الأحد 20 أكتوبر 2013

دراسة عقدية لحديث (خلق الله آدم على صورته)

إعـداد الطالب : بدر بن محمد ناضرين

أستاذ المادة : د. عبد الله بن عمر الدميجي

جامعة أم القرى   كلية الدعوة وأصول الدين قسم العقيدة

ـــــــــــــــــــــــ

لما كانت العقيدة الإسلامية تتكلم عن ذات الله تعالى وصفاته, وتتحدث عن الأنبياء والرسل و عن مهامهم وأعمالهم وصفاتهم, وتتناول أعظم قضية في وجود الإنسان ألا وهي قضية الإيمان, فقد احتلت العقيدة الإسلامية لذلك المرتبة الأولى بين علوم الشريعة, ونال الباحث فيها أشرف الدرجات والمنازل, وكيف لا وهو يبحث في أشرف العلوم, ويتناول بالدراسة أعظم الفنون.

وقد ترد بعض الأحاديث النبوية الشريفة, التي تتعلق بالقضايا العقدية, والتي تحتاج إلى بيان وشرح وتفصيل, لإزالة أي لبس أو غموض, يمكن أن ينتاب المسلم في فهمها, ضمن قواعد و أصول العقيدة الإسلامية الصحيحة, فيلزم من ذلك دراسة هذه الأحاديث وبيان توافقها مع هذه الأصول والقواعد, ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله تعالى آدم على صورته) متفق عليه.

في البداية بين الباحث معنى كلمة (الصورة) لغة, وأنها ترد بمعنى حقيقة الشيء وهيئته في الظاهر, ويراد بالصورة أيضا الوجه كما دلت عليه بعض الأحاديث, ومنه جاء تحريم ضرب الوجه ولطمه.

وحرصا من الباحث على الدقة العلمية, فقد أورد في المطلب الأول الأحاديث المتعلقة بخلق الله تعالى آدم على صورته بالروايات المختلفة: خلق الله آدم على صورة وجهه, أو خلق الله الإنسان على صورة الرحمن, مبينا أن الرواية الأقوى والأصح من بين كل هذه الروايات هي:

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (خلق الله عز وجل آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال فذهب فقال السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، قال: فزادوه ورحمة الله. قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن) متفق عليه.

ثم يخلص الباحث بعد دراسة الأسانيد والمتون لروايات الحديث المختلفة, أن حديث (خلق الله آدم على صورته) ثابت بإطلاق, وأن حديث النهي عن ضرب الوجه لأن الله خلق آدم على صورته ثابت أيضا.

و تبقى المشكلة الأهم في الضمير في قوله: (على صورته) وعلى من يعود؟؟ هل يعود على الله تعالى أي: على صورة الله, كما في الحديث بالرواية الأولى, أم على آدم كما في رواية ضرب الوجه, وهو ما سيتناوله الباحث في المطلب الثاني

أقوال أهل العلم في الحديث:

القول الأول: أن الحديث من أحاديث الصفات، وفيه إثبات الصورة لله تعالى، وإثبات أن الله خلق آدم على صورته سبحانه, وهذا قول جمهور السلف، إذ يروون الحديث في باب الصفات، ولا يؤولونه، بل يجرونه على ظاهره.

وقد قال بهذا القول جمهور أئمة السلف, وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل, الذي قال : من قال إن الله تعالى خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي, وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق؟! وكذلك عبد الله بن محمد بن قتيبة و أبو عاصم الضحاك الشيباني و شيخ الإسلام ابن تيمية و ابن القيم وابن حجر وغيرهم كثير, مؤكدين قولهم هذا برواية (خلق الله الإنسان على صورة الرحمن).

القول الثاني: تأويل الحديث على غير ظاهره, وقد قال بذلك عدد من المتأولين منهم:

بشر بن غياث المريسي الذي قال: خلق الله آدم على صورته التي كان في علمه أن يخلقه عليها, أو الصورة المصطفاة المعلومة لديه سبحانه.

وابن خزيمة قال: إن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه لأن الخلق يضاف إلى الرحمن، إذ الله خلقه، وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن، لأن الله صورها.

بينما كفر ابن حبان من يعيد ضمير الهاء لله تعالى, إذ ليس كمثله شيء كما يقول, وأن الضمير يعود لآدم لبيان فضله على سائر الخلق, وقد فسره بعضهم كابن مندة بأن الله لم يخلقه طفلا ثم صبيا ثم شابا فكهلا كبقية البشر, وبعضهم أول نسبة الصورة لله بالتشريف.

وفي بداية المطلب الثالث المخصص لمناقشة أدلة القولين السابقين, يبين الباحث أننا أمام فريقين, الأول: إثبات السلف لمعنى الحديث والتوقف عن الكيفية, والثاني: تأويل الحديث وإبطال دلالته.

القول الأول: فهو الأصح والأقوى دلالة, وهو مذهب السلف في إجراء الحديث على ظاهره, والرد على كل متأول له, ويؤيد ذلك:

1- بعض الأحاديث التي تثبت الصورة لله تعالى, وأن المؤمنون سيرون الله تعالى يوم القيامة على صورته, إضافة إلى (على صورة الرحمن).

2- أن قول القائل (على صورة كذا) لا تعني المماثلة, وبانتفاء المماثلة تنتفي الحاجة إلى التأويل.

3- أن المشابهة من بعض الوجوه لا تقتضي المماثلة.

القول الثاني: فقد وردت عليه ردود كثيرة, كان أفضلها وأكثرها قوة وفائدة, ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية, حيث ذكر 13 وجها في رد دعوى عود الضمير على غير الله تعالى, و 9 أوجه في رد عود الضمير على آدم.

ومن أهم ردود شيخ الإسلام ابن تيمية:

1- كون المضروب يشبه آدم من الأمور المعلومة، فلا حاجة إلى ذكره.

2- ليس الوجه فقط للمضروب يشبه آدم، بل كل أعضائه، فلو صلح أن يكون هذا علة لمنع ضرب الوجه، لما جاز ضرب شيء من أعضاء بني آدم.

3- لا يصلح أن يكون معنى الحديث: أن الله خلق آدم على صورة بنيه، فإنه معلوم أن خلق آدم كان أعظم من خلق بنيه بشيء كثير.

وأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية على التأويل الذي أورده ابن خزيمة، من أن المراد إضافة خلق، كما في: ناقة الله، وبيت الله, كما أجاب عن التأويل المذكور عن الغزالي، من أن معنى (خلق آدم على صورته) أن الإنسان ليس بجسم ولا جسماني، ولا تعلق له بهذا البدن إلا على سبيل التدبير والتصرف، ونسبة ذات آدم إلى هذا البدن كنسبة الباري إلى العالم, وأجاب أيضا عن التأويل الذي أورده ابن الجوزي، من أن المراد صورة الملك والتدبير.

وفي الختام انتهى الباحث إلى أهم نتائج دراسته وبحثه, نذكر منها:

1- أن مصدر إثبات العقائد: الكتاب والسنة، بفهم السلف الصالح.

2- موافقة الحجج العقلية للأدلة النقلية، في إثبات ما تثبته.

3- أدلة الشرع تتفق ولا تفترق، وما جاءت به من إثبات الصفات لا يتعارض مع تنزيه الله عن مماثلة شيء من المخلوقات، ومن نفي الند والكفء له سبحانه.

4- يثبت جمهور السلف الصورة لله سبحانه، وأن الله خلق آدم على صورته تعالى.

5- وقعت تأويلات كثيرة لحديث (خلق الله آدم على صورته) وأقوى ما يردها ثبوت الحديث بلفظ: ( على صورة الرحمن).

كما أوصى الباحث بالعناية بدراسة أسانيد أحاديث الصفات, خاصة المختلف فيها, وكذلك أهمية إيراد الردود العقلية على شبه المأولين لتطمئن نفوس بعض الناس, والعناية دائما ببيان موقف السلف الصالح من الصفات, لكثرة الخوض فيها قديما وحديثا.

جزى الله الباحث خير الجزاء على بحثه القيم ودراسته العقدية المفيدة, وجعل ثواب جهده وعمله في صحيفة أعماله, إنه سميع قريب مجيب.

 لتحميل الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
  دراسة عقدية لحديث (خلق الله آدم على صورته)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7