الثلاثاء 20 يناير 2015

من الصعب على كل من لا يعلم حقيقة الصوفية أن يتصور بعد قراءة هذه الكلمات أننا نتحدث عن فكر يدين أتباعه بالإسلام، ويدعون أنهم منتسبين إليه والى شريعته ومنتمين إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ يجد أن ما يقوله هؤلاء يتعارض بالكلية مع ابسط ما يعلمون عن الإسلام وشرائعه وأحكامه، فكيف لهؤلاء أن يكونوا قادة للمسلمين في أي زمان أو مكان؟؟

والعجيب أن هذا الكهنوت لم يكن في الإسلام يوما، بل ارتبط أكثر ما ارتبط بالنصارى، حيث يوجبون أن يجلس كل منتسب للنصرانية على كرسي الاعتراف أمام كاهنه ليخرج كل مخبوء في نفسه لكي يحصل على الغفران من الكاهن، ولم يعرف الإسلام يوما شخصية وسيطة بين العبد وبين ربه، ولم تعط هذه المكانة للأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام من الأصل حتى يدعي نوالها من هم دونهم.

ومن الطوام التي أتى بها الصوفية في أمر الشيخ ما يلي:

1- وجوب وجود الشيخ في حياة كل صوفي.

مصطلح الشيخ وطريقة التعامل معه احد الركائز الأساسية في الصوفية، فلا يعتبرون الصوفي إذا لم يكن شيخ بل عد بعضهم الرجل الذي ليس له شيخ أنه من الضُلَّال.

ومن أقوالهم في ضرورة ووجوب وجود شيخ في حياة كل منهم ما قاله أبو عبد الرحمن السلمي يقول: "من لم يتأدب بشيخ فهو بطال، ومن لم يلحقه نظر شيخ وشفقته لايجيء منه شيء"[1] ، وقول القشيري: "من لم يكن له أستاذ لم يفلح أبدا"[2] ، بينما يزيد أبو يزيد ويشتط فيقول: "من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان" [3].

 وقال الغزالي في الإحياء: "يحتاج المريد إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة، ليهديه إلى سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض! وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه، قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة، فمن سلك سبل البوادي المهلكة بغير خفير، فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها، فإنها تجف على القرب وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر، فمعتصم المريد شيخه، فليتمسك به" [4] .

قال الطيبي: "فقد أجمع أهل الطريق على وجوب اتخاذ الإنسان شيخًا له، يرشده إلى زوال تلك الصفات التي تمنعه من دخول حضرة الله بقلبه! ليصح حضوره وخشوعه في سائر العبادات، فيجب على كل من غلبت عليه الأمراض أن يطلب شيخًا يخرجه من كل ورطة، وإن لم يجده في بلده أو إقليمه، وجب السفر إليه" [5] .

قال عبد القادر عيسى: "الطريق العملي الموصل لتزكية النفوس، والتحلي بالكمالات الخلقية، هو صحبة الوارث المحمدي، والمرشد الصادق الذي تزداد بصحبته إيمانًا، وتقوى وأخلاقًا، وتشفى بملازمته وحضور مجالسه من أمراضك القلبية، وعيوبك النفسية، وتتأثر شخصيتك بشخصيته" [6].

وهذا المفهوم لا يعرفه الإسلام، فلا واسطة بين العبد وربه، والواسطة الوحيدة التي كانت موجودة كانت في أمين الوحي جبريل عليه السلام الذي كان ينقل الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، وانقطع هذا الاتصال بتمام الرسالة وبموت النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاج العبد إلى واسطة بينه وبين ربه سبحانه.

2- منزلة الشيخ الواجبة في نفوس أتباعه

كما اشتط الصوفية في قضية وجوب وجود الشيخ في حياة المسلم اشتطوا أيضا في المكانة الوجبة له، فقال ذو النون المصري جملة شديدة إذا اعتقدها المسلم على الوجه الذي قيلت به لربما خرج بالكلية من دين الإسلام، فقال : "طاعة مريد شيخه، فوق طاعته ربه" [7].

الشيخ في نظرهم هو الواسطة بين الله والمريدين، وهو أمين الإلهام كما أن جبريل أمين الوحي، يقول السهروردي: "كلام الشيخ بالحق من الحق، فالشيخ للمريدين أمين الإلهام، كما أن جبريل أمين الوحي" [8].

3- التبرير الصوفي لهذه المكانة للشيخ

ذكر الدكتور "لطف الله خوجة" تبريرهم العجيب لهذه المكانة الشديدة التي يجب أن يبلغها الشيخ في عين مريديه فيقول : "إن في هذا التبجيل الكبير للشيخ سرا قد لا يعرفه الكثير،أشار إليه الجيلي، حين ذكر أن الإنسان الكامل، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يظهر في صورة لأولياء، في كل زمان ومكان، وعلى ذلك فإن المريد يتعامل في حقيقة الأمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الإنسان الكامل، الذي هو، في نظرهم، من نور الله ومحل نظر الله تعالى،ومنه خلق العالم، وهو أول موجود،فلذا كان من الواجب أن يوقره وينزل طاعته منزلة طاعة الله"[9]

ومن أعجب ما يمكن أن يقرأه مسلم من كلمات تحمل فكرة ضالة مضلة لاشك وأنها ليس بينها وبين الإسلام صلة وهي فكرة الإنسان الكامل التي يشرحها الجيلي بقوله: "وسر هذا الأمر تمكنه صلى الله عليه وسلم من التصور بكل صورة، فالأديب إذا رآه في الصور المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد، فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة،ثم لا يوقع الاسم إلا على الحقيقة المحمدية، ألا تراه صلى الله عليه وسلم لما ظهر في صورة الشبلي رضي الله عنه، قال الشبلي لتلميذه: أشهد أني رسول الله، وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه، فقال: أشهد أنك رسول الله… فإذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلية في صورة من صورة الآدميين، فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد صلى الله عليه وسلم، لما أعطاك الكشف شأن محمد صلى الله عليه وسلم متصورة بتلك الصورة، فلا يجوز لك بعد شهود محمد صلى الله عليه وسلم فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل، وقد جرت سنته صلى الله عليه وسلم أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم، ليعلي شأنهم ويقيم ميلانهم، فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم" [10].

4- حق الشيخ على المريد

فكما اشترطوا في الأقسام السابقة التنظيرية للفكرة اشترطوا أيضا في تنفيذها حيث اشترطوا للشيخ على المريد حقوقا لم يعطها الإسلام للأنبياء ولا لبشر على بشر مهما كان، فقال القشيري: " ومن شرطه – أي المريد الحق في نظرهم - أن لا يكون له بقلبه اعتراض على شيخه، ثم يجب حفظ سره حتى زره إلا عن شيخه، ولو كتم نفسا من أنفاسه عن شيخه فقد خانه في حق صحبته، ولو وقعت له مخالفة فيما أشار عليه شيخه، فيجب أن يقر بذلك بين يديه في الوقت، ثم يستسلم لما يحكم به عليه شيخه عقوبة له على جنايته ومخالفته، إما بسفر يكلفه أو أمر يراه" [11]. ويقول السهروردي: "وهكذا أدب المريد مع الشيخ أن يكون مسلوب الاختيار لا يتصرف في نفسه وماله إلا بمراجعة الشيخ وأمره". ومن لم يفعل ذلك فإنه عند الصوفية لم يراع حرمة الشيخ التي تحدث عنها القشيري.

ويقول عبد الوهاب الشعراني "أدب المريد مع شيخه، يلازمه، ويصبر عليه، ويحبه، ويسلم له حاله، ولا يعترض عليه، ولا يتزوج إلا بإذنه، ولا يكتمه شيئا، ويريه فقره إليه، ولا يقول له: لا. يرضى بكل اختياره، ويتعاهد عياله، ولا يمد رجله تجاه شيخه" [12]، وبالتالي فتسحق إرادة المريد بين يدي شيخه تماما حتى يكون كالميت بين يدي مغسله، فلزموه بارتداء لبس معين، وبمشية معينة، وبشيخ معين، وبطريقة معينة لا يمكنه تخطيها ولو بقلبه.

فهل هذا من الإسلام؟ فقد قال العلامة ابن باديس رحمه الله : "الأوضاع الطرقية بدعة لم يعرفها السلف، ومبناها كلها على الغلو في الشيخ والتحيز لأتباع الشيخ وخدمة دار الشيخ وأولاد الشيخ، إلى ما هناك من استغلال وإذلال وإعانة لأهل الإذلال والاستغلال، وتجميد للعقول وإماتة للهمم وقتل للشعور وغير ذلك من الشرور".

الشيخ والعهد

دخول المريد مع شيخ من شيوخهم يلزمه إقرار من الطرفين وتعاقد يسمى بالبيعة أو اخذ العهد، وللمريد الذي يعطي العهد لشيخه له شعار وهو لبس الخرقة وإعطاء العهد أو "الميثاق" من المريد للشيخ على طاعة الله فلا تكفي للمسلم شهادة التوحيد بل يوجبون معاهدة الشيخ على الطاعة.

شروط الشيخ:

 والصوفية يشترطون شروطًا في الشيخ من أهمها ما يلي:

أ- أن يكون عالمًا بالفرائض العينية: كالعقائد والعبادات والمعاملات، ونحوها.

ب- أن يكون عارفًا بالله، - والعارف بالله مصطلح صوفي غامض بيّنه المناوي بتعريف أشد غموضا من المصطلح ذاته: (العارف من أشهده الرب نفسه! فظهرت عليه الأحوال) [13].

وعلى عادة الصوفية في الغموض واستعمال الأساليب الرمزية الإشارية في بيان الحقائق الصوفية، يقول محمد فاضل أبو ماضي: (والعارف هو المقبل بفكره وقواه النفسية على قدس الجبروت، مستديمًا لشروق نور الحق لسره بعد تركه للملك، وإشراقه على الملكوت ومواجهة نفسه للعزة) [14].

ج- أن يكون خبيرًا بطرائق تزكية النفوس ووسائل تربيتها: فلابد أن يكون قد زكَّى نفسه على يد مرب ومرشد، فخبر مراتب النفس وأمراضها ووساوسها، وعرف أساليب الشيطان ومداخله، وآفات كل مرحلة من مراحل السير، وطرائق معالجة كل ذلك بما يلائم حالة كل شخص وأوضاعه [15].

د- أن يكون مأذونًا بالإرشاد من شيخه: فلابد أن يكون المرشد قد أُجيز من قِبَل شيخه بهذه التربية وهذا السير، فمن لم يشهد الاختصاصيون بعلم يدعيه لا يحق أن يتصدر فيه" [16].

الأدب مع الشيخ:

 من الموضوعات الهامة التي افرد لها الصوفية الكثير من كتاباتهم موضوع الأدب مع الشيخ، لنكتشف أنهم يفرضون على المريد أن يعامل شيخه بتعامل يفوق التعامل البشري وليتجاوز كل عرف وكل منهج إسلامي قويم، فيقول ابن عربي في الفتوحات المكية في (باب في معرفة مقام احترام الشيوخ): (إن حرمة الحق في حرمة الشيخ، وعقوقه في عقوقه! هم حجّاب الحق، الحافظون أحوال القلوب على المريدين، فمن صحب شيخًا ممن يُقتدى به ولم يحترمه، فعقوبته فقدان وجود الحق في قلبه! والغفلة عن الله، وسوء الأدب عليه يدخل في كلامه ويزاحمه في رتبته، فإن وجود الحق إنما يكون للأدباء، والباب دون غير الأدباء مغلق، ولا حرمان أعظم على المريد من عدم احترام الشيوخ).  

ومن الخطورة الشديدة على دين المسلم إذا كان منتميا للصوفية أن يرى أن عليه أن يعطي هذه الحقوق لبشري مثله حتى لو كان شيخه الذي يعلمه، فهذه مرتبة لا يجب أن ينالها بشري من العيد أبدا، فيوجبون للشيخ على المريد آدابا مرعية يجب عليه مراعاتها وقسموها إلى آداب ظاهرة وباطنه.

أولًا: الآداب الباطنة:

ذكر بعضها ابن عجيبة في شرحه للحكم العطائية:

1- اعتقاد كماله، وأنه أهل للشيخوخة والتربية؛ لجمعه بين شريعة وحقيقة، وبين جذب وسلوك.

2- تعظيمه وحفظ حرمته غائبًا وحاضرًا، وتربية محبته في قلبه، وهو دليل صدقه، وعلى قدر التصديق يكون التحقيق، فمن لا صدق له لا سير له، ولو بقي مع الشيخ ألف سنة.

3- انعزاله عن عقله ورياسته وعلمه وعمله إلا ما يرد عليه من قِبَل شيخه، فكل من أتى شيخه في هذه الطريقة، فلابد أن يغتسل من علمه وعمله قبل أن يصل إلى شيخه، لينال الشراب الصافي من بحر مدده الوافي.

4- عدم الانتقال عنه إلى غيره، وهذا عندهم من أقبح كل قبيح، وأشنع كل شنيع، وهو سبب تسويس بذرة الإرادة، فتفسد شجرة الإرادة لفساد أصلها [17].

5- عدم الاعتراض على شيخه في طريقة تربية مريديه؛ لأنه مجتهد في هذا الباب عن علم واختصاص وخبرة، كما لا ينبغي أن يفتح المريد على نفسه باب النقد لكل تصرف من تصرفات شيخه، فهذا من شأنه أن يضعف ثقته به، ويحجب عنه خيرًا كثيرًا، ويقطع الصلة القلبية والمدد الروحي بينه وبين شيخه، قال العلامة ابن حجر الهيثمي: (ومن فتح باب الاعتراض على المشايخ، والنظر في أحوالهم وأفعالهم، والبحث عنها، فإن ذلك علامة حرمانه وسوء عاقبته، وإنه لا ينتج قط، ومن ثم قالوا: من قال لشيخه: لِمَ؟ لم يفلح أبدًا، وقال محمد بن حامد الترمذي: من لم ترضه أوامر المشايخ وتأديبهم، فإنه لا يتأدب بكتاب ولا سنة، وقال أبو العباس المرسي: تتبعنا أحوال القوم، فما رأينا أحدًا أَنكر عليهم ومات بخير) [18].

 6- أن يبالغ في حب شيخه: قال الشعراني: (عمدة الأدب مع الشيخ هو المحبة له، فمن لم يبالغ في محبة شيخه؛ بحيث يؤثره على جميع شهواته لا يفلح في الطريق؛ لأن محبة الشيخ إنما هي مرتبة إدمان يترقى المريد منها إلى مرتبة الحق عز وجل، ومن لم يحب الواسطة بينه وبين ربه التي من جملتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منافق، والمنافق في الدرك الأسفل من النار.

 وأجمعوا على أن من شرط المحب لشيخه أن يصم أذنه عن سماع كلام أحد في الطريق غير شيخه، فلا يقبل عذل عاذل حتى لو قام أهل مصر كلهم في صعيد واحد، لم يقدروا على أن ينفروه من شيخه، ولو غاب عنه الطعام والشراب أيامًا لاستغنى عنه بالنظر إلى شيخه في باله! وسمعت سيدي عليا المرصفي يقول: المريد يترقى في محبة شيخه إلى حد يتلذذ بكلام شيخه له كما يتلذذ بالجماع! فمن لم يعمل إلى هذه الحالة فما أعطى الشيخ حقه من المحبة!) [19] .

7- ألا يشرك مع شيخه أحدًا في المحبة، قال الشعراني: (ومن شأنه ألا يشرك مع شيخه أحدًا في المحبة، وكان سيدي علي بن وفا يقول كثيرًا: إياكم أن تشركوا في المحبة مع شيخكم أحدًا من المشايخ، فإن الرجال أمثال الجبال وهم على الأخلاق الإلهية المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم: (تخلقوا بأخلاق الله)، فكما أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، فكذلك محبة الأشياخ لا تسامح أن يشرك بها! وكما أن الجبال لا يزحزحها عن مكانها إلا الشرك بالله تعالى ما دام العالم باقيًا، فكذلك الولي لا يزيل همته عن حفظ مريده! من الآفات إلا شرك موضع خالص المحبة من قلبه!) [20].

8- عدم الاعتراض على الشيخ، فقد قال أبو علي الدقاق: (من دخل في صحبة شيخ ثم اعترض عليه بعد ذلك، فقد نقض عقد الصحبة، ووجب عليه تجديد العهد، على أن الأشياخ قد قالوا: إن عقوق الأستاذ قد يترتب عليه استحكام المقت، فلا يكاد يصح من ذلك العاق توبة! وكان أبو جعفر الخلدي يقول: من لم يحفظ الأدب مع المشايخ سلَّط الله عليه الكلاب التي تؤذيه).

9- الحرص على عدم تغيير قلب الشيخ، قال أحمد الأبيوردي: (إياكم والعمل على تغيير قلب شيخكم عليكم، فإن من غيَّر قلب شيخه عليه لحقته العقوبة، ولو بعد موت الشيخ! وزار أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي، فلما قدم خادمه السفرة قالا له: كُلْ معنا يا فتى، فقال: لا، إني صائم، فقال له أبو تراب: كُلْ، ولك أجر صوم شهر! فقال: لا، فقال له شقيق: كُلْ ولك أجر صوم سنة! فقال: لا، فقال أبو يزيد: دعوا من سقط من عين رعاية الله عز وجل، فسرَق ذلك الشاب بعد سنة فقُطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ! وسمعت شيخنا برهان الدين بن أبي شريف يقول: من لم ير خطأ شيخه أحسن من صوابه هو لم ينتفع به!).

10- التقرب إليه بخدمته، قال علي بن وفا: (من تقرب إلى أستاذه بالخدم تقرب الحق تعالى إلى قلبه بأنواع الكرم، وكان يقول: من آثر أستاذه على نفسه كشف الله له عن حضرة قدسه، ومن نزَّه حضرة أستاذه عن النقائض منحه الله بالخصائص، ومن احتجب عنه طرفة عين فلا يلومن إلا نفسه إذا أوبق بوائق البين، ولا يصل المريد إلى هذا المقام إلا إن جعل مراد شيخه مراده!).

11- ألا يدخل عقله في كلام الشيخ، قال الشعراني: ومن شأنه [أي المريد] أن لا يقيم ميزان عقله على كلام شيخه، حتى لو قال له: لا تحضر مجلس فلان العالم أو الواعظ، فلا ينبغي له حضوره! وذلك لأن شيخه أمين عليه في كل شيء يرقيه أو يوقفه أو يؤخره، وغير شيخه لم يلتزم ذلك معه فربما علمه ما يضره! ويورثه الإعجاب بنفسه مثلًا فيهلكه!.

وللشيخ أن يخرج المريد من ورد إلى ورد آخر، فإذا نهاه عن ورد بادر إلى امتثال أمره وليس له الاعتراض عليه بباطنه، ويقول: إن الورد خير، فكيف ينهاني عن فعله؟ فربما رأى الشيخ في ذلك الورد ضررًا على المريد! بدخول علة قادحة في الإخلاص مثلًا "[21] .

 ويمنعون المريد من لزوم شيخ آخر أو الاستفادة منه، فقد سأل الشعراني شيخه الخواص: (هل أصحب أحدًا من مشايخ العصر لآخذ عنه الأدب؟ فقال: لا تفعل ذلك في حياتي أبدًا)  [22] ، وفيما يلزم مريد الرفاعي أن يتحلى به: (أن لا يلتجئ إلى غير شيخه، حتى ولو كان ذلك الشيخ من الصالحين)[23]  .

ثانيًا الآداب الظاهرة:

من أهم وأوجب آداب المريد مع شيخه الصوفي الطاعة الكاملة ويقدمانها على طاعة العبد لأبيه وأمه ،فقال الشيخ داود الكبير: (خدمة أستاذك مقدمة على خدمة أبيك؛ لأن أباك كدرك وأستاذك صفَّاك، وأستاذك علَّاك، وأباك مزجك بالماء والطين، وأستاذك رقاك إلى أعلى عليين) [24] .

وبعد هذه الطاعة يلزمون المريد بهذه الآداب الظاهرة وهي:

1- السكينة والوقار في الجلوس بين يديه: فلا يضحك، ولا يرفع صوته عليه، ولا يتكلم في مجلس الشيخ ولو كلمة واحدة حتى يستدعيه للكلام، أو يفهم عنه بقرائن الأحوال كحال المذاكرة بخفض الصوت ورفق ولين، ولا يأكل معه ولا بين يديه ولا ينام معه أو قريبًا معه، وكل ذلك كما يقول عبد القادر عيسى: (لأن ذلك من عدم المبالاة بالشيخ وعدم الاحترام له، ومن صحب المشايخ بغير أدب واحترام حرم مددهم! وثمرات ألحاظهم وبركاتهم!) [25]  .

2- المبادرة إلى خدمة الشيخ بقدر الإمكان بنفسه أو بماله أو بقوله، قال ابن عجيبة: (فخدمة الرجال سبب الوصال لمولى الموالي) [26]  .

 ونقل الشعراني عن الشيخ علي وفا أنه قال: (من تقرب إلى أستاذه بالخدم تقرب الحق تعالى إلى قلبه بأنواع الكرم!) [27].

وقد تصل الخدمة بالمريد إلى أن ينظف مرحاض الشيخ! فعليه أن لا يعترض على ذلك؛ لأن الخدمة سبب للترقي والوصول، قال الشعراني: "فيجب عليه أن لا يعترض على شيخه بقلبه إذا استعمله في نزح السراب مثلًا، أو قال له: اعمل سراباتي - والسراب هو المرحاض - وقد كان الشيخ خليل المالكي صاحب المختصر بسبب نزحه سراب بيت الشيخ عبد الله المنوفي، فسمع الشيخ يطلب القنواتية، فأتى بالفأس والزنبيل من الليل وصار ينزح إلى الظهر، فما رجع الشيخ عبد الله من الدرس حتى نزح السراب كله، فدعا له الشيخ فصار علماء المالكية كلهم يرجعون إلى قوله وترجيحه إلى وقتنا هذا" [28] .

ولنا أبلغ الدروس من هذه القصة لنعلم مكانة المريد في نظر الشيخ وفعل الشيوخ بمريديهم ويظنون أنهم يحسنون صنعا، فحكى الشعراني وقال: بلغنا أن سيدي إبراهيم المواهبي لما جاء إلى سيدي الشيخ أبي المواهب يطلب الطريق إلى مقدمة الأدب مع الله تعالى أمره أن يجلس في الاصطبل يخدم البغلة ويقضي حوائج البيت! وقال له: احذر أن تحضر مع الفقراء - يعني الصوفية - قراءة حزب أو علم! فأجابه إلى ذلك فمكث سنين! حتى دنت وفاة الشيخ فتطاول أكابر أصحابه للإذن لهم في الخلافة بعده - انظر إلى الزهد في الدنيا والرغبة في الخمول وعدم الصدارة والرئاسة كما يزعم الصوفية عن التصوف! - فقال: ائتوني بإبراهيم، فأتوه به ففرش له سجادة، وقال له: تكلم على إخوانك في الطريق، فأبدى لهم العجائب والغرائب نظمًا ونثرًا حتى انبهرت عقول الحاضرين، فكان سيدي إبراهيم الخليفة بعد الشيخ ولم يظهر من أولئك شيء من أحوال الطريق، فعلم أن معرفة الأمور التي يقع بها الفتح راجعة إلى الشيخ لا إلى المريد! " [29].

فهل يمكن بعد هذا أن يقول احد أن هذه علاقة بين عبد وعبد مثله أم أنها تصل إلى مرحلة من التقديس ما يمكن أن يقال أنها علاقة عبد بربه ومعبوده؟

إن الأمر يحتاج من كل من ينتسبون للصوفية أن يراجعوا دينهم في علاقتهم مع من يقومون بتوجيههم فلا ينزلونهم منزلة تفوق منزلة البشر تحت أي مسمى من المسميات وان يعودوا للمنهج الإسلامي الصحيح، فلم يفعل ذلك احد من سلف هذه الأمة من جيل الصحابة والأجيال التي تلته[30] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] جوامع آداب الصوفية (تسعة كتب في أصول التصوف والزهد) ،  محمد بن الحسين السلمي ، تحقيق: سليمان إبراهيم آتش، الناشر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان - ص160

[2] الرسالة للقشيري 2/735.

[3]  تذكرة الأولياء، (1/171).

[4] إحياء علوم الدين، الغزالي، (3/56).

[5] حقائق عن التصوف، ص(95). للشيخ عبد القادر عيسى ، كتبه في الدفاع عن التصوف ودفع الشبهات عنه

[6] المصدر السابق، ص(54).

[7] تذكرة الأولياء 1/171، نقلا عن كتاب: في التصوف الإسلامي ص78.

[8] عوارف المعارف للسهروردي 5/265، ملحق بإحياء علوم الدين للغزالي.

[9] مقال : لماذا يفرض الصوفية طاعة الشيخ؟!! / للشيخ لطف الله خوجه

[10] الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل تأليف : عبد الكريم الجيلي تحقيق: أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد عويضة 2/74- 75

[11] الرسالة للقشيري 2/ 36-37

[12] كتابه"الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية"

[13] التوقيت على مهمات التعريف، ص(496).

[14] مذكرة المرشدين والمسترشدين، ص(35).

[15] حقائق عن التصوف، ص(79).

[16] المصدر نفسه

[17] إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ابن عجيبة، ص(771).

[18] حقائق عن التصوف، ص(59).

[19] الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، الشعراني، ص(114-155).

[20]  المصدر نفسه

[21] هذا والإحالات السابقة كلها من الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، الشعراني

[22] درر الغواص، ص(53).

[23] قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر، ص(278).

[24] الطبقات الكبرى، الشعراني، (1/169).

[25] حقائق عن التصوف، ص(99).

[26] شرح الحكم، ص(175).

[27] الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، ص(150).

[28] المصدر نفسه

[29] المصدر نفسه

[30] من مراجع التقرير بحث للأستاذ عبد العزيز مصطفى الشامي نشر على موقع الصوفية 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 طاعة الشيخ عند الصوفية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7