الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الأربعاء 20 يوليو 2016

سليم عزوز يكتب :تركيا الجديدة
"ليس بعد حرق الزرع جيرة"!.. هكذا يقول المثل المصري.

فليس بعد قيام الجار بإضرام النيران في زراعات جاره، حديث عن حق الجوار الذي ينبغي أن يلتزم به الطرف المعتدى عليه. وهذا المثل الشعبي هو ما سيحكم العلاقة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأصدقائه الغربيين والإقليميين، أو من ظن هو أنهم أصدقاؤه، إذا ما استتب الأمر له، ونجح في إنهاء ما تبقى من جيوب الانقلاب، فيومها ستولد تركيا الجديدة.

الرئيس التركي، كان حريصاً على أن تكون بلاده جزءاً من الاتحاد الأوروبي، وأن يقدم نفسه للغرب باعتباره ملتزماً بقيم الحكم الراشد وفق المعايير الدولية، وقد استفاد هو بشكل خاص من ذلك، فالمطلوب منه دولياً لتكون أنقرة عضواً في الاتحاد الأوروبي، مقابله منع الجيش من الانقلاب عليه، فقد ألغى عقوبة الإعدام، لكنه في المقابل أمن مكر العسكر، لأن الحلفاء الغربيين لن يقبلوا بانقلاب في بلاده، ويبدو أنهم بعد تجربة الانقلاب العسكري في مصر، لم يروا مانعاً من التخلص منه بالانقلاب العسكري، لأن أردوغان بالتجربة لم يثبت أنه الحاكم العميل، والاستعمار القديم، أزعجه هذا الحاكم الذي تحولت بلاده إلى ملجأ للمستضعفين في المنطقة، ثم إنه يتحدث عن القضية الفلسطينية، في وقت سكت فيه الجميع، وعن كسر حصار الشعب الفلسطيني، وإعمار غزة، ويبدو أن حلم "الخليفة" يدغدغ خياله، وإذا تم غض الطرف عن هذا كله في البداية، فقد بات الغرب يستشعر أنه يوشك أن يكون أمام حالة مستعصية، فوجد أن هناك رأساً في المنطقة قد أينعت وحان قطعها!

لقد بدأ التخطيط للانقلاب مبكراً، وقامت مراكز أبحاث أمريكية بالانتهاء إلى ضرورة التخلص من أردوغان، ولأن من نصبوا أنفسهم أولياء أمور العالم، رأوا أنه من الصعب صناعة بديل يعتمد عليه، يمكنه هزيمة أردوغان عبر صناديق الانتخاب، فلا مانع من العودة إلى البديل القديم، وهو الانقلاب العسكري، الذي رعته واشنطن سابقاً ومنحته الشرعية !.

وبدا التآمر الغربي واضحاً للمراقب منذ اللحظة الأولى، فالبيت الأبيض، كان بيانه في الساعات الأولى، أنه يراقب الموقف عن كثب كأنه أمام نزاع بين أصحاب مركز قانوني متماثل، والسفارة الأمريكية في تركيا وفي اللحظة الأولى للانقلاب، وصفت ما يجري بأنه ثورة، ومن يقرأ بيانها سيعلم أنها مدركة لطبيعة ما يحدث وأنها منحازة للانقلاب. وكانت فرنسا قد أغلقت قنصليتها في إسطنبول في يوم الأربعاء "13 يوليو" قبل الانقلاب بيومين، وعندما وقع لم يكن الأمر بحاجة إلى جرعة ذكاء إضافية، للربط بين عملية الإغلاق وهذا الانقلاب!.

باقي الدوائر الغربية انتظرت النتيجة، وبعد مرور عدة ساعات، وبعد التأكد من فشل المحاولة الانقلابية، جاءت المواقف تباعاً، ومن البيت الأبيض، إلى فرنسا، انتقالاً إلى حلف الناتو، وألمانيا، والأوروبيين، وكلها تؤكد رفض الانقلاب والانحياز للسلطة المنتخبة، وهو موقف تأخره مثل قرينة ترتقي إلى مرتبة الدليل على هذا الضلوع الغربي في هذا الانقلاب، وأن من قاموا به في الجيش التركي، ليس أكثر من أذرع انقلابية للخواجة!.

لقد فشلت المحاولة الانقلابية، وهنا اعتمد النظام الغربي السيناريو البديل، الذي يتمثل في ضرورة حماية العملاء، بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان، وصدرت البيانات من باريس، ومن واشنطن، وألمانيا، تندد بانتقام أردوغان من معارضيه، وقالت الخارجية الأمريكية إن على الرئيس التركي أن يحافظ على قيم الديمقراطية، بينما قال القوم في فرنسا، إن هذه المحاولة لا تعطي أردوغان شيكاً على بياض للانتقام من خصومه، وهي مشاعر نبيلة، يقلل من نبلها أنها لم تتبد عندما أصدر قادة الانقلاب أوامرهم بتفجير مبنى البرلمان، وقصف مبنى المخابرات، والتنكيل برئيس أركان الجيش، وإطلاق الرصاص الحي على المواطنين. بل إلى الآن لم تطلب الدوائر الغربية التي تمتلك كل هذه المشاعر الإنسانية الجياشة، من الانقلابيين إخلاء سبيل رئيس الأركان المختطف الذي تعرض للتعذيب على أيدي خاطفيه لإجباره على التوقيع على بيان الانقلاب، بل لم يصدر من هذه الدوائر إدانة لمحاولة اغتيال الرئيس أردوغان، وإدانة الانقلاب، فإعلان الانحياز للسلطة المنتخبة لا يحمل أي إدانة لمحاولة الانقلاب عليها!.

لم تحدد الخارجية الأمريكية قيم الديمقراطية التي طالبت أردوغان بالتمسك بها في مجابهة الانقلاب، وكأن المطلوب منه أن يطلب من شعبه أن يحمل الورود لهم، وأن يواجهوا رصاصهم الحي بالهتاف:"سلمية.. سلمية"، وانظر كيف صارت النهاية الأليمة لمن هتف في القاهرة:"سلميتنا أقوى من الرصاص"، فقد تعرض للاعتقال وللإهانة، ولمحاكمات جائرة، لم يستدع ما جرى طلباً أمريكياً من صديق البيت الأبيض في القاهرة، احترام قيم الديمقراطية!.

لا أعرف ما هي الصفة التي بمقتضاها تحركت العواصم الغربية لتدافع عن قيم الديمقراطية وتدخلت بها في الشأن التركي، إلا الظن بأنهم أولياء أمر العالم، وإذا كان مثلي يتفهم إعلان الاتحاد الأوروبي بأن إعادة عقوبة الإعدام للقانون الجنائي التركي، تقلص فرص أنقرة في الانضمام للاتحاد الأوروبي فهو يقضي فيما يملك، فإني أرى أن هذا التدخل الغربي في شؤون الدول الأخرى له علاقة وثيقة، بتدخل الاستعمار بحماية ذيوله، وليس صحيحاً أن أردوغان يخوض حرباً ضد الانقلابيين في الداخل، ولكن الصحيح أن حربه هي أولى الحروب ضد الطبعة الثانية من الاستعمار، التي تأسست في الخمسينيات والستينيات، بوهم التحرر، والذي كان في الحقيقة اعتماد لون جديد من الاستعمار، عن طريق الوكلاء المحليين!

ولا نعرف أين هي قيم الديمقراطية، والولايات المتحدة الأمريكية تحتل العراق، بدون مسوغ قانوني، وبدون مبرر منطقي، وتعيده إلى القرون الوسطى، ولا أظن أن واشنطن مخول لها أن تعطي دروساً في حقوق الإنسان بعد جرائمها التي تبدت في سجن أبي غريب في بغداد، حيث جرى انتهاك أعراض الرجال، كما أنها في معتقل جوانتانامو اعتمدت شريعة الغاب، فقد اعتقلت الناس بدون أدلة وبدون محاكمات، ثم أين كانت قيم الديمقراطية والحكم يصدر بإعدام الرئيس صدام حسين، بعد محاكمة هي المهزلة بعينها، وأي قانون يعطي قواتها العابرة للقارات الحق في قتل زعيم القاعد أسامة بن لادن، بدون محاكمة، وبدون عريضة اتهام !.

لقد استمعنا إلى المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأمريكية في مؤتمر الإنجاز الصحفي يوم الاثنين "17 يوليو" متسائلاً وبراءة الأطفال في عينيه عن مبرر الانقلابات العسكرية؟، وهو يواجه بسؤال من قبل أحد الصحفيين عن اتهام واشنطن بأنها ضالعة في الانقلاب على الرئيس أردوغان، وكأن واشنطن لم تعتمد على عملائها من العسكر في فنزويلا، للقبض على الرئيس المنتخب الراحل "شافيز"، قبل أن يحرره الشعب الفنزويلي ويعيده للسلطة رغم أنف الأمريكان !.

وكأن واشنطن لم تساند العسكر في مصر في الانقلاب على أول تجربة ديمقراطية في البلاد، ولماذا لم يطالبوا صديقهم في القاهرة عبد الفتاح السيسي بأن يحترم قيم الديمقراطية، وهو يختطف الرئيس المنتخب ويسجنه في قاعدة عسكرية، وكانت "كاثرين آشتون"، "عرابة الانقلاب" تعلم مكان احتجازه ؟.. ولماذا لم تطالب واشنطن باحترام قيم الديمقراطية، في مواجهة المحاكم التي نصبت للسلطة الشرعية ومؤيديها في القاهرة، وهي محاكم لم تتوافر فيها أدنى قواعد العدالة. بل لماذا لم تتحرك مشاعرها الرقيقة، وأحكام الإعدام تصدر في مصر وبعضها ينفذ!.

إنه الغرب الذي يريد بهذه الإدانات، أن يبتز السلطة الشرعية في إسطنبول، باسم قيم الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، بغية حماية أذرعه الانقلابية، لكن فاته، أن زمن التوازنات قد ولى، فلم يعد أهل الحكم في تركيا، ممن يهتمون بذلك، فعندما تقرع طبول الحرب، تموت على أثر هذا القصائد العصماء، فلم يعد أردوغان حريصاً الآن على عضوية الاتحاد الأوروبي، ولم تعد تشغله، بل لم يعد مهموماً باجتياز الامتحانات التي تؤهله ليكون حاكماً مرضياً عنه غربياً، فلن ترضى عنه واشنطن وباريس وإن اتبع ملتهم.

لقد انتبهت في خطاب لأردوغان بعد الانقلاب يصف فيه الجيش التركي بأنه جيش محمد، وفي اليوم التالي كرر رئيس الوزراء السابق في خطابه أمام الجماهير المحتشدة في ميدان تقسيم هذا الوصف، وهو أمر لا تخطئ الأذن دلالته.

لقد ولى زمن المواءمات، فليس بعد حرق الزرع جيرة !.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 تركيا الجديدة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7