الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الأربعاء 20 يوليو 2016

جمال سلطان يكتب:فشل انقلاب تركيا وتأثيره على دول الربيع العربي
في السياسة كما في الثقافة كما في الاجتماع هناك دائما ظاهرة التأثير بالتداعي ، خاصة عندما تكون مفردات الواقع الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي متشابهة إلى حد ما ، وهو ما يمكن أن نسميه "العدوى" السياسية أو الثقافية ،

وفي مجال السياسة كان هذا واضحا في "الربيع الأوربي" عندما كسر البولنديون في نهاية الثمانينات الماضية حاجز الخوف وخرجوا في الشوارع على مدار شهور يتحدون الحزب الشيوعي الحاكم وأجهزة استخباراتية القاسية لكي تفرض نقابة عمالية في النهاية تغيرا سياسيا مثيرا ، وتنتقل بولندا إلى الديمقراطية وتكسر قيودها ويتحرر شعبها ،

وما إن نجحت التجربة حتى انتقلت العدوى لتجتاح ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبلغاريا ورومانيا وغيرها من دول أوربا الشرقية ، وانتهى الأمر بتحولها جميعا ، الواحدة تلو الأخرى ، إلى فضاء الحرية والتعددية والديمقراطية والخروج من المعسكر الشرقي بكل ظلمه وإظلامه .

الأمر نفسه تكرر في "الربيع العربي" عندما تفجر غضب شعبي مفاجئ اجتاح العاصمة التونسية ومدنا أخرى وأذهل "بن علي" ونظامه وأجهزته القمعية بعد أن جثم الطغيان على الشعب التونسي عشرات السنين ، فتحررت تونس وانتقلت إلى فضاء الديمقراطية ولو الضعيفة مرحليا ،

وفور نجاح الربيع التونسي انتقلت عدواه إلى مصر فخلعت الملايين الثائرة في الشوارع مبارك ثم انتقلت إلى ليبيا فخلعت القذافي ثم انتقلت إلى اليمن فخلت علي عبد الله صالح ثم انتقلت إلى سوريا فخلعت بشار عمليا وإن بقى الآن على رأس مشروع إقليمي طائفي كحالة رمزية بدون سلطة حقيقية على القرار . هذه الظاهرة ـ سياسيا ـ يمكن أن نتوقعها بسهولة مع الحالة التركية ما بعد الانقلاب الفاشل ، ونجاح تجربتها المدنية ثم استعصائها على الانقلابات العسكرية ، لأن ما حدث في تركيا أن حزبا مدنيا بشخصيات مدنية مزيج من الليبرالية والمحافظة نجح في قيادة الدولة باقتدار وانتشالها من الفقر والبؤس والفوضى إلى الرفاه والقوة والتفوق في مختلف المجالات ، وحقق لها من النجاح والنهوض والتنمية ما عجزت عنه أي نظم عسكرية سابقة في تركيا أو أي نظم أخرى في المنطقة ، ثم استعصمت هذه التجربة بالرهان على الديمقراطية وتعميق ثقافتها وتعزيز مؤسساتها وتأكيد التداول السلمي للسلطة ، الأمر الذي غير من البناء النفسي للمواطن التركي نفسه ، لأنه رأى وعاين ثمرة هذه الديمقراطية سياسيا واقتصاديا وثقافيا وتعليميا وصحيا وخدمات وبنية أساسية وعلى كل المستويات ، وبالتالي عندما فكر قطاع من العسكريين بالانقلاب تصدى لهم المواطن التركي العادي نفسه ، ليحمي تجربته ويحمي وطنه ويحمي مكتسبات الشعب ، وهذا ما أفقد العصابة الانقلابية أية مشروعية أخلاقية أو سياسية لتحركها وساهم في سرعة انكسارها ، كما أن تراكم الخبرة السياسية الناضجة والناجحة جعلت كل القوى السياسية حتى المعارضة ترفض فكرة استدعاء العسكر للتدخل في السياسة باعتبار أن عواقب ذلك دائما أسوأ بكثير من أي سوء في الوضع السياسي المدني ، وأن دخول العسكر في السياسية واستيلاءهم على السلطة يلغي السياسية أساسا ويعيد البلاد إلى الوراء على مختلف الأصعدة . ردود الأفعال في العالم العربي على ما جرى في تركيا كان أقرب لاستطلاع رأي عملي وجاد ، غالبية كاسحة من الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج تضامنت مع أردوغان وحزبه ضد الانقلاب العسكري ،

وشعرت بالعرفان لمعارضيه أيضا لموقفهم المبدأي النبيل ، مقابل نخبة صغيرة ومهمشة في بعض أجهزة الإعلام العربية التي ترعاها دولة الإمارات ، وأصوات طائفية في العراق ولبنان ، وأصوات أخرى ضعيفة مفهوم دوافعها في دمشق والقاهرة . نجاح تركيا وديمقراطيتها بقيادات مدنية ناضجة ومنفتحة ، واستعصاء الدولة ومؤسساتها على الانقلابات العسكرية ، سيكون له تأثير حتمي على مجريات الأمور في المنطقة ، وبدون أدنى شك فإن ما حدث مثل دعما معنويا وأخلاقيا وسياسيا كبيرا للثورة السورية ، بقدر ما مثل إحباطا وهلعا في أوساط الديكتاتور بشار الأسد وأنصار العسكرة ، كما أن التطورات الإيجابية في تركيا ستدعم كثيرا ثورة الشعب الليبي وتمسكه بمكتسبات وأشواق التحرر التي أتت بها ثورة 17 فبراير ضد الطاغية معمر القذافي ، والتمسك بدولة المؤسسات والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة كما ستقلل كثيرا من فرص الجنرال الدموي المخرب خليفة حفتر ، فالزمان لم يعد زمانه ، أيضا ستعزز الحالة التركية من قوة الدولة التونسية الجديدة وأحزابها المدنية وتعزز الثقة بالديمقراطية كخيار بديل ، وتعمق إيمان التونسيين بأنهم اختاروا الطريق الصحيح وإن كان الأصعب ، أيضا ستضعف التطورات التركية من الثقة بالمستقبل لدى الانقلابيين في اليمن سواء مؤيدي الدكتاتور المخلوع علي عبد الله صالح أو حلفاؤه الطائفيون من جماعة الحوثي ، وستدعم إحياء روح الربيع العربي في اليمن والتمسك بالديمقراطية وسلمية تداول السلطة .

في الحالة المصرية لا تخطئ عين المراقب تحولات واضحة لدى النخبة المصرية ، سواء التي آمنت بثورة يناير وشاركت فيها أو التي تظاهرت ضد محمد مرسي والإخوان في 30 يونيه ، هناك رفض حاسم للانقلاب العسكري في تركيا وتأكيد واضح على أن فشله هو انتصار للديمقراطية ، رغم التحفظ على الموقف من أردوغان والخوف من إجراءات انتقامية بعد فشل الانقلاب ، لكن الشاهد أن النخبة المصرية شبه مجمعة الآن على أن الخيار الديمقراطي بقيادات مدنية هو الحل وهو المستقبل ، وأن إقحام الجيش في السياسة بأي صورة أو مستوى هو خطر على الديمقراطية وعلى السياسة ذاتها ، هذه معاني لم تكن بهذا الوضوح والحسم من قبل ، حتى عند خصوم الإخوان والإسلاميين ، وصحيح أنه لن تكون آثاره حاسمة آنيا لتغيير في صيغة الحكم الحالي الأكثر استقرارا رغم المتاعب ، لكن المؤكد أنها ستظل تمثل عامل ضغط كبير ومتنامي سيرهق النظام السياسي ، ويضعف ثقته وثقة الداخل والخارج بمستقبله إن ظل على هذه الحال ، وسيجبر المنظومة الحالية على تعديلات قسرية إن رغبت في إطالة عمرها ، ولا شك في أن هناك الآن ضعفا متزايدا في الثقة الشعبية بالمستقبل في ظل الوضع الحالي ، وشوقا للتغيير وإيمانا به ، عبر عن نفسه بوضوح بإبداء الارتياح لفشل انقلاب الجيش في تركيا ، ونجاة الديمقراطية هناك من الغدر ، حتى رغم حضور الاختلاف مع أردوغان وحزبه ، تلك روح جديدة ، لم تكن موجودة في مصر بهذا الوضوح من قبل .
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 فشل انقلاب تركيا وتأثيره على دول الربيع العربي

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7