الأحد 20 أكتوبر 2013

تنبع أهمية هذا الموضوع من الأعداد الكبيرة التي يشغلها معتنقوا هذه الديانة, والتي تصل إلى مليار إنسان أو أكثر, مما يعني بأنهم ثالث ديانة في العالم من حيث عدد معتنقيها بعد المسيحية والإسلام, الأمر الذي يمثل تحديا كبيرا أمام دعاة الإسلام إزاء هذه الفئة الكبيرة من الناس, خاصة إذا علمنا أن بعض الاتجاهات والأراء تذهب إلى أن أصول هذه الديانة قبل دخول الغزاة الآريين عليها كانت شبه توحيدية, وأن التحريف والوثنية جاءت مع الآريين الغزاة عبر الفكرة والنظرية الثنوية الوثنية.

ولعل المقصود من إبراز فكرة الأصول شبه التوحيدية لهذه الديانة, هو محاولة لفتح نوافذ أوسع للأجيالِ القادمة، ليتسنى لهم الدخول إلى أتباعِ هذه الديانة وتقديم الإسلام إليها بصورته المعتدلة والوسطيّة الحقيقية، حيث يُعَد ذلك فتحا جديدا، وسيرا على درب الأجداد الصالحين الذين دخلوا إلى جزيرةِ سومطرة وغيرها من الجُزر في أندونيسيا، مبشِّرين بالدين الجديد، الذي أنزلَه اللهُ تعالى بواسطة الوحي إلى خاتمِ الأنبياءِ والمرسَلين عليهِ الصلاة والسلام.

ولفت انتباهي من كل طقوس الديانة الهندوسية الحج, تلك العبادة التي يجتمع فيها  حوالي 20 مليون حاج من الهندوس, في حالة غريبة تثير الدهشة والتعجب, إذ كيف للعقل البشري أن يصل إلى هذه الدرجة من الانحطاط والتردي في التفكير, فيقتنع بخرافات وأساطير ما أنزل الله بها من سلطان, وليس لها في ميزان العقل والمنطق والعلم أي وزن أو قيمة.

وقبل الخوض في مفهوم الحج عند الهندوس وتفاصيل أدائه, لا بد من لمحة سريعة عن ديانة الهندوس وأهم معتقداتهم.

الهندوسية: ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند، وهي مجموعة من العقائد والعادات والتقاليد التي تشكلت عبر مسيرة طويلة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى وقتنا الحاضر, وهي ديانة تضم القيم الروحية والخلقية إلى جانب المبادىء القانونية والتنظيمية, متخذة عدة آلهة بحسب الأعمال المتعلقة بها، فلكل منطقة إله، ولكل عمل أو ظاهرة إله.

لا يوجد للديانة الهندوسية مؤسس معين، ولا يعرف لمعظم كتبها مؤلفون معينون، فقد تمّ تشكُّل الديانة وكذلك الكتب عبر مراحل طويلة من الزمن, ويعتبر الآريُّون الغزاة الذين قدموا إلى الهند في القرن الخامس عشر قبل الميلاد هم المؤسسون الأوائل للديانة الهندوسية.

من أهم كتبهم المقدسة الفيدا, وهي كلمة سنسكريتية تعني الحكمة والمعرفة, و لهم معتقدات ثنوية كثيرة, ولهم أكثر من آلهة: براهما وكرشنا و غيرهم, ويعتقدون بتناسخ الأرواح, ويقدسون البقرة, ويحرقون موتاهم ....الخ.

 مفهوم الحج في الأديان والهندوس

 يعتبر حج الأنبياء والمرسلين (عليهم الصلاةُ السلام) هو المحور النموذجي لهذه العبادة, ومن المعروف أن العرب وغيرهم من الأقوام القريبة والبعيدة لم يحفظوا من شريعة إبراهيم عليه السلام شيئا إلا الحج في مظاهِره، إلا أنهم زادوا فيه أو نقصوا منه، وذلك بعد الانفصال عن الحنيفية التي جاء بها إبراهيم عليه السلام من الله تعالى، كون الإنسان يميل بفطرته التوجه إلى الأماكنِ المقدّسة، وذلك ليتشبّع بالغذاء الروحي، كلٌّ حسب عقيدتِه وفطرتِه، لذا أراد اللهُ تعالى تهذيب هذه الفطرة ودفعها في طريقِها الصحيح، لتجني الأمم والشعوب المسلمة ثمارَها و تعيدُهم إلى حالة البراءة والولادة من جديد, ففرض على المسلمين حج بيت الله الحرام، من استطاعَ إليهِ سبيلا.

ومن المعروف أن كلمة الحج في اللغة العربية تعني القصد, وأن الحج في الديانا بشكل عام يعني: شد الرحال إلى مكان مقدس, كما أن الحج في الاصطلاح: زيارة مكان مخصوص, في زمان مخصوص, بقصد مخصوص.

وباستعراض مفهوم الحج عند بعض الديانات يتبين لنا أن الحج عند اليهود: هو رحلة يقصد بها المؤمنون مكانا مقدسا, ومن أهمها القدس المحتلة, وكذلك الحج إلى مكان تابوت العهد, وإلى قطعة من السور القديم لهيكل سليمان في الجهة الغربية من المسجد الأقصى كما يزعمون, ويسمونه حائط المبكى, وهو محل البراق الذي عرج منه محمد صلى الله عليه وسلم.

والحج في الديانة المسيحية رحلة إلى مرقد قديس, للحصول على المساعدة الروحية أو القيام بفعل تكفيري, ثم تحول المسيحيون إلى القدس في بيت لحم موضع ولادة المسيح عليه السلام, ويقصدون كنيسة القيامة والقديس بطرس وغيرها من الكنائس.

أمّا مفهومُ الحجِّ في الديانةِ الهندوسيّةِ فهو شدُّ الرحالِ إلى الهند، متمثلاً بأماكنها المقدّسة، وبالذات نهر الكنج نهر الكنج (1)، وسرُّ تقديسِهم لنهرِ الكنج، يعزى لكونِهم يعتقدون أن أحد الآلهة قد استحم فيها، إضاف إلى أن (البددة) (2) قد أتوهم على عدد الهياكل من نهر الكنج، وأعطوهم العلوم، وظهروا لهم في أجناسٍ وأشخاص شتى، ثمَّ زيارة الأشخاص المعظَّمين كبراهما وقشنو وغيرهم، مقرونا بالأعياد، والعيد كلّ يوم فيهِ جمع، والمشتقّة من عاد يعود كأنهم عادوا إليه، وقيل اشتقاقه من العادة لأنهم اعتادوه، وجمعها كلمة (أعياد)، تقابلها في الهندوسيّة (دروجا- بوجا).

أهم طقوس الحج عند الهندوس

يعتبر الحج من الممارسات الكونية القديمة جدا بين الأمم, فقد عرفه الهنود في الأزمنة الأسطورية والفيداوية, وهي عبارة عن حكاية بواسطة الرواية تدورُ حولَ الآلهة والأحداثِ الخارقة, والغاية منه التوجه لنهري الكنج وبراهما بوترا(3)  والينابيع المقدسة (4), وعلى الهندوسي أن يترك الأهل والأقارب، ولا يتصل بهم مدة حجّه أبدا ولا يفكر فيهم، أمّا ما يخص الميقات وهو مسافة كيلومتر من بيته، فعليه أن يتخلّى عن لباسه، فيغتسل ويختار لباس الإحرام، وهو قميص طويل وإزار بلون أصفر، ويأخذ عصا من القصب الهندي، ويعلق عليه نوعا خاصا من الآنية للماء، ويخرج مرتلا الورد الخاص، وهو (هري كرشن هري رام) ومن الأفضل أن يمشي على قدميه وهو واجبٌ على البرهمي، وتطوعٌ على غيرهِ.

يعتبر عدد حجيج الهندوس الذي يتراوح بين 20 – 70 مليون من أكبر أعداد الحجيج مقارنة مع أي ديانة أخرى باستثناء البوذية الذي يصل عدد حجيجهم إلى 150 مليون بوذي, ويفتتح مراسم الغطس في النهر مجموعة من الرجال المقدسين, وآخرون عراة تماما, وآخرون يرتدون أثوابا من لون الزعفران الأصفر الزاهي, ويطلق على هذا اليوم (ضوء القمر الجديد) وبالهندوسية (ماوني أسافيا) وهو أقدس يوم من أيام الحج عندهم, إذ يجتمع الرجال والنساء والأطفال والضعفاء والرهبان الهندوس عند ملتقى نهر (الكنج) ونهر (جامونا) ونهر ثالث أسطوري في مدينة الله آباد.

ثم تبدأ فعاليات السباحة الجماعية والتي تعدُّ من الممارسات الأساسية الجماعية في الحجّ الهندوسي، وهي ممارسة أساسية كذلك في الحجِّ اليهودي، ويختمون أعمال الحجّ بالاحتفال ليلا حول حمام السباحة الجماعية، وهو ما يشير بطابعه الحلولي الوثني، إذ يسوده طابع جنسي لهذه الاحتفالات، إذ العبادات الحلولية عادة ما تترجم نفسها إلى احتفال ذي طابع رخيص.

وسرّ تقديسهم لهذه المدينة هو حسب المعتقدات الهندوسية، أنّ الآلهة والشياطين خاضوا معركة سماوية على إبريق من الشراب المقدس، ومدينة (الله آباد) هي واحدة من أربعة مواقع سقطت فيها قطرات من الشراب خلال المعركة، وقد استمرت المعركة (12) يوما مقدسا، ولذلك يقام مهرجان (كومبة) الكامل كلّ (12) سنة, بينما المهرجان النصفي يقام كلّ ستّ سنوات.

أما عن مراسيم الغطس، فقد صرّح أحد المسؤولين عن تنظيم المهرجان، إنّ أكثر من (3) ملايين شخص سيغطس في النهر، خلال الساعات الستّ الأولى من المهرجان، وصرّح (باريجيان رام ميشر) أنَّ السيطرة على الجموع ستكون مهمتنا الأولى قائلا: نتوقع أن يشارك أكثر من (14) مليون شخص في المهرجان يوم الأربعاء فقط, ويستمر المهرجان لمدّة (45) يوما, ويُتوقع أن يشارك فيه أكثر من (70) مليون هندوسي من الهند وخارجها.

تنقسم مزارات الهندوس في الحج إلى قسمين:

الأول يرتبط بالأنهار مثل نهر الكنج, حيث تعتبر السباحة فيه إحدى الممارسات المقدسة, وذلك لاعتقاد الهندوس أن أحد الآلهة قد استحم فيه, ومع كون نهر الكنج من أكثر أنهار العالم تلوثا بسبب الملايين التي تستحم فيه, إلا أن التي الهندوس وصلوا إلى حد الاعتقاد بأن من يضع في يده قطرات من ماء الكنج لا يمكن أن يكذب أبدا.

وأما الثاني فيرتبط بالمعابد المخصصة للآلهة الكثيرة عند الهندوس, حيث يقترن الحج عندهم بتقاليد جاهلية شركية وأساطير للآلهة القديمة, كأسطورة شيفا وبراهما وقشنو التي تسمى أقانيم الثالوث المقدس عندهم.

ويبلغ عدد أماكن الحج المقدس عند الهندوس أكثر من مائتي موضع ومكان, إلا أن بعضها كنهر الكنج حاز الأهمية العظمى لقرون من الزمان, فالحج في الهند يعود لما قبل تاريخ غزو الآريين, إذ كانت ممارسة الاغتسال في نهر الكنج تعد نواعا من طقوس التطهير, التي تعود لأسطورة التكوين الهندية الأساسية المعروفة باسم (المهابهارتا).

هذه هي أهم طقوس الحج عند الهندوس, والتي تعبر عن أساطير وخرافات متبعة ومطبقة حتى اليوم, رغم دخول العالم في القرن الحادي والعشرين, ورغم الإبداع العقلي البشري الهائل في مجال التكنولوجيا والاتصالات والمخترعات, إلا أن هذا العقل نفسه ما يزال يرزح تحت نير الأساطير والخرافات في مجال المعتقدات والأديان, الأمر الذي يدعو للعجب من ناحية, ويؤكد أهمية الدور المنوط بالمسلمين اليوم, ليقوموا بالمهمة التي كلفهم الله بها في نشر دينه وعقيدته من ناحية أخرى.

==========================

الفهارس

(1) نهر طوله (2510 كم)، يجري شمال الهند، وشرق باكستان، ينبع من جبال (الهملايا) بمقاطعة (اوتار براوش)، أكثر الأنهار قداسة عند الهندوس، ويمرّ بمناطق الاغتسال المقدسة في (اوتار براوش)، حيث يلتقي (بنهر جمنة) في بنارس، ثمّ يصبُّ في خليج البنغال، ويغرق الكثير في مياهه، سواء بإرادتهم أو قضاءاً و قدراً. ينظر: الملل والنحِل للشهرستانيّ، وينظر: الموسوعة العربية الميسرة1/608

(2) اختلفت الآراءُ في معنى (البد) عندهم، وأولُ (بد) ظهر في العالم اسمه (شاكمين)، وتفسيرُه السيد الشريف، ومن وقتِ ظهورِهِ إلى وقتِ الهجرةِ خمسة آلاف سنة، ومنهم ذهب إلى أنَّه صورة الإله، أو رسول، أو بوذا. ينظر: المزيد، الملل والنحل للشهرستانيّ،1-2/261

(3) نهر طوله (2866 كم) ينبع في جنوب غربيّ التبت، ويجري مخترقاً الهند وباكستان الشرقية يطلق على الجزء الأدنى من مجراه الأسفل جمنة: الموسوعة العربية الميسرة، 1/339

(4) للينابيع أهمية كبرى في حياة الهندوس، فلها من القداسة مساويةً لنهر الكنج، ونهر براهما بوترا، فقد حدث سنة (1913م) أن سقط ابن هندوسي من صخرة عالية في عين ماء، فمات غرقا، ولم يكن على مقربةٍ منه إلا أمه وشخص منبوذ، كان عابرا سبيله، فعرض الشخص هذا على أمّ الطفل أن يغطس في الماء لينقذه، لكن الأم رفضت ذلك، لأنّها آثرت موت ابنها، على تدنيس المنبع كون الشخص من طبقة المنبوذين، والذي لا يسمح لهم التشريع الهندوسي بالتعامل معه. بتصرف قصة الحضارة1-2-4/420.

(5) من أهم مراجع التقرير: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة, الملل والنحل للشهرستاني, دراسات في الأديان الوثنية القديمة للدكتور أحمد علي عجيبة, ومفهوم الحج في الديانة الهندوسية للدكتور إبراهيم درباس موسى, ودراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي, وموسوعة الأديان والمعتقدات القديمة للأستاذ عبد الرزاق موحي, وإظهار الحق لرحمت الله بن خليل الرحمن الهندي.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الحج عند الهندوس خرافات وأساطير

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7