الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الإثنين 18 يوليو 2016

قطب العرب يكتب :ليلة سقوط الانقلاب في تركيا
شاء الله لي أن أشاهد وأن أشارك اللحظات الأولى لرد فعل الشعب التركي على المحاولة الانقلابية الفاشلة ليلة السبت في شوارع إسطنبول، وهو ما تكرر معي قبل ثلاث سنوات ليلة انقلاب السيسي في شوارع القاهرة، في المرتين كنت ضيفا على قنوات فضائية ووقع الانقلاب أثناء حديثي فكنت أول معلق على انقلاب السيسي في قناة العربية، ولم تكمل الحلقة التي كنت ضيفا فيها مع وقوع انقلاب تركيا.

أخذتني السيارة إلى حيث أقيم في منطقة الفاتح التي تبعد كثيرا عن القناة، لم نتمكن من التحرك كثيرا بسبب إعلان الانقلابيين فرض حظر التجول، وإغلاق بعض الشوارع، ظل السائق يناور من شارع إلى شارع، لكنه توقف في منتصف الطريق تقريبا، وكان علي أن أقطع المسافة الباقية سيرا على الأقدام وهو ما استغرق حوالي ساعة ونصف الساعة كنت شاهدا فيها على وضع الشارع خلال اللحظات الأولى للانقلاب، فقد وقفت طوابير السيارات أمام محطات البترول للتزود بالوقود، كما وقف أتراك كثيرون طوابير أمام ماكينات صرف العملة لسحب بعض المدخرات، وخلت العديد من الشوارع من السيارات، لكن كان اللافت بحق أن الأتراك كسروا ومنذ اللحظة الأولى حظر التجول الذي أعلنه الإنقلابيون بعد احتلالهم لمبنى التليفزيون الرسمي ونزلوا إلى الشوارع.

شاهدت حالات النزول الفردي والجماعي في أولى لحظاتها، هتافات غاضبة، لم أكن أدرك في البداية كينونتها، وهل هي ضد الانقلاب أم معه، لأنها اقترنت بحمل الأعلام كما فعل أنصار السيسي في مصر لحظة إعلان الانقلاب، زاد شكوكي التحام المتظاهرين برجال الشرطة و تبادل رفع شارات النصر بين الطرفين، لم أكن في تلك اللحظات مرتبطا بالإنترنت وكنت أعتمد على الهاتف بين الحين والآخر لمعرفة ما يجري حولي من بعض الأصدقاء، ولكن بمجرد وصولي إلى منطقة الفاتح ومشاهدتي لحشود المتظاهرين استطعت أن أكتشف بسهولة أنها رافضة للانقلاب، فقد إمتلأت بسيدات محجبات وأئمة مساجد، وقد استطعت الحديث مع بعضهم فعلا، لم يكن مظهر الحجاب أو لباس الأئمة دليلا على أن المتظاهرين هم إسلاميون فقط، فقد كان هناك أيضا الكثير من البنات والسيدات غير المحجبات، والشباب الذي يظهر من هيئته أنه شباب عادي أو ربما منتميا لأحزاب أخرى، وهو ما تأكد لاحقا بصدور بيانات من أحزاب المعارضة العلمانية رافضة للانقلاب العسكري، وداعمة للديمقراطية.

كان منظر نزول الشعب التركي ضد الانقلاب وصدور بيانات من أحزابه السياسية المختلفة رفضا لذلك الانقلاب مظهرا فريدا، استطاع في النهاية أن يهزم الانقلابيين في الشارع بالتعاون مع رجال الشرطة وبعض رجال الجيش، لكن ما لفت نظري هو الاختلاف الكبير بين هذا المظهر الحضاري والمظهر الذي شاهدته ليلة وقوع انقلاب السيسي من نزول آلاف المصريين داعمين للانقلاب على الديمقراطية، وما سبقه ولحقه من بيانات للأحزاب السياسية دعما لنزول الجيش.

في اسطنبول نزل الناس ضد حكم العسكر وطاردوا الضباط واستولوا على مدرعاتهم، بينما في القاهرة كانوا يوزعون الورود على هؤلاء الانقلابيين، وأقصد هنا أنصار السيسي فقط حيث كان هناك مصريون آخرون رافضون للانقلاب معتصمون بالفعل قبل وقوع الانقلاب بيومين في ميدان رابعة العدوية، وقد توافد عليهم الكثيرون بعد ذلك ليصبح عددهم أكثر من عدد داعمي الانقلاب.

كانت ليلة ليلاء، ظلت أصوات زخات الرصاص تنطلق حولي في منطقة الفاتح، وتلا ذلك أصوات انفجارات كبرى كانت تهز باب ونوافذ غرفتي، لم أكن متأكدا إن كانت قنابل أم طائرات كسرت حاجز الصوت، كانت لحظات عصيبة حينما شاهدت من الشرفة الأتراك يهرولون في شوارع خلفية، يبدو أنهم كانوا في حالة مطاردة من قبل رجال جيش وقتها، لكن كان هناك تصميم منهم على إعادة التوجه نحو مقر بلدية فاتح التي احتلها الانقلابيون، وقد نجحوا أخيرا في تخليصها منهم، ذكرني هذا الإصرار الشعبي أيضا بحالة أنصار الشرعية في مصر الذين كانت الشرطة والجيش يواجهانهم بالرصاص الحي والقنابل الغازية فيتفرقون لبعض الوقت في شوارع جانبية ثم يعاودون الكرة إلى الشوارع الرئيسية، لكن الفارق أن المتظاهرين في اسطنبول كانوا مدعومين من رجال الشرطة التي تصدت بقوة للانقلابيين.

المعركة الإعلامية كانت حاضرة منذ اللحظات الأولى للمحاولة الانقلابية، فقد حرص الانقلابيون كعادتهم على احتلال مبنى التليفزيون الرسمي ووكالة الأنباء الرسمية، وأجبروا مذيعة الشيفت على تلاوة بيانهم الانقلابي، وأوامرهم بحظر التجوال، لكن غباءهم منعهم أن يدركوا أننا لم نعد في عصر الصوت الواحد ، فمقابل قنوات التليفزيون الرسمي هناك مئات القنوات التركية بل والعالمية الأخرى التي تغطي الحدث تغطية مباشرة من كل المواقع المهمة في تركيا، وإذا كان الإنقلابيون نجحوا مؤقتا في السيطرة على التليفزيون الرسمي، وبث أكاذيبهم، وإذا كانت وسائل الإعلام العالمية الكبرى في غالبيتها بدت داعمة لهذه المحاولة الانقلابية، إلا أن وجود أصوات إعلامية أخرى سواء تركية أو غير تركية (مثل الجزيرة) تنقل الحقيقة أحدث توازنا في المشهد، وكان لحضور كبار المسئولين الأتراك عبر الإعلام دور حاسم، وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان الذي تحدث عبر سكايب مرة وهاتفيا مرة ثم تكرر ظهوره أمام الكاميرات لاحقا ليبدد شائعات هروبه خارج البلاد وطلبه اللجوء إلى ألمانيا أو غيرها حسبما ادعت وسائل إعلام داعمة للانقلابيين، ثم كانت اللحظة الإعلامية الأكثر تأثيرا في قدرة المواطنين الأتراك يتقدمهم وزير العمل على اقتحام مقر التليفزيون الرسمي وتحرير العاملين فيه، حيث عادت المذيعة ذاتها التي أجبرت على قراءة بيان الانقلابيين لتتلوا بيانات فشل الانقلاب وتنقل مباشرة تحركات المواطنين في الشوارع.

كان إعلام السيسي قد أقام الأفراح ابتهاجا بنجاح الإنقلاب في تركيا، وأطلق لنفسه العنان في اختلاق روايات غير صحيحة عن هرب أردوغان، وعن اعتقال أركان حكمه، وعن التحرك للقبض على الإخوان الموجودين في تركيا، وعن هروب الكثيرين منهم عبر الحدود البرية إلخ، وعن السيناريوهات المقبلة في تركيا والمنطقة، وكتب كبار الإعلاميين الداعمين للسيسي على صفحاتهم مهللين مرحبين بحكم العسكر في تركيا، وشامتين في أردوغان والإخوان إلخ، لكنهم لم يهنأوا كثيرا، وابتلعوا ألسنتهم بعدما تبين لهم فشل الانقلاب الذي قد تثبت التحقيقات أن للسيسي دورا فيه.

فشل المحاولة الانقلابية في تركيا سيكون له ما بعده سواء داخل تركيا أو خارجها، وهو بالتأكيد انتصار لكل أنصار الحرية في العالم وخاصة شعوب الربيع العربي وفي القلب منها مصر.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 ليلة سقوط الانقلاب في تركيا

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7