الأحد 10 نوفمبر 2013
New Page 1

كثيرة هي المغالطات والتناقضات التي تكتنف العقائد النصرانية بشكل عام, ولعل من أخطرها عقيدة الصلب والفداء, تلك العقيدة التي ترتب عليها الكثير من العقائد الباطلة, كالشرك بالله تعالى بنسبة الولد له, الذي تجسد على شكل إنسان, بعد أن حل اللاهوت في الناسوت كما يقولون, لتنفيذ عقيدة الفداء من معصية وخطيئة آدم عليه السلام, الذي توارثتها الأجيال من بعده, حتى كان الخلاص على يد المسيح عليه السلام (ابن الله كما يعتقد النصارى).

ورغم تعارض مفهوم الصلب والفداء مع العقل والمنطق بداية, ورغم بيان عوارها وبطلانها من الأساس, إلا أنه لا بد من ذكر هذا المفهوم عند النصارى, ومناقشة النصوص حسب ما ورد في أناجيلهم وكتبهم المقدسة, ليثبت زيف ما يعتقدون, وبطلان ما يؤمنون.

مفهوم عقيدة الصلب والفداء عند النصارى

من المعلوم أن النصارى يعتقدون بأن المسيح صلب ليكفر الخطيئة الأزلية, وهي التي ارتكبها آدم تحت تأثير زوجته حينما أكلا من الشجرة المحرمة، وانتقلت الخطيئة بطريق الوراثة إلى جميع نسله، وكانت ستظل عالقة بهم إلى يوم القيامة، لولا أن افتداهم المسيح بدمه كفارة عن خطاياهم.

وأساس هذا الموضوع عند النصارى أن من صفات الله العدل والرحمة، وبمقتضى صفة العدل كان على الله أن يعاقب ذرية آدم بسبب الخطيئة التي ارتكبها أبوهم, وطرد بها من الجنة, واستحق هو وأبناؤه البعد عن الله بسببها، وبمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يغفر سيئات البشر، ولم يكن هناك من طريق للجمع بين العدل والرحمة إلا بتوسط ابن الله الوحيد –عيسى عليه السلام كما يزعمون- ليموت على الصليب كفارة ونيابة عنهم، وبهذا العمل يكون الله قد جمع بين عدله ورحمته مع الإنسان وأخذ العدل حقه، وظهرت رحمة الله تعالى.

أهمية عقيدة الصلب والفداء عند النصارى

نستطيع أن نقول: إن عقيدة الصلب والفداء في النصرانية, هي التي قادتهم للقول بألوهية المسيح, فتجسد الإله في المسيح -هذا الحدث العظيم- إنما كان من أجل أن يصلب الإله الابن، فداء وتخليصا للبشرية من خطيئة آدم.

ويصور لنا ذلك الإصلاحي البرتستانتي الشهير توماس الأكويني (الملقب بالدكتور الملائكي) فيقول: (توجد أراء مختلفة، فيزعم البعض أن ابن الله كان سيتجسد حتى لو لم يخطئ آدم، ويرى البعض خلاف ذلك، ويبدو من الأصوب الانتماء إلى الرأي الثاني ... فالكتاب يقول لنا دائما: إن خطيئة الإنسان الأول هي الدافع لتجسد ابن الله، وعليه يظهر أن هذا السر إنما رتبه الله كدواء للخطيئة؛ بحيث إنه لولا الخطيئة لما كان التجسد) (1)

ويقول جوردن مولتمان في كتابه الإله المصلوب: إن وفاة عيسى على الصليب هي عصب كل العقيدة المسيحية، إن كل النظريات المسيحية عن الله، وعن الخليقة، وعن الخطيئة، وعن الموت، تستمد محورها من المسيح المصلوب. (2)

أدلة النصارى على ما يعتقدون

يستند النصارى في معتقدهم هذا على بعض النصوص الواردة في أناجيلهم الأربعة المعتمدة, وهي إنجيل متى ولوقا ومرقس ويوحنا, والمدقق في تلك الأناجيل يلاحظ دون عناء التناقض والتعارض والتضارب, بينما ينبغي أن تكون تلك النصوص, متكاملة متوافقة متطابقة, نظرا لأهمية وخطورة القضية التي تتحدث عنها, والتي ينبني عليها الكثير من العقائد النصرانية.

وكمثال على ما نقول: فإن تحديد الخائن الذي دل على نبي الله عيسى عليه السلام, كان متضاربا وغير متطابق ولا متوافق بين تلك الأناجيل, ففيما ذهب إنجيل مرقس ولوقا إلى عدم تحديده بالاسم, ذهب كل من إنجيل يوحنا ومتى إلى تحديده.

كما أنه من الملاحظات الجديرة بالاهتمام, والتي كشف عنها العلامة أحمد ديدات, أن اثنين من أصحاب هذه الأناجيل لم يروا المسيح ولم يكونوا من تلاميذه, ويقصد مرقس ولوقا, فكيف يمكن اعتبارهما شاهدين؟؟!!

كما أن أصحاب الأناجيل الأربعة لم يحضروا الواقعة التي يتحدثون عنها, فقد جاء في إنجيل مرقس: (فتركه الجميع وهربوا) 50/14, ومثل هذه القضية لو عرضت على أي محكمة متحضرة, لسارعت إلى رد الشهادة هؤلاء الشهود في أقل من دقيقتين.

كما أن حادثة الصلب والفداء مسطرة في أكثر من خمسة آلاف مخطوط, يتفاخر النصارى بكثرتها, ولكن لا يوجد منها مخطوطان متطابقان, وعلى فرض تطابقها, فإن أيا منها لم يسجل بخط يد مؤلفه وإن نسب إليه. (3)

معارضة عقيدة الصلب والفداء للعقل

إن عقيدة النصارى في الصلب والفداء, ينتابها الكثير من الملاحظات والاعتراضات المنطقية والعقلية, ناهيك عن الاعتراضات النقلية والنصية, التي أوردت غيضا من فيض منها سابقا, وذلك من خلال النقاط التالية:

1-     من السخف والاستهزاء بالعقول أن تغفر خطيئة آدم عليه السلام بخطيئة وجريمة أبشع, وهي تعليق الإله –المسيح ابن الله كما يزعمون- على الصليب ليذوق الآلام.

2-     أليس من السفه الفكري أن نقول: إن الله سبحانه وتعالى لم يرضى أن ينتقم من المجرمين الظالمين وانتقم من ابنه البريء.

3-     ما الحكمة العظمى التي من أجلها يظل ابن آدم متحملا لخطيئة أبيه, حتى يأتي الإله يسوع في آخر الزمان ليكون قربانا, وبين عيسى وآدم عليهما السلام أنبياء ورسل لا حصر لهم.

4-     هل من العدالة الإلهية أن يحاسب الإنسان على فعل غيره؟!!

5-     إن القول بتوريث الخطيئة لهو في غاية الظلم الذي يتنزه عن الله سبحانه وتعالى.

6-     يلزم من يقبل هذه العقيدة أن يقبل ما يرفضه كل عقل, من أن خالق الكون جل جلاله يمكن أن يحل في رحم امرأة في هذه الأرض.

7-     يلزم من عقيدة الفداء والصلب أن يكون خالق الكون عاجز عن إتمام مراده بالجمع بين عدله ورحمته.

8-     عقيدة الصلب والفداء تتنافى مع القول بالألوهية, حيث تستلزم وقوع الإهانة والعذاب للإله المسيح كما يقولون.

9-     هناك العديد من الطوائف المسيحية تعتقد بأن من يؤمن بهذه العقيدة سينال غفران شامل للخطايا اللاحقة والسابقة, وبهذا تكون عقيدة الصلب والفداء هي امتداد للخطيئة وليس غفران لها, فكيف يصح ذلك عقلا؟؟!!

إن أفضل تشبيه لهذه العقيدة الباطلة, ما سطره الأستاذ محمد حسن عبد الرحمن في كتابه (براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح)، حيث شبه الأمر بقصة ملك تمرد عليه شعبه، فأرسل إليهم رسلا يدعونهم إلى الخير والرجوع لسلطانه, والإذعان لقوانين العدل والسلام التي وضعها.

لكن هؤلاء قتلوا رسله واستهزءوا بهم، وزادوا عتوا، فزاد غضب الملك عليهم، ثم ما لبث الملك أن أصدر قرارا بأنه سيبعث ابنه الوحيد ليضربوه ويقتلوه ويهينوه كفارة عن معاصيهم، فمن صدق ذلك فهو عنده الكريم المغفور له.

كما أصدر أمرا آخر بإلغاء كل قوانين العدل والرخاء السابقة, وأصدر أمرا باعتبار الرضا بالقرارات السابقة كافيا للحكم على الراضي بأنه مواطن صالح مهما ارتكب من آثام وموبقات وجرائم.

وقد كانت حيثيات هذا القرار: أن الملك عادل، ومن عدله يقتص من المجرمين المخربين المفسدين في مملكته، ولكنه حبا لهم، وحتى لا يهلك كل من في المملكة, رضي بأن يقتص من ابنه الوحيد البريء، الذي يعدل القصاص منه كل جرائم شعبه، وأمر بأن يعذب ثم يصلب. فما رأي النصارى بهذا الملك؟؟.!!

ومثل هذا الملك لا يقال في حقه عادل أو ظالم، وإنما الأليق به أن يقال عنه: إنه غبي سفيه معتوه -كما يرى الأستاذ محمد حسن–

هذه هي صورة الإله الذي تريد النصرانية المحرفة أن نعبده. (4)

الرد الإسلامي على هذه العقيدة

إن أجمل وأعظم رد على هذه العقيدة الباطلة, ما جاء في القرآن الكريم, الذي بين زيف وبطلان هذه الدعوى, موضحا خيوط المؤامرة على عيسى عليه السلام من قبل اليهود, الذين أرادوا الإيقاع به في الموت والقتل, من خلال المكر به, ولكن الله تعالى رد كيدهم في نحرهم, ونجا نبي الله من بين أيديهم. 

والآيات تتكلم بوضوح وجلاء لا يحتاج معه إلى شرح أو توضيح, قال تعالى متحدثا عن اليهود: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} النساء/155-157

إن المدقق فيما يقوله النصارى عن الصلب والفداء, وبنوة المسيح لله الذي افتداه, وما كان سائدا في الوثنيات القديمة في الهند وغيرها, يوقن أن هناك تماثلا وتشابها, يدعو إلى دفع أي شك بأن النصرانية قد أخذت الكثير من العقائد الوثنية.

وقد أسهب جميع علماء مقارنة الأديان والمهتمين بالتاريخ القديم، في الحديث عن عقيدة الصلب والفداء، وعن أصولها، وكانوا جميعا متقاربي الآراء في بيان جذور هذه العقيدة، وكيفية وصولها للديانة المسيحية المحرفة، ومن هؤلاء صاحب كتاب العقائد الوثنية في الديانة المسيحية, لمؤلفه محمد طاهر التنير البيروتي, والذي حققه محمد عبد الله الشرقاوي –أستاذ الفلسفة ومقارنة الأديان بكلية العلوم بجامعة القاهرة- الذي كان عبارة عن خلاصة إطلاعه على ما يقرب من أربعين كتابا أجنبيا في مقارنة الأديان وفي التاريخ القديم. حيث جمع الشيء الكثير مما يشترك فيه النصارى مع الوثنيين المختلفي النحل، والأمكنة في العقائد.

فهل هناك شك بعد كل هذا ببطلان هذه العقيدة؟؟!!

 ==========================

الفهارس

(1) المسيح إنسان أو إله / محمد مجدي مرجان(150)

(2) مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء أحمد ديدات (10)

(3) مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء، أحمد ديدات، ص (18–20)

(4) براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح . 128 – 130

 
 
   Bookmark and Share      
  
  عقيدة الصلب والفداء عند النصارى

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7