الرئيسة تقارير وتحليلاتتقارير عام 2009«كهنوت المرأة» وصراع الكنائس الشرقية والغربية
 
السبت 17 أكتوبر 2009

 

 تحقيق:فيولا فهمي

ربما لم يدر بخلد نابليون بونابرت عندما فطن الي اهمية دور المرأة قبل اكثر من مائتي عام، واكد عبر مقولته الشهيرة "ابحث عن المرأة" ، ان الكنائس الشرقية سوف تتعامل مع النساء بهذا المنطق ، فاينما تتفجر الخلافات العميقة بين الكنائس الشرقية والغربية ابحث عن «حواء» سوف تجدها في قلب تلك الصراعات والخلافات الغائرة.

كثيراً ما اختلفت الاراء بين الطوائف المسيحية حول دور المرأة في الكنائس ليترنح المؤشر داخل بوصلة الديانة المسيحية من اقصي اليمين حيث تقبع الكنيسة الارثوذكسية بموقفها المتشدد في رفض تولي المرأة الكهنوت ، الي اقصي اليسار حيث تقبع الكنائس الغربية التي فتحت الباب امام المرأة علي مصرعيه في تولي الرتب الكهنوتية ليصل الي رسمهن برتبة رئيس اساقفة في الكنيسة الإنجليكانية -وهي التي تعادل رتبة البابا شنودة في الكنيسة الارثوذكسية- وبينهما تتباين مواقف الكنائس في تولي النساء مناصب كهنوتية حيث صعدت النساء درجة اعلي فصارت "شماساً" في الكنيسة الكاثوليكية ، واصبحت "شيخ" في الكنيسة البروتستانتية وهي رتبة تعادل القس ، الأمر الذي دفع بعض المراقبين والمحللين الي وصف وضع المرأة في الكنائس الشرقية عامة والمصرية خاصة بـ "التدني والانحطاط" ، في حين اعلن البابا شنودة بطريرك الارثوذكس عن عزمه لمواجهة ما سماه بـ الغزو الثقافي في قضية تولي النساء مناصب كهنوتية" .

" القاعدة العقائدية مانعة "

نفي الأنبا مرقس ، رئيس المكتب الاعلامي بالكنيسة الارثوذكسية ، امكانية اعتلاء المرأة مناصب كهنوتية داخل الكنيسة الارثوذكسية ،لان القاعدة الإيمانية والعقائدية في المسيحية هي " لا كهنوت للمرأة " وذلك بحكم تعاليم الكتاب المقدس والمجامع المسكونية ، مدللا علي ذلك بوضع السيدة العذراء مريم والتي بالرغم من مكانتها العظيمة في المسيحية فإنها لم تصل الي رتبة كهنوتية .

وارجع الأنبا مرقس اسباب حرمان المرأة من المناصب الكهنوتية داخل الكنيسة الارثوذكسية الي التغيرات البيولوجية التي تطرأ علي النساء " اثناء فترة الحيض أو الولادة أو بعد الجماع " وهي موانع تحول دون تولي المرأة درجات كهنوتية ، لأن الكهنوت يتطلب طهارة وقداسة لا تتوافر للمرأة في مثل تلك الظروف البيولوجية ، ولكن في المقابل تسمح الكنيسة للنساء بالمشاركة في تقديم الخدمات الكنسية وتعاليم الوعظ للشابات والأرامل وتلبية إحتياجات الفقراء .

و اكد رئيس المكتب الاعلامي للكنيسة الارثوذكسية ان سماح بعض الكنائس الشرقية او الغربية لتولي النساء مناصب كهنوتية يتنافي مع التعاليم والعقيدة المسيحية التي تعتبر الكهنوت سرا مقدساً من اسرار الكنيسة .

" لابد أن يكون الراعي ذكراً "

و في سياق مواز اوضح الاب رفيق جريش ، المتحدث الإعلامي باسم الكنيسة الكاثوليكية في مصر ، ان عدم تمكين المرأة كهنوتياً داخل الكنيسة يرجع الي الامتثال لتعاليم السيد المسيح الذي اختار تلاميذه من الرجال ولم يكن من بينهم امرأة واحدة ، وبالتالي فهناك ضرورة ان يكون الراعي ذكراً وليس انثي ، مؤكدا ان ذلك لا يعكس اهدارا لقيمة المرأة او انتقاصا لمكانتها لان التعاليم المسيحية جاءت لتعلي من شأن المرأة التي تم احتقارها في الشريعة اليهودية ، واصفاً هذا التمييز الكهنوتي بـ " التمييز الخدمي وليس النوعي " لان المسيحية لا تفرق بين الجنسين .

و حول جهود الكنيسة الكاثوليكية في تنصيب النساء ارفع المراتب ، اكد جريش ان قرار البابا بندكت السادس عشر "بابا روما" بتعيين عناصر نسائية في دوائر الفاتيكان مما يتيح لهن العمل في مراكز صناعة واتخاذ القرار في الفاتيكان ، يعتبر دليلاً علي قبول مشاركة المرأة في الاعمال الخدمية داخل الكنيسة ، نافياً تفسير ابعاد المرأة عن المناصب الكهنوتية من منطلق الاستجابة للعادات والتقاليد والبنية الثقافية في المجتمعات الشرقية ، لان الكنائس لا تخضع لتلك الاعتبارات وانما تخضع لتفسير التعاليم المسيحية .

و اشار جريش الي وجود قطاعات معارضة واسعة داخل الكنائس التي تسمح للمرأة بتولي مناصب كهنوتية ، مستشهداً بموقف الكنيسة الانجيلية التي تعد اكثر الكنائس المصرية تحرراً ، وبالرغم من ذلك لا تسمح بتنصيب نساء في رتبة قساوسة او وعاظ .

" لا توجد موانع عقائدية "

علي الجانب الآخر قال الاب صفوت البياض ، رئيس الطائفة الانجيلية في مصر ، ان المسيحية بريئة من شبهة التمييز بين الرجل والمرأة ، نافياً وجود موانع عقائدية تحول دون مشاركة المرأة في جميع الاعمال الكنسية جنباً الي جانب الرجل ، ولذلك فان جزءا من نوبات التشنج والرفض التي تصاحب قضية تولي المرأة مناصب كهنوتية يرجع في معظمه الي العادات والتقاليد الشرقية وليست التعاليم المسيحية او النصوص الكتابية ، مدللاً علي ذلك برسامة النساء برتبة قساوسة واساقفة في الكنائس الغربية .

و اكد البياض ان الكنيسة الانجيلية في مصر قامت بتعيين النساء في رتبة " الشيخ " وهي رتبة معادلة للقسيس في الكهنوت ، وذلك امتثالاً لتعاليم الكتاب المقدس ، حيث كانت المرأة في العهد القديم " نبية " مع العلم ان رتبة الانبياء اعلي من الكهنوت في المسيحية .

أسباب الإبعاد

و من جانبه اوضح كمال غبريال ، الكاتب والباحث في الشئون القبطية واحد رموز التيار العلماني القبطي ، ان وضع المرأة في الكنائس لا يرجع الي أمور عقائدية او لاهوتية بقدر تاثير الظروف التاريخية وعادات اجتماعية ، مفسرا ذلك بان البشرية بدأت بالعصر الامومي لذلك كانت معظم الآلهة من الاناث والمجتمعات الزراعية امتثلت لهذه الرؤية نظرا لتشابه الارض بالمرأة من حيث العطاء والانبات ، بينما جاءت المجتمعات الرعوية والبدوية لتعلي من القيم الذكورية ، ولان الديانات الابراهيمية -اليهودية والمسيحية والاسلامية- جاءت علي ارضية المجتمعات الرعوية والبدوية فكانت المرأة مهمشة ومحتقرة نظرا للتغيرات البيولوجية التي تطرا عليها وبالتالي ارتبطت صورة المرأة بالنجاسة والغواية والشرور ، الامر الذي جعل الانثي في مرتبة ادني من الذكر ومن ثم لا يسمح للنساء بتولي مناصب كهنوتية داخل بعض الكنائس .

واضاف غبريال ان العهد الجديد في المسيحية لا يعترف بالكهنوت مدللا علي ذلك بان السيد المسيح جاء علمانيا وجميع تلاميذه والرسل كانوا من العلمانيين ، وبالتالي فان صلب العقيدة ليس بها كهنوت ، ولذلك فان قضية تمكين المرأة لاهوتيا وعقائديا داخل الكنائس قضية هامشية وثانوية مقارنة بالنظر الي القضايا المجتمعية الاخري التي تستند إلي المبادئ المدنية ، لاسيما ان الاعتماد علي راي رجال الدين في جميع القضايا الخلافية يقودنا الي الدخول في دائرة جدل لا نهاية لها ولا طائل منها.

 


تاريخ نشر الخبر : 15/10/2009

 
 
   Bookmark and Share      
  
 «كهنوت المرأة» وصراع الكنائس الشرقية والغربية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7