الجمعة 6 ديسمبر 2013

دائما ما تكون الأفكار الحديثة التي تقع ضمن دائرة المعتقدات والعبادات والتي تنتشر في العالم عادة ما تكون نسخا جديدة من أفكار قديمة تم طرحها وتداولها في العالم القديم, وحتى الأفكار الجديدة في العالم عادة ما تكون إعادة تدوير وطرح بصورة جديدة للأفكار القديمة, فلا جديد غالبا في الأفكار ولا في المعتقدات.

وظاهرة الدعوة إلى الإلحاد ظاهرة قديمة في الكون رغم طرحها بقوة في الوقت الحاضر وتعدد وسائل الدعوة إليها في الكثير من المحافل بين كثير من الأوساط, فلها امتداد قديم تم نقلها إلي الإسلام والمسلمين عبر الفلسفة والفلاسفة من أبناء الديانات الوثنية من الهند.

وهناك طائفة رغم عدم انتشار ذكرها في التاريخ الإسلامي إلا أنها كانت مؤثرة بفكرها كثيرا إذ باتت أفكارها شوكة في حلوق المسلمين لفترة طويلة إذ كانت الأساس الفكري لأفكار الجهمية الذين شغلوا الفكر الإسلامي عقودا طويلة, وهذه الطائفة تسمى بالسمنية.

وبداية العلاقة بين هذه الفرقة الكافرة الضالة وبين القبيلة العربية من قبائل فلسطين الشمالية التي حملت نفس الاسم (عرب السمنية) والتي أقامت في قضاء عكا في قرية من الشمال من مدينة عكا بخمسة كيلومترات وأقيمت مكانها حاليا على أراضي القرية مغتصبة يعرا وذلك عام 1950.

تعريف السمنية

واصل تسميتهم بالسمنية منسوب  إلى سومنات وهي بلدة بالهند بناحية خراسان نشأوا فيها واجتمعوا فسموا باسمها وقيل أنهم يدينون بالبوذية وقيل عبدة كواكب  وقيل غير ذلك من الديانات الفاسدة ولا يمنع من وجود هذه العقائد الضالة مجتمعة فيهم.

ولعل اشهر مواقفهم موقفهم مع الجهم بن صفوان الذي التقاه وفد منهم وعرضوا عليه المناظرة, فقال الإمام أحمد: (فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله، أنه كان من أهل خرسان. من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى، فلقي أناسًا من المشركين يقال لهم: السمنية فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك، فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له: ألست تزعم أن لك إلَهًا؟

قال الجهم نعم فقالوا له فهل رأيت إلهك قال لا, قالوا فهل سمعت كلامه قال لا, قالوا فشممت له رائحة قال لا, قالوا فوجدت له حساً قال لا, قالوا فوجدت له مجساً قال لا, قالوا فما يدريك أنه إله؟, قال فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوماً) فترك الجهم الصلاة أربعين يوما لا يدري من إلهه الذي يعبده حتى خرج إليهم بعد الأربعين يوما دون أن يجيبهم "ثم خرج بنظريته للإله بأنه هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء"[1].

وقال عنهم ابن تيمية في بيان أن هذه الطائفة السمنية لا تؤمن إلا بما تدركه عقولهم من الحسيات وينكرون ما لا يستشعرون: (ولا ريب أن إنكار الصانع بالكلية قول «السمنية» الذين ناظرهم الجهم بن صفوان وغيرهم من الدهرية)[2].

مناظرة مع الإمام (أبو حنيفة النعمان)

كانت لهؤلاء السمنية مناظرات مع أهل العلم الذين أفحموهم وألقموهم الأحجار باستخدام نفس وسائلهم فيقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "إن طائفة من السُّمنية جاؤوا إلى أبي حنيفة رحمه الله، وهم من أهل الهند، فناظروه في إثبات الخالق عز وجل، وكان أبو حنيفة من أذكى العلماء فوعدهم أن يأتوا بعد يوم أو يومين، فجاؤوا، قالوا: ماذا قلت؟ أنا أفكر في سفينة مملوءة من البضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرسلت في الميناء ونزلت الحمولة وذهبت، وليس فيها قائد ولا حمالون.

قالوا: تفكر بهذا؟! قال: نعم. قالوا: إذاً ليس لك عقل! هل يُعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف؟! هذا ليس معقول! قال: كيف لا تعقلون هذا، وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع؟ فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهم، وعجزوا عن جوابه هذا أو معناه"[3].

ويعلق الشيخ حسن أبو الأشبال على هذه المناظرة فيقول: "فهذا حجة عقلية في إثبات وجود الله عز وجل، ونحن متفقون أن الله تعالى إنما وجبت معرفته بالسمع، ولا بأس بمعرفته استئناساً بالعقل، والله تبارك وتعالى خاطب العقول الراجحة السليمة في القرآن في غير ما آية في عشرات ومئات الآيات، مثل قوله: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة:44]، وقوله: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ} [محمد:24]، وغير ذلك من الآيات التي تخاطب العقل وتأمره بالتدبر والتفكر في آيات الله عز وجل وفي الخلق والكون وغير ذلك"[4].

ومن هنا تبين أنهم الأساس الأول لمعظم العقائد الفاسدة التي شغبت على المسلمين عقيدتهم الصافية والتي كان السبب الأول في إبرازها مع الجهم هو أعمال الترجمة التي أدخلت على الإسلام أفكار الفلاسفة الضارة والتي ساهمت في تعكير صفو العقيدة الإسلامية, فيقول الدكتور عبد الرحيم السلمي في شرحه للحموية: "فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين، والفلاسفة الضالين إما من الصابئين وإما من المشركين، ثم لما عربت الكتب الرومية في حدود المائة الثانية زاد البلاء، مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء، من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم.

ولما كان في حدود المائة الثانية انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية، بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل مالك وسفيان وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم، في هؤلاء كثير في ذمهم وتضليلهم"[5].

من عقائدهم الفاسدة الأخرى

- يؤمنون بتناسخ الأرواح

يؤمن السمنية "بتناسخ الأرواح فِي الصور المختلفة وأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب وروح الْكَلْب إلى إنسان, وَقد حكى اقلوطرخس مثل هَذَا القَوْل عَن بعض الفلاسفة وَزَعَمُوا أن من أذْنب فِي قالب ناله الْعقَاب على ذَلِك الذَّنب فِي قالب آخر وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الثَّوَاب عِنْدهم"[6].

- ينكرون الأديان والرسالات والرسل

قالت السمنية باستحالة إرسال الرسل عقلا, فقال السفاريني "وَأَحَالَتِ السُّمَنِيَّةُ إِرْسَالَ الرُّسُلِ لِتَوْقِيفِهِ عَلَى عِلْمِ الْمُرْسِلِ بِمَنْ أَرْسَلَهُ، وَلَا طَرِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا الْخَبَرُ، وَأَعْلَى أَنْوَاعِهِ الْمُتَوَاتِرُ وَهُوَ لَا يُفِيدُ عِنْدَهُمْ عِلْمًا، فَلَعَلَّ الْقَائِلَ لَهُ أَرْسَلْنَاكَ إِلَى قَوْمِ كَذَا شَيْطَانٌ مَثَلًا"[7], وقالوا بما قالت به البراهمة "وَزَعَمَتِ الْبَرَاهِمَةُ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَجُوسِ أَنَّ إِرْسَالَ الرُّسُلِ عَبَثٌ لَا يَلِيقُ بِالْحَكِيمِ لِإِغْنَاءِ الْعَقْلِ عَنِ الرُّسُلِ", فرد ابن القيم في مفتاح دار السعادة "اعْلَمْ أَنَّ حَاجَةَ الْخَلْقِ إِلَى إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَبَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ضَرُورِيَّةٌ، لَا يَنْتَظِمُ لَهُمْ حَالٌ، وَلَا يَصْلُحُ لَهُمْ دِينٌ وَلَا بَالٌ إِلَّا بِذَلِكَ، فَهُمْ أَشَدُّ احْتِيَاجًا إِلَى ذَلِكَ مِنْ إِرْسَالِ الْمَطَرِ وَالْهَوَاءِ، بَلْ وَمِنَ النَّفَسِ الَّذِي لَابُدَّ لَهُمْ مِنْهُ".

- هم أَصْلُ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ

هم اصل فكرة خلق القران التي قال بها جهم نقلا عنهم, فيقول صاحب معارج القبول "وَأَوَّلُ مَا اشْتَهَرَ الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فِي آخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ لَمَّا ظَهَرَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ شَقِيقُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُمَا اللَّهُ وَكَانَ مُلْحِدًا عَنِيدًا وَزِنْدِيقًا زَائِغًا مُبْتَغِيًا غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّ فِي السَّمَاءِ رَبًّا وَلَا يَصِفُ اللَّهَ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ, وَيَنْتَهِي قَوْلُهُ إِلَى جُحُودِ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ. تَرَكَ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَزْعُمُ يَرْتَادُ دِينًا وَلَمَّا ناظره بعض السمنية! فِي مَعْبُودِهِ قَالَ قَبَّحَهُ اللَّهُ: هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ فِي كُلِّ مَكَانٍ, وَافْتَتَحَ مَرَّةً سُورَةَ طه فَلَمَّا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] قَالَ: لَوْ وَجَدْتُ السَّبِيلَ إِلَى حَكِّهَا لَحَكَكْتُهَا, ثُمَّ قَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى آيَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: مَا كَانَ أَظْرَفَ مُحَمَّدًا حِينَ قَالَهَا, ثُمَّ افْتَتَحَ سُورَةَ الْقَصَصِ فَلَمَّا أَتَى عَلَى ذِكْرِ مُوسَى جَمَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ الْمُصْحَفَ ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ هذا ذكره ههنا فَلَمْ يُتِمَّ ذكره, وذكره ههنا فَلَمْ يُتِمَّ ذِكْرَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ, وَهُوَ أَذَلُّ وَأَحْقَرُ مِنْ أَنْ نَشْتَغِلَ بِتَرْجَمَتِهِ. وَقَدْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَبْحَهُ عَلَى يَدِ سَالِمِ بْنِ أَحْوَزَ بَأَصْبَهَانَ وَقِيلَ بِمَرْوَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ نَائِبُهَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَزَاهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا"[8].

- ينكرون الإخبار كوسيلة للعلم

فهم مع إنكارهم للألوهية وللنبوات ينكرون إفادة المتواتر العلم, فهم قد حصروا العلم في الحواس فقط, فلو جاءهم كل أهل الهند وأخبروهم خبرا واحدا ما آمنوا به حتى يستعملوا احد حواسهم في العلم به.

إن أفكار هؤلاء السمنية الإلحادية التي تحاول إنكار وجود الإله والنبوات والكتب السماوية وإنكار كل ما هو غيبي غير محسوس بالحواس  لم تقتصر على زمانهم, فلا تزال تنتقل بين الأمم والشعوب, فتحتلف فقط أسماؤها وتتفق في دعاواها, فسميت فترة بالزندقة, فقال عنها العلامة ابن العربي المالكي: (قالت طائفة لا معلوم إلا المحسوس المدرك من الحواس ..)[9], وقال مثله الأستاذ أحمد أمين –على تحفظات كبيرة على بعض آرائه- حينما وصف بعض الملاحدة والزنادقة في الدولة العباسية فقال: (وقوم دعاهم إلى التزندق شك في الأديان, والقول بسلطان العقل إلى أقصى حدوده فهم لا يريدون أن يؤمنوا إلا بما يرون بأعينهم)[10].

وما هؤلاء العلمانيون الحاليون الذين ينكرون الغيبيات ولا يريدون الإيمان إلا بما تستسيغه عقولهم وتدركه حواسهم إلا نتاج لهذه الأفكار التي بلورها في العصر الحديث ملاحدة الغرب مثل كونت ودافيد هيوم وراسل ونيتشه وداروين وغيرهم من الذين حصروا المعارف والعلوم بل حصروا قضية الإيمان والعقيدة برمتها في الحسيات والتجربة العملية المحسوسة.

ـــــــــــــ

[1] الرد على الجهمية للإمام أحمد: 101-105

[2] بيان تلبيس الجهمية 1/440

[3] شرح العقيدة الواسطية , : محمد بن صالح بن محمد العثيمين 1/56

[4] من دروس صوتية في شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي للشيخ حسن أبو الأشبال

[5] من دروس صوتية في شرح الحموية للدكتور عبد الرحيم بن صمايل العلياني السلمي

[6] لفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية , عبد القاهر البغدادي (1/196)

[7] وامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية , شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي 2/256

[8] معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول , حافظ بن أحمد بن علي الحكمي 1/270

[9] العواصم ص:  39

[10] ضحى الإسلام 1/125 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الطائفة السمنية المرجع القديم للإلحاد الحديث

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7