الأحد 10 نوفمبر 2013

يعتبر نظام الدولة الديمقراطية نظام وافد من البيئة الغربية على البيئة العربية الإسلامية، ولذلك فلا عجب أن يحدث صراع مع ذلك الوافد الجديد، ولا عجب أيضا أن نجد أن الاعتراضات المُوجَّهة لنظام الدولة الديمقراطية مُنصبّة بالأساس على كونه نظاما سياسيا له فلسفته وثوابته وأسسه المختلفة تماما عن النظام السياسي الإسلامي، بحيث أنهما يتعارضان في حقيقة وماهية بعض الأسس ولو تشابها في اللفظ -مبدأ الحرية، مثالا-.  

على كل حال، فإننا ينبغي أن نقرر أن الذين يرفضون مبدأ الديمقراطية لا يعني ذلك عندهم الرضا بالاستبداد والظلم، كما لا يعني قبول النظم الثيوقراطية التي تحكم باسم الحق الإلهي!

ويرى الرافضون أن مَنْ يظن ذلك فيهم؛ فإنه قد توهم أنه لا يوجد إلا نظامين للدول فقط -الديمقراطية أو الثيوقراطية- لابد من قبول أحدهما!، وهذا غير صحيح، حيث لم تكن الديمقراطية بديلا للثيوقراطية إلا في الغرب المسيحي فقط، أما في البيئة الإسلامية، فإن الرافضين لا يعني ذلك الرفض عندهم إلا استبدال الديمقراطية بنظام آخر هو نظام الشورى الإسلامية.

ولقد أدى فرض النظام الديمقراطي الغربي على بعض الدول العربية والإسلامية في مطالع القرن العشرين الميلادي، وطول تلك المدة الزمنية في الصراع بين القابلين به والرافضين له، أدى ذلك لجعل بعض العلماء المسلمين يحاولون النظر للمسألة في ضوء فقه الاستضعاف وغياب التمكين([1])؛ فقرروا أسلمة الديمقراطية([2])، فقبلوا بما أسموه (جوهر الديمقراطية)، وهي عندهم الشورى الإسلامية التي تقبل بمبدأ حق الأمة في اختيار حكماها وعزلهم، وترتب على ذلك عندهم القبول بالديمقراطية كآلية لتداول السلطة من دون قبول فلسفتها وأسسها كما هي في النظم الغربية([3])، ورأوا أن هذه الآليات منها آليات جيدة ينبغي الاستفادة بها بعد أن يتحقق فيها شرطان، وهما:

ألا تشتمل على ما يخالف الشرع.

أن تغلب مصلحتها على ما فيها من مفسدة.

حتى إن الإسلاميين عموما في مصر قبلوا في الدستور المصري عام 2012م ما جاء في (المادة 6) منه: (يقوم النظام السياسي على مبادئ الديمقراطية والشورى،...)، ويلاحظ في نص تلك المادة أنه لم يُفصل بين كلمتي (الديمقراطية) و (الشورى) بعلامة الترقيم: الفاصلة(،) للدلالة على رؤية مُعِدِّي الدستور بأن هناك تلازم بين (الديمقراطية والشورى)، وأنهما مرتبطان في فهمهما.

ولأن استمراء البقاء في ظل الضرورة والاستثناء قد ينتج عنه استثقال الأصل، بل ربما نتج عنه نسيانه؛ من أجل ذلك كان ولابد من التذكير بالأصل من حين لآخر؛ حتى لا تغلب حالة الضرورة على الأذهان، ومن هذا الباب، أحببنا أن نبين هنا تفوق نظام الدولة الإسلامية على نظام الدولة الديمقراطية الغربية، في جانب التنظير؛ حيث إن لهذا التفوق ناحيتان:

الأولى: أن الإسلام سبق النظم الديمقراطية الدستورية المعاصرة في تقرير هذه المبادئ بأكثر من ألف عام.

والثانية: أن ما يقرره الإسلام في هذا الصدد بلغ مستوى لم يصل إليه لحد الآن أي نظام من النظم الديمقراطية المعاصرة، لا يتوقع أن يصل إليه في المستقبل ولو انتظرنا ألف عام أخرى.([4])

أمثلة لمبادئ نعتقد أن الإسلام قد تفوق فيها على النظم الديمقراطية الدستورية المعاصرة:

1-     مبدأ (المعارضة في الإسلام) متفوق على مبدأ (المعارضة في النظم الديمقراطية)، "فمن عيوب النظم الديمقراطية أنها تربي الناس علي المعارضة الدعائية، فالمعارضة في النظم الديمقراطية قد تغض الطرف عن المنكر والفساد من أجل استخدامه بعد ذلك كورقة انتخابية، وتنشغل المعارضة في النظم الديمقراطية بالاستعراض الانتخابي والتصعيد الإعلامي عن تقديم حلول حقيقية جادة أو إتباع المسارات القانونية في إزالة الفساد، بل إن المعارضة الديمقراطية يؤلمها نجاحات الخصم أكثر من إخفاقات الوطن فتجدها تحارب المصلح أو تعرقل جهوده وتغض الطرف عن الفساد والمنكر لاستخدامه كورقة انتخابية.

قارن ذلك مع الإسلام الذي يجعل كل راع أيًا كان موقعه مسئولاً عن رعيته، ويفتح باب النصح لجميع فئات المجتمع، بل ويجعل المجتمع كسفينة واحدة إن لم يتعاون أفراده علي مواجهة الفساد غرقت السفينة وغرق المجتمع[5])")، ولذلك فلا معارضة مطلقة في الإسلام بل الهدف من الاعتراض في الدولة الإسلامية هو تحقيق الحق المتاح والتوسل به للحق المطلوب.

2-     مبدأ (سيادة الشريعة) متفوق على مبدأ (سيادة القانون الوضعي) "لأن هذا المبدأ الديمقراطي لا يحد من صلاحيات السلطة التشريعية في الدولة ما دامت هي التي تضع القوانين، ولا توجد أي قيود عليها في ذلك؛ أيا كانت الجهة التي تمارسها، سواء كانت برلمانيا (منتخبا انتخابا حرا أو مزيفا) أو رئيس الدولة، أو مجلسا عسكريا أو مدنيا يمارس السلطة التشريعية.

أما في الإسلام فإن الشريعة لها سيادة كاملة على جميع الأجهزة السياسية، بما في ذلك الهيئة التي تصدر القوانين الوضعية، فإنها لا تملك تغيير أحكام الشريعة أو تعطيلها؛ وبذلك يكون الإسلام أول نظام سياسي يضع حدودا لسلطة الأغلبية الحاكمة - سواء كانت أغلبية حقيقية أو زائفة -، وهذا ما يبحث عنه جميع فقهاء القانون الدستوري المعاصر الذين يحاولون استنباط مبادئ عامة سامية يسمونها (القانون الطبيعي) ويريدون أن تلتزم السلطة التي تصدر القوانين الوضعية بحدوده ولا تخالفه - ومن أمثلتها مبادئ (إعلان حقوق الإنسان) – ولكنهم لم يجدوا للآن وسيلة لحمايته من الإلغاء أو التعديل من جانب الذين يسطون على الحكم في الظلام، أو يسيرون في طريق الطغيان، فبقيت هذه المبادئ العليا السامية التي يتعلق بها الفلاسفة العلماء بدون إلزام فعلي للهيئات التشريعية، أو مَنْ له السلطة السياسية.

أما الإسلام فقد حسم هذا الموضوع، بأن جعل الدستور هو القرآن المنزل من عند الله، فأعطى بذلك للمبادئ العليا قداسة و خلودا و ثباتا تحميها عقيدة الإيمان بالله، وتحدد المناهج السماوية للشريعة، ولذلك نتائج علمية كبيرة لا مجال هنا للاستطراد فيها "([6]).

3-     مقولة(سيادة الأمة) تفوق (السيادة الشعبية) في الديمقراطيات العصرية، " لأن الأمة الإسلامية تضم شعوبا عديدة، وقد تحكمها دول كثيرة –فإذا كانت السيادة الشعبية تعني سيادة الشعب في الإقليم الذي تسيطر عليه كل دولة، والذي تستطيع أي حكومة أن تقره، أو تحرمه من حريته، أو تزيف إرادته، وتعمل ما شاء باسمه فإن سيادة الأمة التي لها حق الإجماع في الشريعة– تمارسها الأمة الإسلامية في جميع أقطارها وأقاليمها .

والإجماع الذي يصدر عن هذه الأمة الكبيرة (أو ممثليها من المجتهدين والعلماء) هو وحده الذي يعتبر مصدرا للأحكام الشرعية، و يجب على الشعوب التي تتكون منها هذه الأمة وعلى من يتكلمون باسمها (بحق أو بغير حق) أن يحترموا هذا الإجماع لأنه يمثل سيادة الأمة الإسلامية.

إن الأمة بهذا الحجم وهذه الصفة، هي وحدها التي تمثل الشريعة بإجماعها – فهي وحدها صاحبة السيادة التشريعية التي لا يجوز أن يدعيها حاكم أيا كان أو أي مجلس يمثل شعبا واحدا من هذه الأمة – وإذا سمح لشعب من شعوب الأمة بممارسة نوع من السيادة، فإنها سيادة محدودة بما يقرره إجماع الأمة صاحبة السيادة العليا الشاملة "([7]).

وتحتاج منا نظرية (سيادة الأمة) - هنا – إلى نوع من إلقاء الضوء المفسر لها ولمعناها:

فقد ناقش الدكتور جمال المراكبي([8]) موقف النظام السياسي الإسلامي من نظرية سيادة الأمة، وذكر أن الاتجاهات الفقهية تعددت وتعارضت في تحديد ذلك الموقف، حتى أنه ليصعب على الباحث التوفيق بينها أو الخروج برأي سديد لا يسلم من المطاعن والانتقادات، ثم عرض أربع اتجاهات في ذلك، وبعد انتهائه من مناقشتها، قال: " وفي النهاية نستطيع أن نخرج بالنتائج التالية محاولين التوفيق قدر الإمكان بين تلك الاتجاهات المتعارضة.

السيادة في الدولة الإسلامية لله وحده متمثلة في أحكام شريعته الخالدة التي تَعبَّدَ الناس بها.

الأمة مسؤولة عن تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية لأنها حاملة الخلافة والأمانة ولأنها المخاطبة بالشريعة الإسلامية.

الأمة تختار الحاكم الذي ينوب عنها في تنفيذ أحكام الشريعة وسياسة الأمور الدنوية على مقتضاها، وذلك لأن الأمة مجتمعة لا تستطيع أن تقوم بهذه المهام.

الحاكم لا يمارس سلطاته نيابة عن الله تعالى – صاحب السيادة – و إنما نيابة عن الأمة حاملة الخلافة، لذلك فللأمة الحق في مناصحته ومراقبته ومحاسبته وعزله إن اقتضى الأمر .

لا سيادة لفرد من الأفراد ولا لطبقة من الطبقات على الأمة "([9])

ومن الذين ناقشوا أيضا النظريات المختلفة في تناول مبدأ(سيادة الأمة) الدكتور عبد الجليل محمد علي، فقال: " بالنظرة المتعمِّقة في النظريات المختلفة للوقوف على ما اختلفت فيه وما اتفقت عليه اتجاهات تفسير مبدأ(سيادة الأمة)، نجد أنَّ الخلاف ما هو إلا خلاف في الصياغة دون المضمون؛ وآية ذلك: أنّ النظريات قد اتفقت فيما بينها على أنَّ السيادة للأحكام الإلهية الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية؛ وهذا ليس محل جدال أو نقاش مع أصحاب نظرية السيادة الإلهية.

أمَّا أصحاب النظرية الثانية فإنَّهم بعد أن ذكروا لنا أنَّ السيادة للأمَّة، عادوا فقالوا: إن هذه الأخيرة – وأقصد الأمَّة – يجب أن لا تبرم أمراً بموجب ما لها من سيادة، يخالف نصاً وارداً في أحكام التشريع الإلهي؛ وبذلك تكون سيادة الأمَّة مقيدة بهذا التشريع الإلهي، فإذا تجاوزته فقدت مشروعيتها.

وفي التحليل النهائي فإنَّنا نجد أنفسنا أمام سيادة للأمّة الإسلامية مقيدة لصالح سيادة أسمى وأعلى منها مرتبة، وهي: سيادة التشريع المنزّل من عند الله، وبذلك لا يكون هناك خلاف في الحقيقة بين هذه النظريات المختلفة "([10])

وبالجملة؛ فإن ما نقلته آنفا يُمَكِّننا من القول بأن مقولة: (السيادة للأمة) يمكن أن تعني  تصريف الأمة مسار حياتها بنفسها بما يتناسب مع مصالحها وبما لا يتعارض مع سيادة الشريعة، وهو ما يُعرف في كليات السياسة الشرعية: أن السيادة للشرع والسلطة للأمة، فالأمة في إطار سيادة الشريعة هي مستقر السلطة ومستودعها، فإذا اعتمدنا ذلك الفهم للعبارة وطبقناه تكون الشريعة الإسلامية وحدها هي مصدر التشريع وليس غيرها ويبقى مدلول " السيادة للأمة " عند قائليها لايعدو كونه مصطلح سياسي يدل على تطبيق الأمة لسيادة الشريعةولا ينبغي أن يذكر إلا مسبوقا بسيادة الشريعة , على أنني أرى أن استخدام مصطلح " السلطة للأمة " هو الاصح , لئلا يسبب اللغط أو الخلل مع ما تحمله لفظة السيادة من معان لها آثار , والحق الذي قررناه أن جميع معاني السيادة ههنا هي لشريعة الله سبحانه. 

4-     مبدأ (الفصل بين السلطات) في الإسلام يفوق النصوص الدستورية التي تُقرره في النظم الدستورية المعاصرة، حيث يقوم فيها هذا المبدأ على رفض تركيز السلطة في يد فرد أو هيئة؛ لأنه مدعاة للاستبداد؛ لأن فكل إنسان يمسك بسلطة يميل إلى الاستبداد بها ولا يتوقف إلا عندما يجد أمامه حدودا، ولمنع إساءة استخدام السلطة، يجب ترتيب الأمور بحيث توقف السلطة سلطة مثلها، بحيث يوجد نوع من تقسيم السلطة، والفصل العضوي بين أركانها.

ولقد وُجِد خلافٌ واسع بين الإسلاميين في مدى شرعية إدخال مبدأ (الفصل بين السلطات) على نظام الخلافة(الإمامة)([11]) في حالة الاختيار التام؛ وهذا بناءً على الخلاف بينهم في توصيف دور الخليفة كوكيل عن الأمة في القيام بكل فروض الكفايات: هل هو توقيفي أم اجتهادي، وأن العبرة هي في وجود مهام الدولة الإسلامية وإن توزعت بين عدد من الوظائف؟

وبعيدا عن الخوض في مثل ذلك الخلاف فإن هذا المبدأ كما هو في النظم الدستورية المعاصرة قد أحدث نوعا من الصراع بين السلطات عند التطبيق العملي، مما جعل تلك النظم المعاصرة ترى بضرورة وجود حَكَم بين السلطات وهو رئيس الدولة، والذي هو بدوره رأس السلطة التنفيذية، وهو ما يعني في النهاية العودة لنوع ما من مركزية السلطة.

والحقيقة أن نظام الخلافة(الإمامة) على الرغم من أنه قائم على فكرة مركزية السلطة، إلا إنه قد عرف تمييزًا – وليس فصلا أو تقسيما - واضحًا بين السلطات، حيث إن توزيع السلطات على هيئات متعددة تختص كل منها بعمل معين، لا يعني بالضرورة تطبيق مبدأ تقسيم السلطات، ذلك أن ذلك التوزيع قد يكون مقرونا بتركيز السلطة في النهاية في يد شخص أو هيئة، كما قد يكون متسما بتدرج السلطات، ولذلك فقد مُنحت بعض مؤسسات نظام الخلافة سلطات واسعة، ولكنها كانت في النهاية تستمد وجودها وتكتسب صلاحياتها من تفويض رأس الدولة(الخليفة)، فإن كان الفصل المذكور هو في حقيقته تمييز بين السلطات فلن يضيرنا مجرد اسمه(فصلا أو تمييزا).

"إن كل ما يمكن أن تقبله النفوس السوية أو تدعو إليه، مما دل عليه الفكر الديمقراطي، قد دلت عليه من قبل شريعة الإسلام، لكن على نحو صافٍ خالٍ من الشوائب العالقة بالديمقراطية، فمثلاً عمد الفكر الديمقراطي في سبيل الحد من طغيان السلطات أن دعا إلى ما عُرِف بمسألة الفصل بين السلطات الثلاث: (التشريعية، التنفيذية، القضائية)، ورغم أن الفكر الديمقراطي لم يستطع أن يحقق ذلك فعلا تحقيقاً كاملاً، ومع ذلك فقد جعل السلطة التشريعية في يد البشر(المجلس التشريعي) وهذا من أشد الطغيان.

وأما في شريعة الإسلام فإن التشريع ليس من اختصاص البشر، بل هو لله وحده، وكل ما للبشر في هذا المجال هو الاجتهاد في ضوء الشريعة الإلهية، على أمل إدراك حكم الشارع في هذه المسائل التي تحتاج إلى الاجتهاد"([12])، ولا مانع أن يكون ذلك عن طريق وسيلة معاصرة وهي(المجالس النيابية) والتي لا تُشرِّع ابتداء من عند نفسها، وإنما تُشرِّع اجتهدا في ضوء ما شَرَعَه الله لعباده.

"إن استقلال التشريع عن الدولة وهيئاتها السياسية، كما هو مقرر في الإسلام لم تصل إلى مثله أي من النظم الديمقراطية القديمة أو المعاصرة؛ فالدولة في الإسلام هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا يجوز لها أن تدعي أن القانون تعبير عن إرادتها، كما يقال في جميع كتب القانون الوضعي القديم والحديث – و لن تجد في الإسلام كله حاكما واحدا أصدر قانونا([13]) في ظل الشريعة الإسلامية سواء كان حاكما عادلا أو مستبدا – بخلاف الدول المعاصرة – حيث يملك كل من يدعي السيطرة على الدولة أن يغير القوانين بل والدساتير ويصدر منها ما يوافق هواه"([14])

"وأما السلطة القضائية في الشريعة فهي سلطة مستقلة حقاً ليس لأحد عليها سلطان خارجي حتى لو كان الأمير، ولا يملك أحد إلزامه بشيء خارج عما شرعه الله تعالى، بل لو أراد الأمير أن يلزمه بالقضاء على أحد المذاهب الإسلامية لم يكن له ذلك، يقول ابن قدامة: ولا يجوز أن يُقَلَّدَ القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه، وهذا مذهب الشافعي ولم أعلم فيه خلافاً، لأن الله تعالى قال: {فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (ص 26) والحق لا يتعين في مذهب، وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب، فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط، وفي فساد التولية وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع ـ وهو ما يبين استقلال القضاء في الإسلام، وأنه ليس لولي الأمر أن يتدخل فيه، بل لو قضى القاضي بما يخالف اجتهاد ولي الأمر، لم يكن له لينقض كلام القاضي، يقول ابن القيم: وعن عمر أنه لقي رجلاً، فقال: ما صنعت؟ قال: قضى عليٌّ وزيد بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله، أو إلى سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لفعلت، ولكني أردك إلى رأي، والرأي مشترك، فلم ينقض ما قال عليٌّ وزيد.

وأما السلطة التنفيذية فإنه لا يجوز اغتصابها، والتغلب عليها، واستخدام القوة للحصول عليها، وإنما يشرع أن يكون ذلك برغبة المسلمين ورضاهم وشوراهم من غير إجبار أو إكراه، ويبين أهل العلم أن السلطة التنفيذية ـ الخلافة ـ لا تمنحها لمستحقٍ إلا الأمة، فقد أجمع أهل العلم على أن نصب الإمام فرض كفاية على الأمة، وهذا يعني أنه مفروض على الأمة من حيث مجموعها لا من حيث أفرادها، ولا يمكن أن يقال: إن الأمة مفروض عليها القيام بذلك العمل، بينما لا يكون لها دور في العمل نفسه، هذا كلام متناقض يدفع بعضه بعضا ([15])"

 

 

 

[1])) الحقيقة أن طول المدة الزمنية للصراع أدى أيضا لأن ينمو لدى هؤلاء الرافضين هاجس –أصبح للأسف حقيقة بعد ذلك-، وهو أنهم يرون أن الليبراليين يقبلون بالمبدأ الديمقراطي شريطة أن يأتي بهم للحكم، فإذا ما جاء بأحد غيرهم فإنهم سوف ينقلبون عليه!

[2])) للتعرف على ضوابط ذلك، انظر مقالي (نقل المصطلحات السياسية الغربية للبيئة العربية) مجلة البيان، العدد 302، أغسطس 2012م (ص 72)

[3])) هناك مَنْ يرفض ذلك، مثل الشيخ محمد قطب، في(مذاهب فكرية معاصرة)، والشيخ محمد شاكر الشريف، في (أسلمة الديمقراطية حقيقة أم وهم؟) وغيرهما.

 

[4])) للمزيد من التفاصيل في هذه المسألة، يُنظر  ما يلي:

 د. منير حميد البياتي(النظام السياسي الإسلامي مقارنا بالدولة القانونية – دراسة دستورية شرعية وقانونية مقارنة) دار النفائس، ط3/ 1431هـ

د. مصطفى كمال وصفي(النظام الدستوري في الإسلام مقارنا بالنظم العصرية) مكتبة وهبة بالقاهرة، طبعة 1393هـ

([5]) د. وليد نور، بتاريخ 6/6/ 20013م،

على الرابط التالي: https://www.facebook.com/waleed.nourallah?fref=ts

[6])) مقال الدكتور توفيق الشاوي، دفاعا عن التيار الإسلامي، جريدة الوفد القاهرية في (11/9/1986م)، بتصرف، نقلا عن كتاب(من فقه الدولة في الإسلام) للدكتور يوسف القرضاوي، دار الشروق، ط3/ 1422هـ، 2001م، (ص37: 39)

[7])) المرجع السابق.

[8])) د. جمال المراكبي (الخلافة الإسلامية بين نظم الحكم المعاصرة) – طبعة جماعة أنصار السنة 1414هـ - (ص285: 286 )

[9])) المرجع السابق (ص296)، بتصرف.

[10])) د. عبد الجليل محمد علي (مبدأ المشروعية في النظام الإسلامي والأنظمة القانونية المعاصرة، دراسة مقارنة: النظام الإنجليزي- النظام الفرنسي- النظام السوفييتي)- دار عالم الكتب بالقاهرة، ط1/ 1984م- (ص223، 224)، بتصرف.

[11])) يرى الدكتور محمد خلدون أحمد نورس مالكي، في أطروحته لنيل دكتوراه (قسم الفقه الإسلامي وأصوله، جامعة دمشق)، والتي كانت بعنوان(تعدد الخلفاء ووحدة الأمَّة فقهاً وتاريخاً ومستقبلاً)، يرى أن تعدد الخلفاء (ويحل محلهم عنده الرؤساء والملوك الحاليين) في الواقع المعاصر، يستند إلى نظرية الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.[ نقلا بتاريخ 18/6/ 2012م، من على الرابط التالي: http://shamela.ws/index.php/book/96234 ]

[12])) محمد بن شاكر الشريف، مقال (أسلمة الديمقراطية حقيقة أم وهم؟) منقول بتاريخ:  6/ 6/ 2013م،على الرابط التالي: http://www.saaid.net/Doat/alsharef/35.htm

[13])) يقول الشيخ القرضاوي في كتابه ( من فقه الدولة في الإسلام )(ص39)معقبا على ذلك القول: "يقصد: قانونا عاما يحكم علاقات الناس، لا مجرد قانون جزئي مستمد من مبادئ الشريعة وفقهها، فهذا قد حدث، ويحدث، ولا مانع منه، مادام لا يعارض نصا ولا قاعدة شرعية " .

[14])) مقال الدكتور توفيق الشاوي، مرجع سابق.

[15])) محمد شاكر الشريف، مرجع سابق.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  نماذج من تفوق النظرية السياسية للدولة في الإسلام

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7