاد والتضحية ، لم يخونوا ولم يغدروا بما عرفت عنهم – وها أنا ذا أعلن استقالتي من كل منصبٍ يحول بيني وبين إرضاء ربي مختتماً استقالته المدوية قائلا " إن الأزهر أمانةً فى عنقي أسلمها – حين أسلمها – موفورةً كاملة ، بل وإذا لم يتأتّ أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدي ، فلا أقل من أن يحصل على نقص."
بهذه المقاربة البسيطة لشيوخ العزة المستمدة من عزة الإسلام مهما كانت التضحيات والضغوطات المادية والمعنوية وبين شيوخ السلطان الذين باعوا الدين بالدنيا والغالى بالرخيص واختاروا نعيم السلطان الزائل على نعيم الله الأبدي الباقي ، وتاريخنا الإسلامى المجيد مليءٌ بمواقف فاصلة لعلماء وأئمة يفخر بها كل مسلم حر لا يتسع المجال الآن لسردها من الحسين بن على رضى الله عنه وعبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير ومالك بن أنس وأبى حنيفة وبن حنبل وابن تيمية وعز الدين بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء وغيرهم.
فقد حفر هؤلاء القامات سيرتهم فى تاريخ العظماء والمجاهدين والمجددين بحروفٍ من نور بينما سيذهب الآخرون إلى مزبلة التاريخ غير مأسوفٍ عليهم بما قدمت أيديهم ، وبما أسبغوا من شرعيةٍ زائفة على طغاةٍ مستبدين وشرعنوا القتل والاستئصال والإرهاب وحملات التفزيع المستعرة منذ عدة شهور فى استخدام رخيص ومبتور للنص القرآنى والنبوى.
رضا حمودة

 
 
   Bookmark and Share      
  
  علماء تحدوا الطغاة وشيوخ انبطحوا أمام السلطان

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7