الأربعاء 11 سبتمبر 2013
New Page 1

قيمة العدل في الإسلام:

العدل صفة إلهية جليلة، وقيمة إنسانية نبيلة، وهو غاية سامية من غايات إرسال الرسل للناس، يقول الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [سورة الحديد: (25)]، وقال تعالى حكاية عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [سورة الشورى: (15)]، فمن غايات إنزال الكتب وإرسال الرسل- مبشرين ومنذرين- إقامة العدل وإعماله في الناس فيما بينهم، وجعله معياراً بينهم وبين خالقهم في الدنيا والآخرة.

لهذا كان لقيمة العدل مكانة كبيرة في المنظومة القيمية والأخلاقية في المجتمع الإسلامي منذ بداياته وإلى أن تقوم الساعة، ولهذا كثر الحديث عن العدل في كتاب ربنا جل جلاله، فوردت كلمة العدل بمشتقاتها ثمان وعشرين مرة، هذا بخلاف الألفاظ والآيات التي حملت معنى العدل ولم تحمل لفظة، وهي كثيرة في كتاب الله جل جلاله.

فجاء الحديث القرآني عن العدل حديثاً محكماً شاملاً لكافة مناحيه وجوانبه، فخاطب الله عز وجل عباده آمراً إياهم بإقامة العدل والإعلاء منه في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم وجميع شؤونهم، مع القريب والبعيد.

وأمرنا ربنا جل جلاله بالعدل والقسط مع الجميع، مع من نحب ومن نبغض، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [سورة المائدة: (8)].

قال الحافظ ابن كثير في شرحه لهذه الآية: "أي لا يحملنَّكم بُغْض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كُلِّ أَحَدٍ؛ صديقًا كان أو عدوًّا" [تفسير القرآن العظيم لابن كثير: (2/43)]

ولمكانة قيمة العدل في منظومة المعاملات الإسلامية لم يجز الله عز وجل الإخلال بها لضرورة أو لحاجة- كغيرها من القيم- وإنما أوجبها على الجميع، وفي كل الأحوال، ولم يستثن من ذلك فرداً أو زماناً أو مكاناً أو حالًا.

حول قاعدة (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى):

قاعدة (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) هي إحدى قواعد منظومة العدل القرآنية، ولعظم هذه القاعدة وجلال قدرها جاءت بنصها في خمس سورة مختلفة من سور القرآن الكريم، فوردت في سور: الأنعام: (164)، والإسراء: (15)، وفاطر: (18)، والزمر: (7)، والنجم: (38)، قال الله تعالى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وجاءت هذه القاعدة بصيغ أخرى بحيث يصعب على مقال كهذا حصرها وسردها، فالقرآن كله، بل الدين كله قائم على أعمدة، والقاعدة التي بين أيدينا إحدى هذه الأعمدة.

ومن الصيغ الأخرى المكافئة لقاعدة (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) [سورة النساء: (111)]، وقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [سورة المدثر: (38)].

والسنة النبوية عامرة بالعديد من الأحاديث والمواقف العملية الدالة على مكانة هذه القاعدة في الإسلام، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لوالد أبي رمثه رضي الله عنهما، بعد سؤال له عن ابنه: (أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه)، ثم قرأ عليه الصلاة والسلام (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). [رواه أحمد في المسند: (2/227-228)، والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل: (7/332-336)]

ومعنى قول الله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، أي لا يحمل إنسان إثم إنسان غيره، فكل مكلفٍ مرهون بعمله، فمن أساء أساء لنفسه، ومن أحسن أحسن إليها، يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية (القاعدة) إنها: "إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله، أن النفوس إنما تجازى بأعمالها؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد، وهذا من عدله تعالى كما قال: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَة إِلَى حِمْلهَا لَا يُحْمَل مِنْهُ شَيْء وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [سورة فاطر (18)]، وقوله تعالى: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) [سورة طه: (112)]، قال علماء التفسير: أي فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره ولا تهضم بأن ينقص من حسناته"[تفسير القرآن العظيم لابن كثير: (3/384)].

ولهذه القاعدة فوائد جمة منها:

- أن الإنسان يَجِّد في الطاعة قدر استطاعته؛ لأنه يعلم أن الجزاء سيكون على قدر العمل، وأنه لن يجزى إنسان إلا بما يتناسب مع كسبه وعمله، فلن تُحمَّل نفسٌ صالحة إثم غيرها.

- ومن فوائد تلك القاعدة الجليلة، تثبيت صفة العدل الإلهي عند العباد، فهذه القاعدة هي إحدى صور التطبيق الفعلي لمعنى اسم الله "العدل"، فمن عدله سبحانه وتعالى التفرقة بين المسيء والمحسن من العباد، ومجزاة كل امرئ بما يناسب فعله.

- ومن ذلك شعور المؤمن بالطمأنينة والراحة، لأنه يؤمن أن معبودة عادل لا يظلم، وأن كل من تعدى علي مسلم- أو غير مسلم- بظلم معاقب لا محالة، فالعدل من لوازمه وموجباته نفي الظلم والاقتصاص من الظلمة والمجرمين وإرجاع الحقوق إلى أصحابها.

- ومن فوائدها بيان عظمة هذا الدين، الذي نجا بأتباعه من متاهات البدع وقبح الزيادة أو النقصان فيه، وخلص كثير من العباد من نير الظلم والظلمة، فأصبح عنواناً للسماحة والتسامح، حتى شهد بذلك أعدائه ومناوئيه.

بين "توريث الذنب"، و"العدل القرآني":

المقصود بـ"توريث الذنب"، أن يكون الإنسان مسئولاً عن ذنب غيره، وهي عقيدة فاسدة تشبعت بها ملل كثيرة، فكلفت أتباعها فوق ما يطيقون، وأفهمتهم أن الإنسان، وإن لم يرتكب ذنباً مسئول عن جُرم غيره، كما نرى عند اليهود والنصارى.

وهي بدعة لا يقول بها عاقل، فما ذنب الإنسان الطائع، إن أفسد غيره وظلم، فالأصل أن الإنسان غير مؤاخذ بذنب غيره، إلا أن يكون من دعاة هذا الذنب، وهنا يكون عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة، ومصداق ذلك قول الله تعالى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) [سورة النحل: (25)].

أما في العرف الكتابي- المنبطح على عتبات الوثنية- فقد اتفق أتباعه على أن الإنسان مخطئ ولو لم يرتكب معصية، وأنه مؤاخذ بظلم الآخرين، معاقب عليه، وإن لم يفعله أو يقره ويرضى به.

فاليهود يقرون بأن الأبناء والذراري مؤاخذون بذنب الآباء، وإلى هذه الفكرة ذهبت أكثر من فقرة من فقرات كتابهم المقدس، فجاء في سفر العدد (14/18)، ما نصه: "الرب طويل الروح، كثير الإحسان، يغفر الذنب والسيئة، لكنه لا يُبرئ، بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء، إلى الجيل الثالث والرابع".

ومن ذلك أيضا ما جاء في سفر التثنية (23/2) من حرمان غير اليهود من الأجيال المتعاقبة من الدخول في جماعة الرب: "لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب حتى الجيل العاشر، لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد".

وفي إحدى تفاسير قصة تعري نوح في الكتاب المقدس بعد شربه للخمر يقول الكاتب النصراني القس يوسف رياض: "بسبب خطية واحدة لحام أبي كنعان حلت اللعنة على الملايين الغفيرة من نسله" [الكفارة في المفهوم المسيحي: (16)].

وبالنظر إلى موقع مسألة "توريث الذنب" من النصرانية نجد أنها أصل أصيل في هذه الديانة، بل هي الأصل الأول الذي قامت عليه كل معتقدات النصرانية، فالنصارى ادَّعوا لعيسى عليه السلام الألوهية، ثم زعموا أنه الفداء عما اقترفه آدم في حق نفسه، ومن ثم أورثه لذريته، ثم جاءت فكرة الصلب لتمثل طريقة الفداء أو الكيفية العملية التي خلَّص المسيح بها أتباعه من ذنب أبيهم الأول.

فجاء في إنجيل يوحنا (3/16-17): "لأنه هكذا أحب الله العالم؛ حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية، لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليُخلص العالم".

وفي إنجيل متى (26/28) جاء على لسان المسيح عليه السلام، وهو يتحدث عن دمه: "هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا".

فكلا من اليهودية والنصرانية تعتقدان في فكرة توريث الذنب، وأن الإنسان مؤاخذ بذنب غيره على اختلاف بينهما، فأما اليهودية، فترى أن فكرة التوريث فكرة عامة، لا تخص أب واحد (آدم عليه السلام)، أما النصرانية فترى أن خطية آدم خطية متخطية لحدود المكان والزمان والأشخاص، وأنها أصابت كل ذرية آدم عليه السلام، وأنه لا خلاص منها إلا بقتل المسيح ابن الله وصلبه.

وكما أسلفنا فإن عقيدة توريث الذنب من أفسد العقائد التي تلبست بها البشرية، لأنها أضاعت الكثير من الحقوق، وأطاحت بموازين العدل الإلهي، وجعلت الإنسان يستخف بالذنب بل وبالحسنة، فلماذا يحسن الإنسان طالما أنه مؤاخذ بذنب غيره، ولماذا لا يذنب طالما وجد من يحق له أن يغفر ذنبه، دون توبة منه أو تراجع عن هذا الذنب، وبسبب هذه الفكرة الخبيثة وصف اليهود أنفسهم بأنهم شعب الله المختار، وبها ابتدع اليهود فكرة صكوك الغفران، التي بموجبها أوهم الرهبان الكاثوليك أتباعهم أنهم قادرون على محو ذنوبهم مقابل مبلغ مادي، يعبئون به خزائنهم

 
 
   Bookmark and Share      
  
  بين عقيدة "توريث الذنب" الكتابية، وقاعدة "العدل" القرآنية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7