الثلاثاء 10 سبتمبر 2013
New Page 1

طبيعة علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم(*)

د. محمد علي سليم الهواري(**)

ـــــــــــــ

أرسل الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وأمره بتبليغ دعوة الإسلام إلى الناس كافة حتى يعم العدل والخير أرجاء المعمورة جميعها، وأوجب على المسلمين جميعاً دعوة الناس إلى الإسلام ليجدوا السعادة في حياتهم الدنيا وفي الآخرة.

وأكد الإسلام وهو يأمر أتباعه بتبليغ الدعوة الإسلامية إلى الناس على عدم جواز إكراه الناس على الدخول في دين الإسلام، وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء.

والأمر الذي لا مراء فيه أنه عند تبليغ الدعوة الإسلامية لا يستجيب كل الناس لها، وهناك من يقف في وجهها، ويحاربها، والتاريخ شاهد على ذلك منذ بدء الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة وبعد قيام الدولة الإسلامية حتى هذا العصر، وأمام هذا الواقع بحث الفقهاء طبيعة علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم هل الأصل فيها السلم والحرب أمر طارئ، أو أن الأصل فيها هي الحرب وأن السلم أمر عارض؟

فالبحث الذي بين أيدينا يدرس هذه المسألة مبيناً أقوال الفقهاء فيها والأدلة التي اعتمدوا عليها في تقرير آرائهم، وقد اعتمد الباحث في دراسته المنهج الوصفي التحليلي، وعليه جاء البحث في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة على النحو التالي:

المقدمة: قدم فيها الباحث لبحثه مع بيان منهجه وخطته المتبعة فيه.

المبحث الأول: أغراض الجهاد في الإسلام وفيه مطلبان:

وجاء هذا المبحث في مطلبين، تحدث الباحث في مطلبه الأول عن كل من المعنى اللغوي والاصطلاحي للجهاد، وخلص من هذا إلى أن الفقهاء في تعريفاتهم قد قصروا الجهاد على مقاتلة الكفار بكل الوسائل الممكنة لإعلاء كلمة الله تعالى، ولعل تعريف الحنفية للجهاد هو الأولى، لأنه يبين طبيعة القتال، وغايته، ووسائله التي تعين على تحقيق هذه الغاية.  وينص تعريف الحنفية للجهاد على أنه: "بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة، أو معاونة بمال، أو رأي، أو تكثير سواد، أو غير ذلك.

وفي المطلب الثاني تحدث الباحث عن أغراض الجهاد في الإسلام، فبين أن من أغراضه:

1- الدفاع عن المسلمين ضد أي عدوان.

2- الدفاع عن المظلومين من المسلمين.

3- تأمين حرية الدين، والاعتقاد للمؤمن.

4- إقامة حكم الله تعالى في الأرض، بأن تكون الحاكمية لله تعالى وحده.

المبحث الثاني: عدم الإكراه في الدين من قواعد الإسلام الكبرى.

عرض الباحث في هذا المبحث لقول الله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النحل:125]، وبين الأقوال المختلفة في تفسير هذه الآية، وأشار الباحث بعد عرضة لهذه الآراء إلى أنها تدور حول أمرين: أولهما أن الآية منسوخة، والثاني أنها مخصوصة، وعقب على هذا بقوله: "حقيقة الأمر أن الآية الكريمة ليست كذلك، فدعوى النسخ مردودة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكره أحداً على الدخول في الإسلام، ولا يقدر أحد قط أن ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أكره أحداً على دخول الإسلام لا ممتنعاً ولا مقدوراً عليه، والصحابة لم يكرهوا أحداً على الدخول في الإسلام، وأخذ الجزية من غير المسلمين يدل على عدم جواز قتالهم وأنهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام، وأما كونها مخصوصة فهو مردود كذلك لأن الأدلة التي أخذ بها القائلون بالتخصيص ليست قاطعة في الدلالة عليه، لأن النص القرآني الآمر بالجهاد عام، وإفراد فرد من العام بحكم من العام لا يخصصه".

وبناء على ما سبق بين الباحث أن عدم الإكراه على الدخول في الدين مبدأ ثابت مستقر في الإسلام أكده سلوك المسلمين جميعاً على مر العصور.

المبحث الثالث: أصل علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم.

بدأ الباحث حديثه في هذا المبحث ببيان تقسيم الفقهاء للأرض، فبين أنهم قسموها إلى دار الإسلام، ودار الحرب، ودار العهد، وعرض لتعريف كل واحد من هذه الثلاثة على حده، ثم عرض لرأي العلماء في أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم، فبين أن لهم في المسألة ثلاثة أقوال، يقرر الأول منها- وهو رأي  جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة- أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم الحرب، أما الرأي الثاني فهو رأي بعض الفقهاء ممن يرون أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم، أما الرأي الثالث فيقرر أن علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم علاقة دعوة تتنوع حسب الظروف والأحوال تبعاً للمصلحة الحقيقية لأهل الأرض جميعاً، فقد تكون علاقة المسلمين بغيرهم علاقة سلم قبل إبلاغهم الدعوة أو أثناء تبليغها، وإذا تجاوبت الأمم غير الإسلامية مع الدعوة، وقد تكون علاقة المسلمين بغيهم علاقة حرب بعد إبلاغهم الدعوة، وعندما توضع العقبات أمام تبليغها.

وعرض الباحث لأدلة كل فريق من هؤلاء ثم ناقش كل دليل منها على حده، وفي نهاية المبحث رجح الباحث ما ذهب إليه القائلون بأن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم لقوة أدلتهم.

الخاتمة: بعد دراسة الباحث لمسألة العلاقة بين المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى والموقف الشرعي منها توصل إلى هذه النتائج:

1- أغراض الجهاد في الإسلام منوعة ومتعددة، ومن ذلك الدفاع عن المسلمين ضد أي عدوان والدفاع عن المظلومين، وتأمين حرية الدين والاعتقاد للمؤمنين، وإقامة حكم الله تعالى في الأرض.

2- عدم الإكراه في الدين قاعدة كبرى من قواعد الإسلام الكبرى، وركن عظيم من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، وهو مبدأ ثابت مستقر في الإسلام أكده سلوك المسلمين جميعاً على مر العصور.

3- تقسيم الفقهاء الأرض إلى دار إسلام، ودار حرب، ودار عهد، أمر اجتهادي، لا دليل عليه من القرآن الكريم، ولا من السنة النبوية الشريفة، وقد جاء هذا التقسيم تابعاً لتطور علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول لمصلحة الأمة الإسلامية، وحيث تحققت المصلحة للأمة الإسلامية فالعمل بها واجب.

4- الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، لأن الإسلام في دعوته يهدف إلى وصول الدين إلى الناس جميعاً بسهولة ويسر دون عوائق تحول بين هذا الدين وبين الناس، فإذا وجدت هذه العوائق وجب إزالتها ولو اقتضى الأمر الحرب، فدل ذلك على أن الحرب أمر طارئ، وأن السلم هو الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم.

ـــــــــــــ

(*) ضمن أبحاث مجلة الجامعة الإسلامية- سلسلة الدراسات الإسلامية- المجلد التاسع عشر- العدد الثاني: (ص:379-417)- يونيو 2011م.

(**) أستاذ بجامعة البلقاء التطبيقية- كلية الأميرة عالية الجامعية- الشميساني- عمان

 

 لتحميل الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
 طبيعة علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7