الثلاثاء 31 ديسمبر 2013

آمنا بأن الإسلام خير نظام على الأرض، وبأن موقعنا التاريخى والجغرافى والدولى يجعل الإسلام هو طريقنا الوحيد إلى العزة والكرامة والعدالة الاجتماعية. ولكن كيف السبيل إلى تحقيق الإسلام اليوم فى عالم معاد للدعوة الإسلامية، وفى حكم طغاة من الحكام يحاربون الإسلام فى الداخل كما يحاربه أعداؤه فى الخارج أو هم أشد قوة؟!

"كيف السبيل"؟؟

إنه لن توجد إلا سبيل واحدة لكل دعوة على الأرض، الإيمان!

لن يصلح آخر هذا الدين إلا بما صلح به أوله.

إننا نواجه اليوم الموقف نفسه الذى كان يواجهه المسلمون الأوائل فى صدر الإسلام. كان المسلمون حفنة قليلة (قلة مندسة)، وكانوا يواجهون أكبر إمبراطوريتين فى ذلك التاريخ: الإمبراطورية الرومانية عن شمال، والإمبراطورية الفارسية عن يمين. وكانت موارد الإمبراطوريتين من الرجال والعتاد والأموال والفنون الحربية والخبرة العسكرية والسياسية أضعاف ما يقدر عليه المسلمون.

ومع ذلك فقد وقعت المعجزة. وكانت أعجب معجزة فى التاريخ. فقد تغلبت هذه الحفنة القليلة من المسلمين على إمبراطوريتى كسرى وقيصر، وقضت عليهما تمامًا فى أقل من نصف قرن، وورثت ملكهما، وبسطت يدها على عالم يمتد من المحيط إلى المحيط!

فكيف حدث ذلك؟

لن تستطيع كل التفسيرات المادية والسياسية والاقتصادية للتاريخ أن تفسر كيف حدث ذلك ولكن شيئًا واحدًا يمكن أن يفسره، الإيمان.

الإيمان الذى كان يدفع الرجل من أولئك أن يقول: أليس بينى وبين الجنة إلا أن أقتل هذا الرجل أو يقتلنى؟ ثم يندفع إلى القتال كأنه مقبل على عرس. أو يقول: "هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين؟" الشهادة أو النصر؟ ثم يلقى بنفسه فى المعركة ليلقى إحدى الحسنيين.

تلك هى السبيل. ولا سبيل غيرها لكل دعوة على الأرض.

وإن قومًا ليقولون وهم مخلصون، أو يقولون وهم متخاذلون: السلاح! أين السلاح؟

إن السلاح وحده لا يُغنى. لقد كان الطليان فى الحرب العالمية السابقة يملكون أسرع الأسلحة وأفتكها، ومع ذلك لم ينتصروا أبدًا ولم يصدوا فى معركة. كانوا يتسابقون إلى الفرار، ويمنحون أسلحتهم لمن يمنحهم نعمة الوقوع فى الأسر!

وما يقول أحد إن الطريق أمامنا مفروش بالزهور. كلا. إن أمامنا العرق والدماء والدموع. ولا بد لكل دعوة من تضحية. ولا بد للنصر من تضحيات. وإن الهدف الذى ننصبه أمامنا: هدف العزة والكرامة والعدالة الاجتماعية، لجدير بأن نبذل فى سبيله تضحيات. وهى على أية حال لن تزيد على التضحيات التى نبذلها، والتى يطلب منا أن نبذلها فى الهوان والفقر والتعاسة والتشريد.

كم بذل شعبنا وشعوب المنطقة فى الحروب السابقة؟ كم ألفًا قتلوا فى نكسات متتالية وانتصارات زائفة؟ كم عرضًا انتهك؟ كم من المؤن والأقوات سلب بلا مقابل؟. ثم؟ ثم طلع علينا من يحدثنا عن "الحرب على الإرهاب"!

وبالأمس كان الغرب يريد أن يُدخل هذه الشعوب فى حلف للدفاع المشترك، يريد أن يجند منها نصف مليون لتجرب فيه الأسلحة الفتاكة قبل أن تصل إلى "الرجل الأبيض" من الأمريكان والإنجليز. ويسلبوا أقواتنا ويعتدوا على أعراضها. ثم؟ ثم يركلونها بأقدامهم فى نهاية المعركة سواء كسبوا أو كانوا من الخاسرين.

فإذا لم يكن من الموت بد، فلماذا يموت الناس فى سبيل الذل والهوان؟ نصف مليون يموت فى سبيل "الحلفاء". حين يموت نصف مليون فى سبيل الإسلام، فلن يبقى طاغية واحد فى الأرض المقدسة، ولن يبقى استعمار على وجه الأرض.

تلك هى السبيل.

وإن موقفنا اليوم لهو ذاته موقف المسلمين الأوائل من الإمبراطوريتين الكبيرتين عن شمال وعن يمين.

أما الحكام الطغاة فى داخل العالم الإسلامى فمآلهم إلى الزوال. من كان يصدق أن مبارك وبن على والقذافى وغيرهم سيخلعون عن عروشهم؟

وما حدث مرة يمكن أن يحدث مرة ومرة، وهذا الوعى الإسلامى الذى يطلب العدالة الاجتماعية عن طريق الإسلام، ولا يطلبها عن طريق التبعية والذوبان فى الكتلة الشرقية أو الغربية ليس عبثًا.

والإسلام سائر فى طريق القوة -على الرغم من الضربات الوحشية التى تكال له فى كل مكان- لأن طبائع الأشياء كلها تؤذن بمولد الإسلام من جديد، لأن له اليوم دورًا فى حياة البشرية لا يقل ضخامة ولا قوة عن دوره فى صدر الإسلام.

دور التبشير بعالم جديد لا تحكمه المادة ولا يستعبده النزاع على الاقتصاد، عالم يحكمه مزيج من المادة والروح يجتمعان معًا. وإن العالم الذى أُغرق فى المادة فلم تشبع روحه، ولم تبعث الاستقرار إلى نفسه، بل أوقعته فى صراع دائم مرير، لا بد أن يفىء ذات يوم إلى نظام لا يهمل عالم المادة ولكنه لا يغفل عالم الروح. لا بد أن يفىء إلى الإسلام.

أما نحن فلن يكون طريقنا مفروشًا بالزهور. ولا بد من تضحيات كثيرة كتلك التى بذلها المسلمون الأوائل ليقنعوا العالم بما فى الإسلام من خير. ولكنها تضحيات مضمونة فى الأرض والسماء: (وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) صدق الله العظيم.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 سر انتصار القلة المندسة!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7