السبت 26 أكتوبر 2013

العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم (المنهج والخصائص)

الدكتور عثمان بن جمعة ضميرية

كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة الشارقة

مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والقانونية مجلد 7 العدد 1

ـــــــــــــــــــ

إن الإسلام بكونه منهج إلهي للبشر, فهو يشمل جانبين اثنين تتفرع عنهما سائر الجوانب الأخرى وتعود إليهما, أما الأول منهما فهي العقيدة الإسلامية التي تعتبر الأساس النظري لهذا الدين, الذي يشكل القاعدة الأساس في بنائه, ومنه ينطلق المؤمن ويضبط كل حركاته وسلوكه وأعماله, ويفسر للإنسان طبيعة وجوده ونشاته وغايته, ومهمته في الحياة ومصيره في الآخرة.

وأما الجانب الآخر فهو الأحكام الشرعية المنبثقة عن هذه الأصول الاعتقادية ويقوم عليها, ويجعل لها صورة واقعية متمثلة في حياة البشر, والذي يسمى (علم الفروع أو علم الفقه الإسلامي).

وقد وهب الله تعالى الإنسان الطرق والأساليب التي يتعرف من خلالها على الموجودات من حوله, قد تكون من داخل نفسه كالحواس الخمس الظاهرة والباطنة والعقل, وقد تكون من خارج نفسه كالخبر الصادق.

وإذا كان العقل البشري والحواس الخمس لا تستطيع أن تعمل في مجال الغيبيات لقصرها ومحدوديتها, والفطرة الإنسانية ربما يطرأ عليها ما يغشيها ويحرفها عن صوابها, فلا بد حينئذ من مصدر يجلو الصواب ويصحح المسار, ألا وهو الوحي الإلهي المتمثل بالقرآن والسنة, اللذان يشكلان المصدر الموثوق للعقيدة الإسلامية.

بعد هذه المقدمة والتمهيد, يبدأ الباحث بصلب بحثة الذي جعله في مبحثين اثنين, جعل الأول منهما للمنهج القرآني في بناء العقيدة وبيانها, وجعل الثاني لخصائص هذه العقيدة وميزاتها.

في المبحث الأول بين الباحث أن القرآن الكريم دعوة وهداية للناس جميعا على اختلاف حظوظهم من العقل والقدرة على التفكير, و تصحيح لمسار العقيدة الصحيحة التي حرفت باليهودية والنصرانية والوثنية عند العرب, ويمكن أن نلمح المنهج المتكامل لبيان العقيدة في القرآن الكريم من خلال:

1- المنهج الفطري الوجاني, فالإنسان مخلوق على فطرة سليمة تتجه لبارئها وخالقها جبلة, ولذلك يكثر القرآن من خطاب الإنسان بهذه الفطرة بأسلوب عاطفي فطري.

قال تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} ابراهيم/ 11.

2- المنهج العقلي المتناغم والمتكامل مع المنهج الفطري الوجداني, وذلك من خلال إقامة البراهين العقلية على وجود الله تعالى ووحدانيته وبيان صفاته, من خلال بديع خلقه.

 قال تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُون} الواقعة/ 57-61َ, وإثبات النبوات ومصدر القرآن قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} النساء/82, بل وإثبات السمعيات المشتملة على البعث والحساب, فإن العقل يمنع أن تكون الحياة وجدت عبثا, وأن يترك الإنسان سدى دون تكليف أو حساب, قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} القيامة/36

3- منهج الرد على الانحرافات والضلالات العقائدية, كإنكار الألوهية والربوبية والشرك فيهما, وإنكار البعث والنبوة, وانحراف اليهود في تصورهم للإله, وانحراف النصارى وشركهم بإدعائهم لله ولدا وأنه ثالث ثلاثة, تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

4- منهج بيان العقيدة من خلال القضايا الاجتماعية, وفي مقدمتها تحرير الإنسان من العبودية في المجالين السياسي والاقتصادي, وقد أفرد القرآن سورة كاملة لهذا الغرض وهي سورة القصص.

5- المنهج الإرادي العملي التي تخاطب الإرادة الإنسانية, وتطالبها بالتسليم لأمر الله تعالى ونهية بالاتباع وعدم الابتداع, وخاصة في أمور العقيدة التي نتكلم عنها, حيث تكثر الانحرافات والبدع عند الخروج عن منهج التسليم.

في المبحث الثاني يبين الباحث خصائص العقيدة الإسلامية وهي:

1- التوقيفية (الربانية) فلا مجال فيها لزيادة أو نقصان أو تعديل أو تبديل, نظرا لمصدرها الرباني المتمثل بالوحي فحسب, والذي انقطع بوفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم, وفي ذلك عصمة للأمة من الخطأ والزلل والانحراف الذي تتميز به هذه العقيدة عن سائر المعتقدات الوثنية والمحرفة والمختلقة.

2- الغيبية التي تقوم على الإيمان بأصول لا تخضع للحس المباشر أو غير المباشر, كالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة وسائر أركان الإيمان, وهي نزعة فطرية لا ينكرها إلا جاحد قاصر العقل والعلم, وبهذه الخاصية تتميز العقيدة الإسلامية عن المذاهب الفكرية المادية التي تتنكر للغيب ولا تؤمن به.

3- الشمول الذي لم يترك جانبا من جوانب الحياة الفردية والاجتماعية إلا ونظمه تنظيما دقيقا, من خلال رد الوجود كله إلى الذات الإلهية, وبيان حقيقة عبودية الإنسان لله تعالى, مما يريح الإنسان عقائديا وفطريا.

4- التكامل والترابط بين أجزائها, حيث يرتبط كل جزء منها بالآخر ترابطا دقيقا, ليشكل في النهاية كلا موحدا متناسقا لا يقبل التجزئة والانفصام, كارتباط أركان الإيمان ببعضها البعض, وكارتباط الإيمان بالعمل.

5- التوازن بين الأمور المتقابلة التي توصل إلى الوسطية والاعتدال, فلا إفراط في جانب على حساب الآخر, كما يحدث في الكثير من الأديان والمذاهب المعاصرة, حيث يتم تضخيم جانب على حساب آخر ابتداء أو كردة فعل, ويظهر ذلك جليا في موقف الإسلام من الأنبياء والرسل, الذي كان وسطا ولم يقع بجفاء اليهود ولا غلو النصارى كما يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله.

وبذكر أهم النتائج والتوصيات ينهي الكاتب بحثه القيم, الذي تناول بأسلوب علمي رزين, جانبا من أهم جوانب الإسلام ألا وهو العقيدة الإسلامية, فبين أصالة القرآن في كونه المصدر الأساس والمنهج الصحيح لهذه العقيدة, بعيدا عن عن الجدل والفلسفة اليونانية التي سادت الفكر الإسلامي في مرحلة من مراحل تدوين العقيدة الإسلامية.

فجزى الله تعالى الكاتب على بحثه خير الجزاء, وجعله في ميزان حسانته يوم القيامة, ونفع به المسلمين. آمين

 لتحميل الدراسة انقر هنا:

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم (المنهج والخصائص)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7