الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الأربعاء 10 أغسطس 2016

جمال سلطان يكتب : دلالات حملة التوقيعات الجديدة للسيسي وخطورتها
الحركة الغامضة التي نشطت هذا الأسبوع بدعوى جمع توقيعات لتمديد فترة حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي لثمان سنوات بدلا من أربع أثارت جدلا بقدر ما حركت مخاوف من "لعبة" جديدة يتم الترتيب لها في كواليس السلطة ، خاصة وأن الجيل الحالي "شرب" كثيرا من تلك "الألعاب" ولم يعد بحاجة للمزيد منها بعد أن ورثت البلد المهالك وأضلتها السبيل ، كما أعطت تلك التحركات حجة للأصوات المتشائمة من إمكانية الإصلاح في مصر عن طريق الديمقراطية وأن مسألة تخلي القيادة عن السلطة بطريق ديمقراطي مؤسسي وسلمي عادت لسيرتها الأولى : بعيدة المنال .

الحركة التي نشطت فجأة وجمعت حتى الآن حوالي مائة وعشرين ألف توقيع ، حسب كلام مؤسسها المجهول ، قالت أنها تهدف إلى جمع أربعين مليون توقيع ، ولا أدري سببا لهذا الرقم تحديدا ، إلا أنه ربما لتجاوز الرقم "الخرافي" الذي زعمت حركة تمرد أنها جمعته من أجل عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي قبل ثلاث سنوات ، وبطبيعة الحال لا يمكن التحقق من أي أرقام أو توقيعات ، لا مع تمرد ولا مع الحركة الجديدة ، ولا توجد أي جهة أساسا معنية بالتحقق من ذلك ، لأنها كلها "عرفي" وبروباجندا سياسية وإعلامية لا أكثر ، ولا صلة لها بالقانون أو الدستور ولا النظام العام للدولة ومؤسساتها ، ومفهوم أنها تحرك إعلامي محض لتوطئة المشهد لإجراءات غير ديمقراطية وغير دستورية .



الحركة التي نشطت قالت أنها انتخبت مجلس إدارة لتنظيم العمل وإدارته وأنها بدأت في الصعيد ثم تتمدد بعد ذلك في الدلتا وبقية البلاد ، وهذا العمل يصنف في القانون والنظام العام للدولة بأنه "جماعة أسست على خلاف القانون" وأنها مجرمة بنص القانون ، ويتوجب على أجهزة الأمن ملاحقة مؤسسيها والطلب من جهات التحقيق الإذن بتوقيفهم والعرض على النيابة ثم الإحالة للقضاء ، كما حدث مع غيرهم الآلاف الذين هم في السجون الآن ، بنفس الاتهام حرفيا ، ولكن ، لا الأمن سيتحرك ولا يملك أن يتحرك أساسا في هذه المساحة ، ولا جهات التحقيق ستكون مشغولة بذلك ، لأن مثل هذه التحركات في العادة تكون موجهة من جهات أعلى وسلطات نافذة وتملك الكثير من أدوات وإمكانيات "اللعب" خارج الخطوط .

الدلالة الأهم في التحرك الجديد هو أن ثمة أطرافا في مؤسسة الرئاسة بدأت تستشعر الخطر تجاه فرص استمرار السيسي في منصبه ، خاصة بعد التردي الواضح في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين ، وتبخر كل الوعود والأحلام التي كان يقدمها لهم السيسي يوم ترشحه ، وأن عبارة "بكرة تشوفوا مصر" أصبحت شؤما على البلاد والعباد لأن الحال أصبح أسوأ من ذي قبل ، وأن طلبه منهم الصبر مدة سنتين ليروا بعدها حجم التغير والنعيم الذي سيرفلون فيه ثبت أنه تقديرات لا صلة لها بالواقع ، وها هي السنتان مرتا وتحول الواقع إلى التراجع والانحدار أكثر ، كما أن المطالب بدأت تتزايد من خلال أصوات عديدة تتحدث عن إمكانية العمل على إعداد مرشح بديل للسيسي في انتخابات 2018 ، باعتبار ذلك المخرج الأكثر أمنا وسلمية ومؤسسية للتصحيح وضبط بوصلة الوطن بعيدا عن المغامرات وتحريك الشارع .

السيسي قلق ، هذا واضح ، ورجال مكتبه قلقون ، هذا مؤكد ، لكن الأهم أن يتم ترجمة هذا القلق بشكل إيجابي ، ولمصلحة الوطن وليس لمصلحة شخص ، نرجوه قلقا يجعلهم أكثر إدراكا للمسئولية ، ويتصرفون وفقا لتلك المسئولية تجاه الوطن وناسه ومقدراته وأمنه ووحدته ، قلق يحمي الشعب والجيش ، يحفظ وحدة الشعب ويحفظ هيبة جيشه وحرمته ، فالخطأ في التعامل مع تلك المؤشرات أو العناد معها ، والمكابرة أمام حقائق الواقع ، قد تدفع إلى سياسات رعناء وخطيرة تعرض الوطن للخطر الوجودي ، ولطالما حذرنا السيسي نفسه من الخطر "الوجودي" ، وكما كان ينصحنا بأن ننظر إلى تجربة سوريا والعراق ، فنحن ننصحه الآن بأن ينظر جيدا إلى تجربة بشار الأسد ونوري المالكي ، وكيف انتهى العناد وركوب الرأس وتجاهل الحقائق وإدارة الظهر لمعطيات الواقع والاستسلام أمام خدر تصفيق وتطبيل شلل صغيرة منتفعة حول القائد إلى تمزيق الدولة وتفجير المجتمع وفتح أبواب الشر على مصراعيها ، ثم تدمير البلاد وهدمها بشرا وحجرا ، على النحو المروع الذي نشاهده في سوريا الآن ، وكان الحل سهلا للغاية في البداية ، لو أن بشار الأسد فهم تحولات الواقع وأشواق شعبه للتغيير والإصلاح وأن رياح الربيع العربي ليست خاصة به وحده ، بل اجتاحت خمس دول من قبله ، ولو أنه اكتفى بالسنوات التي قضاها في الحكم ، وقرر الاستقالة أو التنحي وترك شعبه يختار قيادة جديدة بمحض إرادته ، وسمح بانتخابات حرة ، لو أنه فعل لحمى بلاده من هذا الشر الذي هدد وجودها ، بل أنهى وجودها كدولة واحدة وشعب واحد ، كما يرى كثير من المحللين الغربيين ، وتسبب في جلب الميليشيات من كل ملة وفج عميق ومنظمات الإرهاب من كل صنف ولون ، وحول أرض سوريا وسماءها إلى فضاء مستباح من عشرات الدول والجماعات .

احترام ذكاء الشعب واحترام إرادته واحترام معطيات الواقع أسهل الطرق لحماية الأوطان من التمزق والخراب ، والعناد والمكابرة واستغباء الشعوب هو أسهل الطرق للدمار ، والمؤسسية تحمي الاستقرار والأمان والسلمية وتحفظ وجود "الدولة" وسلامتها ، بينما "التهريج" على طريقة تمرد لم يعد قابلا للتكرار بل يفتح الباب أمام شرور بلا حصر وصعب توقع تفجرها ميقاتا وحجما ، والاحتكام إلى صندوق الانتخابات والإدارة الشفافة للعملية الانتخابية من أول خطوة لمنتهاها واحترام الدستور هو الطريق الوحيد لاكتساب الشرعية الآن ، وعلى العقلاء الذين يملكون "الكلمة" في الدولة أن يوضحوا ذلك بجلاء وحسم كافيين للمغامرين الجدد .

 
 
   Bookmark and Share      
  
  دلالات حملة التوقيعات الجديدة للسيسي وخطورتها

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7