الأحد 29 ديسمبر 2013

عنوان البحث: أنسنة الوحي (دراسة نقدية)(*)

تأليف: الدكتور حسان القاري(**)

ـــــــ

تروج في الوقت الراهن وخاصة في الأوساط الفلسفية والشرعية المتعصرنة بعض الدعاوى التي تزعم أن الوحي الإلهي إنما هو نصوص بشرية أو نصوص مطلقة عن المعاني، ولذلك فإن بإمكان أي شخص أن يفهمها أو يفسرها على النحو الذي يراه منسجما مع ظروفه وآرائه؛ وتستخدم لتدعيم مثل هذه الدعاوى بعض المقولات الشرعية المتصلة بعلوم القرآن أو أصول الفقه، كالنسخ وأسباب النزول، وتبدل الأحكام بتبدل الأحوال.

وتحمل هذه الدعاوى تأثراً واضحاً ببعض الدعوات الفلسفية الغربية الحديثة التي تتبنى قواعد الهرمونوطيقا التي تسعى إلى تحويل الثيولوجي إلى أنتروبولوجي. وهي بالنهاية تمهد إلى نبذ الوحي والتخلي عنه.

وللتحقيق في صحة مثل هذه الدعاوى من بطلانها لا بد من دراسة ظاهرة الوحي على أساس المنهج العلمي السليم، مع تركيز العناية بكل جانب ذي صلة بالموضوع المطروح. للتأكيد أن هذا الوحي إلهي المصدر لا بشري.

وفي سياق ذلك لا بد من دراسة مقارنة لمواقف الفلاسفة الأقدمين، والفلاسفة الإسلاميين، وأحبار النصارى، والمستشرقين، والعلمانيين العرب وصولاً إلى مناقشة تلك المقولات الأنسنية، بالاعتماد على مراجعة الأساس المعرفي الأبستمولوجي لها، وتوضيح صلتها ببعض المفاهيم الفلسفية القديمة وبالسفسطة واللاأدرية. ودراسة مدى صحة اعتمادها المزعوم على الأسس الشرعية السالفة الذكر.

ولا بد أيضاً من مناقشة الاتجاه الهرمينوطيقي مقارناً بالقواعد الأصولية لفهم النصوص، ليتم بيان حقيقة العلاقة بين الوحي ومن أوحاه، وأن فهم النص هو في الحقيقة محاولة فهم مراد الله فيما أوحاه، مما يعني أن محاولة فهم النص على أنه وحدة منقطعة عن مصدره هي محاولة باطلة؛ وأن القانون السليم لفهم النص عامة والموحى به خاصة ما هو في الحقيقة إلا القواعد الأصولية المقررة لدى الفقهاء المسلمين.

وبذلك كله تكون الأمور قد اتضحت وضوحاً يساعد على كشف الدوافع الحقيقية لإنشاء وإشاعة هذه الدعوات الفلسفية المعاصرة في المجتمع العربي والإسلامي وخطرها على مشروع النهوض بالحضارة الإسلامية.

فمن خلال هذا البحث يسعى كاتبه إلى إظهار بطلان هذه الدعوى (دعوى أنسنة الوحي)، التي يروج لها البعض تقليدا لدعوات غربية منكره للوحي وللرسالة الإسلامية بصفة عامة، وعليه جاء هذا البحث في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة جمع فيها الباحث أهم ما توصل إليه من نتائج وتوصيات.

المبحث الأول: مفهوم الوحي في الفكر الإسلامي

المطلب الأول: الوحي عند علماء الإسلام:

عرَّف الباحث الوحي شرعًا بأنه إعلام الله تعالى نبيه بحكم شرعي ونحوه، بواسطة أو بغير واسطة، وسمي وحياً لأَن المَلك أَسره على الخلق وخص به النبي المبعوث إِليهِ. ولا يجوز أن تطلق الصفة بالوحي إلا لنبي. وهو أيضا بمعنى الموحى به أي: الكلام أو النص الذي يعلِمه الله تعالى نبيه بواسطة أو بغير واسطة سواء كان لفظا ومعنى، أو معنى فقط.

المطلب الثاني: الوحي عند الفلاسفة الإسلاميين:

في هذا المطلب بين الباحث أن آراء الفلاسفة الإسلاميين تعكس على الإجمال محاولة للجمع بين ما جاءت به الشرائع وما قال به فلاسفة اليونان، مع ترجيح المقولات الفلسفية الجامدة بوقوفها الغالب عند مشكلة الوجود على نصوص الوحي المتحركة بانطلاقها عموماً مع مشكلة العمل؛ فكانوا يسعون إلى تحقيق نتائج مسبقة من خلال النصوص هي ما قرره فلاسفة اليونان.

حتى حاول أمثال ابن سينا والفارابي والطوسي إدراج ما جاءت به الشرائع من أوصاف الوحي والنبوة تحت التصور العام للميتافيزيقيات عند الفلاسفة الأقدمين.

المبحث الثاني: الوحي في الفكر الغربي التراثي

المطلب الأول: الوحي في اليهودية:

ختم الباحث حديثه عن الوحي في اليهودية بقوله: أنه ومن جميع الوجوه السابقة يثبت تدخل اليد البشرية والعقل البشري في صياغة وتحديد مدلولات النص الديني اليهودي، ومن ثم فإنَّ تطبيق المنطق الهيرمينوطيقي عليها لا يؤثر بأي جديد فيها.

المطلب الثاني: الوحي عند الفلاسفة الأقدمين:

بين الباحث أن الديانة الوثنية اليونانية ديانة صنعها البشر، وملامح المقولات المبثوثة داخل فلسفاتهم مما يبدو مستفاداً من الرسالات السماوية هي مقولات وصلتهم محرفة بأيد بشرية-وأما الوحي فيها فكان كالصوت الخافت الذي لا يكاد يسمع-، فضمنوها في داخل فلسفاتهم، التي كانت بدورها هي الأخرى فلسفات بشرية، وقد حملت داخل أحشائها أول صياغة صريحة للدعوة إلى الأنسنة المطلقة في كل مجال من المجالات، وهذا على لسان أشهر السوفسطائيين بروتاغوراس، وذلك بقوله: (إن الإنسان مقياس كل شيء).

وهذا كما هو واضح ليس تحكيماً للعقل البشري في الحكم على الحقائق، فإنه على يد أشهر السوفسطائيين، وإنما هو تحكيم للشعور أو الرأي أو المزاج المحض بشكل مطلق عن القول بالإذعان لثبوت شيء من الحقائق أصلاً.

المطلب الثالث: الوحي في النصرانية:

بعد عرضه لمعاني الوحي في النصرانية ختم الباحث حديثه بنتيجة تقول: أن أصل الأصول في الديانة المسيحية يكتنفه قدر هائل من الشكوك والاضطراب، حتى وصفه بعضهم بالأدب المفكك، وهو أمر يفتح الباب على مصراعيه متيحاً المجال الواسع لحرية تطبيق مقولات الفينومينولوجيا واستعمال وتفكيكية دريدا والمنهج الهرمينوطيقي، من أجل محاولة البحث عن الحقيقة المختفية وراء حروف النص وكلماته وبين سطوره، من أجل اكتشاف المسكوت عنه من خلال المفصح عنه. أو أن يزاح عن أصل النص الموحى به أو الواقعة التاريخية التضخيم الذي أضافه الخيال البشري.

المبحث الثالث: الوحي في الفكر الحديث

المطلب الأول: الوحي عند فلاسفة الغرب المحدثين:

تمثلت مواقف فلاسفة الغرب المحدثين من الوحي في ثلاثة مواقف:

1. موقف من يرى ما في الكتب المقدسة وحياً إلهياً وأنه مصدر الحقيقة الأكبر، والأعظم ثقة من غيره. ولكن هؤلاء قليلون.

2. موقف من يتصور أن هناك وحياً إلهياً ولكنه مختلط بغيره، فيجب تصفية هذا الوحي من خلال العقل البشري.

3. موقف غالب الفلاسفة وخاصة في هذا القرن أنه ليس ثمة وحي إلهي وكل ما جاءت به الأديان وجميع المعتقدات إنتاج بشري، يرى بعضهم أن الإنسان استمده من عقله المجرد.

المطلب الثاني: الوحي عند المستشرقين:

أثار المستشرقون حول الوحي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم شبهاً تتناول ظاهرة الوحي، وجمع القرآن وكتابته، وجمع السنة، وتمحيصها، وكلها قائمة على الهوى، والأحكام المسبقة كما اعترف كثير من متأخريهم بذلك.

واتفق جل المستشرقين قديماً وحديثاً على أن الوحي لا يمكن أن يكون واقعة مستقلة عن كيان الرسول صلى الله عليه وسلم ونفسيته أو شعوره، وإن كانت اختلفت تعبيراتهم وصياغاتهم في ذلك فَعد بعضهم ما يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم حالة مرضية وصفها بعضهم بالصرع أو الهوس، أو الهستريا أو الهلوسة والهذيان وآخرون بالاستبطان أو الشعور الداخلي أو التصوف العميق، وغيرهم بالاتصال بالشياطين ثم بدأوا يتخلون عن ذلك منذ بداية القرن العشرين أمام الانتقادات التي وجهت إليهم من داخل مدرستهم.

المطلب الثالث: الوحي في الفكر العلماني العربي:

شاع الانتقاص من موثوقية القرآن على لسان العلمانيين منذ أن طعن طه حسين في خبر القرآن الكريم حول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وقد كرر هؤلاء من حينها كل ما ردده المستشرقون في شأن الوحي بشكل سافر، فكرروا كلام المستشرقين في شأن الوحي، من أن المطلوب أن نتعامل مع القرآن على أنه نص تاريخي خضع لما تخضع له النصوص التاريخية، وأن نُراجع توثيق القرآن الكريم وتصحيحه.

المطلب الرابع: نقد أنسنة الوحي:

ختم الباحث بحثه بتقديم نقد عام شامل فيما يخص مسالة الأنسنة (للوحي) والهدف منها، مشيرا إلى أن الوحي وهبي لا كسبي، إلهي لا بشري، يكون فهم نصوصه الموحى بها بناء على نسبته إلى المرسِل هداية للمتلقي في كل زمان ومكان وكل حال.

أهم النتائج التي توصل إليها هي:

1. أوضح البحث عدم مناسبة الاتجاه الهرمينوطيقي والتفكيكي للتطبيق على النص القرآني. ومن ثم عدم إمكانية تطبيق مقولة الأنسنة على الوحي في الإسلام. وتم شرح أسباب ذلك بأسلوب الدراسة النقدية لدعوة الأنسنة.

2. الكشف عن فساد المنهج العلمي الذي ترتكز عليه دعوة أنسنة الوحي إذ تنتهي إلى التنكر لقيمة العلم في ذاته، وتمتد بجذورها إلى الفلسفة السوفسطائية العندية.

3. تحديد أقدم استخدام معروف لمفهوم الأنسنة. وهو ما جاء على لسان برتاغوراس أشهر العنديين، في قوله: (إن الإنسان مقياس كل شيء).

4. اكتشاف أن المصدر الذي اقتبس منه الشيخ محمد عبده قوله في النبوة، هو كلام ابن السيد البطليوسي الأندلسي في هذا الموضوع.

5. دفع البحث العديد من الشبهات عن النص القرآني ومنها المقولة التي يتبناها المستشرق الإنكليزي المعاصر الدكتور ج. ر. هاوتنغ.

6. وكذلك أشار إلى مواضع الخلل الرئيسة في الركائز المدعاة من أجل شرعنة تطبيق منهج الأنسنة على نصوص الوحي الإسلامي.

7. وقد كان لاعتماد البحث على المنهج التحليلي والتاريخي النقدي أثر كبير في الكشف عن فوارق المواقف من الوحي لدى الأديان والفلسفات الأساسية في تاريخ الإسلام والغرب.

8. فضلاً عن غير ذلك من النتائج الجزئية.

التوصيات:

1. الدعوة إلى اهتمام المختصين بإزالة الأغلفة الاصطلاحية الموهمة التي يستخدمها دعاة الحداثة وما بعدها.

2. تركيز الاهتمام العام على نشر الدعوة إلى الفكر والسلوك الديني الملتزم بين مختلف الطبقات الثقافية، في المجتمع العربي خاصة، والإسلامي عامة. لدعم مشروع الصحوة، استباقاً لخطر انزلاق الأمة في أحضان الدعوات الهدامة المتسترة بالحداثة.

3. إن الحديث عن نصية التاريخ في القرآن والواقع هو الطرح الصحيح في مقابلة تاريخية النص القرآني. [ويجدر التأليف فيه].

وهنا أختم بأنه قد بات من الواجب أن تنتهي المعادلة إلى العودة إلى الثوابت الدينية، أو إلى نفي كل الثوابت. وذلك هو معنى ما بعد الحداثة فلسفيا: فبعد فشل أصحاب التنوير، وخاصة بعد نجاح حركات التحرير التي يعلم جميعهم دورها في الأنثروبولوجيا ما بعد الحداثية، بات من الضروري أن تسقط مطلقات الإنسوية الغربية، ولا يمتنع عود ما أنهدم مادام الله تعالى هو القائل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم}[الزُّمَر:53

ــــــــ

(*) قسم العقائد والأديان- كلية الشريعة- جامعة دمشق

(**) مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية– المجلد 26 - العدد الثاني- 2010م.

 

لتحميل الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
  أنسنة الوحي (دراسة نقدية)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7