الخميس 21 نوفمبر 2013

السنة النبوية في مواجهة التحديات والشبهات المعاصرة

الدكتور : أيمن محمود مهدي

رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين والدعوة الإسلامية بطنطا 

ـــــــــــــــــــــــــ

لقد أدرك أعداء الإسلام قديما وحديثا أهمية السنة النبوية، ومكانتها من الإسلام، ودورها في بناء الأمة، وتثبيت أركانها، وبناء أفرادها فحاولوا منذ القِدَم إيقاف هذا السيل النوراني، والفيض الرباني فوضعوا في طريقها الشبهات لنفي حجتها، واجتثاث قدسيتها من القلوب، وقطع صلة المسلم بها.

ولكن نور الحق كان مبهرا فأخذ بعيون الأعداء قبل الأتباع، وسيل الحق كان جارفا فاقتلع شبهاتهم من القواعد، وتوطد بناء الإسلام، وعلا صرحه، وارتفع بنيانه، وساد المسلمون العالم، وعلت كلمتهم، وارتفعت رايتهم، وأقبل الناس على الإسلام يدخلون فيه أفواجا.

ولقد عرض الكاتب في بحثه لبعض التحديات التي تواجه السنة النبوية في هذا العصر, ليس خوفا على الإسلام ولا خشية من ضياع السنة, وإنما ليعلم المسلمون ما يدبر لهم بليل, وحتى لا يكون المسلمون أسلحة بيد أعدائهم فيطعنون السنة من الخلف, ويسيئون من حيث يظنون أنهم يحسنون.

وقد اشتمل البحث على مقدمة وفصلين, خصص الفصل الأول للتحديات التي تواجه السنة في ثمانية نقاط, بينما جعل الثاني للشبهات التي تواجه السنة النبوية مع الرد عليها.

وبعد بيان مكانة السنة في التشريع الإسلامي, وأنها المصدر الثاني بعد القرآن الكريم, وشارحة معظم أحكام الإسلام, بدأ الكاتب بالتحديات التي تواجه السنة النبوية في هذا العصر, وقد جاءت في ثمانية نقاط هي:

1- دعوى ترك السنة والاكتفاء بالقرآن, التي تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بظهورها وعلمنا كيف نرد عليها, ففي حديث المقدام بن معدي كرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته – أي فراشه وسريره الوثير – فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه ، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه ، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله).

2- الطعن والتجريح في كتب السنة: وقد نسي هؤلاء أن الصحابة الكرام كانوا آية في الحفظ والفهم، وأن بعضهم كان يكتب الأحاديث في كتب خاصة به، وأن قواعد المصطلح كانت تطبق وإن تأخر تدوينها، فتأخر تدوين القواعد لا يعني تأخر التعرف عليها, وإلا لاتهم العرب بعدم مراعاة قواعد اللغة العربية لأن أول من دونها أبو الأسود الدؤلي في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

3- الطعن والتجريح في الصحابة ورواة الحديث: كوسيلة للنيل من مكانة السنة ومنزلتها, فمن شكك في الناقلة أفسد المنقول, ولكن علماء الحديث أحبطوا ذلك بترجمة سيرة الصحابة العطرة, وبيان أفضيلتهم باختيار الله لهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم, وامتداح الله لهم في القرآن الكريم, وشهادة الرسول لهم بذلك, فهل يؤخذ بقول أحد بعد شهادة الله ورسوله؟!!

4- انتشار الأحاديث الموضوعة: التي وقف علماء الحديث لها بالمرصاد، وصمدوا أمام سيلها الجارف، وزيفها الخادع، وأسفر صمودهم عن أدق منهج وأحكمه في نقد الروايات وتمحيصها، والتمييز بين غثها وسمينها، واستحدثوا لأجل ذلك من العلوم والقواعد ما يضمن سلامة السنة من الزيادة والتحريف, وكشف الوضع و الوضاعين.

5- التسرع في الحكم على الحديث دون استكمال الأدوات اللازمة لذلك: من علم مصطلح الحديث وغيره, وقد كثر من يرد بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة اليوم بدعوى مخالفتها للعقل أو غير ذلك.

6- محاولة تطويع السنة للعقل: حيث نادت المعتزلة قديما بعرض الأحاديث على العقل، وقبول ما يوافقه ورد ما يرفضه فجعلوا العقل البشري حاكما على السنة، ثم جاء من تابعهم في هذا العصر، وشكك في الأحاديث التي رواها الثقات بزعم مخالفتها للعقل وهؤلاء يطالبون باستبدال قواعد المحدثين في قبول الحديث ورده بعرضه على العقل الصريح فما وافقه قُبل وما خالفه رُفض.

7- تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين: وهو خطر أخبرنا به صلى الله عليه وسلم بقوله: (يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين) فالغلو والتشدد والتنطع, وكذلك الدس والافتراء الذي مارسه أصحاب الأهواء, وسوء التأويل للأحاديث, معاول هدم للسنة النبوية ينبغي الحذر منها.

8- سوء استخدام الحاسب الآلي (الكمبيوتر): فمع الخير الكثير الذي اقترن بهذه التقنية, من اقتناء مئات وآلاف الكتب في قرص واحد, وسهولة الحصول على المعلومة بسرعة كبيرة, إلا أن أهم محاذيره الاعتماد الكامل عليه في نقل المعلومات دون تحقيق وتمحيص.

أما الفصل الثاني الذي خصصه الباحث للشبهات التي تواجه السنة النبوية , فقد استفتحه الكاتب بتمهيد بين فيه الأساس الذي تقوم عليه هذه الشبهات وهي: إما روايات باطلة، وأحاديث مكذوبة تناقض المعقول، أو تخالف الأصول، ولهذه الشبهات وضع العلماء علم: مصطلح الحديث الذي يميزون بقواعده بين المقبول والمردود، ويكفي للرد على هذا النوع من الشبهات بيان أنها موضوعة باطلة.

أو سوء فهم للنصوص الصحيحة الثابتة من القرآن والسنة لعدم أهليتهم لفهمها واستيعابها، فيعيبون الإسلام والعيب فيهم، من أصحاب القلوب المريضة، والأنظار الكليلة ، والأفهام السقيمة.

وقد عرض الباحث لشبهتين اثنتين والرد عليهما وهما:

1- شبهة تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم والرد عليها: تكلم المستشرقون وأعداء الإسلام كثيراً حول تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالشهوانية، والحرص على المتعة، وجموح العاطفة، والغرق في اللذة الجسدية، وأفاض في هذا الموضوع كثيرون من خصوم الإسلام.

ولقد تصدى لهذه الشبهة كثير من علماء الإسلام قديما وحديثا، فأظهروا الحق، وكشفوا الباطل، وكثرت الكتب والأبحاث التي تناولت هذا الموضوع حتى أصبح من المسلّم به في كثير من الأوساط العلمية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع بين هذا العدد من النساء إلا لحكم بالغة، وأهداف سامية كلها تنصبُّ في مصلحة دعوته، ونشر رسالته, ويكفي للرد عليهم زواجه من خديجة رضي الله عنها وهي في الأربعين بينما لم يتجاوز صلى الله عليه وسلم 25 من عمره.

2- شبهة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وهي طفلة: فقد وجد أعداء الإسلام –حسب ظنهم– بغيتهم في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها وهي بنت تسع سنين, معتبرين هذا الزواج انتهاك لحرمة الطفولة، وقتل لبراءتها، واستجابة للوحشية الجنسية، وعبث واضح من رجل كبير بطفلة صغيرة لا تعرف شيئاً من مآرب الرجال .

وقد واجه بعض المسلمين هذه الشبهة بالنفي , والزعم بأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وهي في سن 14 عاما على الأقل كالدكتور إبراهيم شعوط, بينما اعترف القسم الآخر بهذا الزواج في سن التسعة, ولكن في سياقه وإطاره الزماني والمكاني الذي لا يعيب أبدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا الزواج.

فلم يكن زواج الرجل -وإن جاوز الخمسين عاما– من بنت التاسعة غريبا أو عجيبا في البيئة العربية, بل كان أمرا مألوفا ومتعارفا عليه, فقد عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة –وهي ابنة 18 عاما- للزواج من عثمان الذي جاوز وقتها الخمسين عاما, وكذلك فعل مع أبي بكر, ثم تزوجها رسول اله صلى الله عليه وسلم, والأمثلة على ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى , فكان العرف لا ينكر ذلك بل يؤيده.

ثم إن قريشا التي كانت تعادي الإسلام أشد العداء, وتنتظر الفرصة المواتية لتشويه سمعة النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام, لو وجدت في هذا الزواج عيبا أو نقيصة أو شبهة, لما تركته يمر دون إثارته واغتنامه لتشويه سمعة الإسلام ونبي الإسلام, أما وأنها لم تفعل ذلك, فهو أكبر دليل على أن هذا الزواج كان طبيعيا ومألوفا بشكل كبير.

ومما يدل على أن زواج الصغيرات وخطبتهن كان مألوفا وطبيعيا, أن السيدة عائشة في تلك السن, وقبل أن يخطبها النبي صلى الله عليه وسلم, كان قد تقدم لخطبتها جبير بن مطعم بن عدي وكان كافرا.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب أن يتزوج من عائشة إلا بعد أن رشحتها له السيدة خوله بنت حكيم زوجة الصحابي الجليل: عثمان بن مطعون ولولا أنها رأت أن عائشة تصلح للزواج ما رشحتها له صلى الله عليه وسلم.

وبعد بيان كل هذه الردود على هذه الشبهة, عقد الباحث ملحقا لسيرة السيدة عائشة, بدء من اسمها ونسبها ولقبها وكنيتها, مرورا باجتهادها بالعبادة وعدد الأحاديث التي روتها, ومناقبها و مكانتها من العلم والفتوى, وانتهاء بوفاتها رضي الله عنها:

وفي ختام هذا البحث القيم استعرض الباحث أهم النتائج التي توصل إليها ومنها:

1-القائلين بإهمال السنة أو تقليص دورها في حياة المسلم يهدفون إلي القضاء التام على الإسلام, فالسنة النبوية تعرضت قديما وحديثا لسيل من الشبهات رغبة من أعداء الإسلام في القضاء عليها أو إضعاف الثقة بها.

 2- الواجب علي العلماء والحكام أن يتكاتفوا ويكونوا في خندق واحد من أجل صيانة السنة وحمايتها والدفاع عنها.

3- أهمية وضع تراجم خاصة بعلماء السنة خاصة أصحاب الكتب الستة تبين مكانتهم ودورهم في الحفاظ علي السنة مع الإشارة إلي كتبهم، ومناهجهم فيها، وكيفية الاستفادة منها.

4- نشر الكتب التي تجمع الأحاديث الموضوعة خاصةً ما كان منها مشهوراً علي الألسنة، والتحذير منها، ومن خطورة تداولها علي ألسنة الدعاة.

5- حاجة المكتبة الإسلامية إلي كتب تشرح الأحاديث بأسلوب يناسب روح العصرفتجلي الحقائق، وتوضح الغوامض، وتصحح المفاهيم، وترد علي الشبهات والأباطيل.

 لتحميل البحث انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
 السنة النبوية في مواجهة التحديات والشبهات المعاصرة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7