الإثنين 14 يناير 2013
New Page 1

 مشروعية الصلاة بين التخفيف والتطويل
فضل محمد البرح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

مسألة تخفيف الإمام للصلاة وتطويلها تجاذبها أهل العلم وطلابه، وكتب فيها الكثيرون، وتباينت الآراء والأقوال تجاهها، ولا ضير في هذا الاهتمام بهذه المسالة؛ فهي متعلقة بأهم أركان الإسلام (الصلاة) والتي عليها مدار صلاح العبد وتقواه، وسعادته وفلاحه في الدارين.

ولعلنا نورد هنا مجمل القول في اختلاف أقوال أهل العلم وأدلتهم في هذه المسألة، وتفصيلهم فيها، وبيان.

وقبل أن ندلف الحديث والبحث في المسألة، وعرض أقوال أهل العلم فيها، فإنه من الأهمية بمكان تحرير محل النزاع في ذلك، إذ ليس الحديث هنا منصباً حول صلاة الفرد، كون الحديث فيه صريح وصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام "...وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء". (1) وكذلك ليس متناولاً لصلاة النفل، حيث تؤدى حسب القدرة والرغبة، فيبقى البحث حول مسألة تطويل الإمام للصلاة وتخفيفها في صلاة الفريضة في جماعة، والتي تناولها أهل العلم بشيء من البسط، حيث سنورد فيها مجمل الأقوال والأدلة في ذلك على النحو التالي:

القول الأول:

أن السنة في الصلاة هي التخفيف والإيجاز، وعدم التطويل، واستدل أصحاب هذا القول بطائفة من الأحاديث النبوية الواردة في ذلك، نسوق أهما وأبرزها في هذا الباب:

الحديث الأول: حديث أبي مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبا منه يومئذ ثم"قال يا أيها الناس إن منكم منفرين فمن أم الناس فليتجوز فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة". (2)

الحديث الثاني: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة فقرأ بهم البقرة قال فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة فبلغ ذلك معاذاً فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا وإن معاذا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة فتجوزت فزعم أني منافق! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ أفتان أنت (ثلاثاً) اقرأ والشمس وضحاها وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها"(3)

الحديث الثالث: حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" (4)

الحديث الرابع: حديث زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالك فقال: "صليتم؟ قلنا: نعم. قال: يا جارية هلمي لي وضوءا، ما صليت وراء إمام أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا". قال زيد: وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود. (5)

الحديث الخامس: وعنه أيضاً قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم "يوجز الصلاة ويكملها". (6)

الحديث السادس: وعنه قال: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه ". (7)

الحديث السابع: حديث عثمان بن أبي العاص قال قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي فقال: "أنت إمامهم واقتد بأضعفهم ".. (8)

الحديث الثامن: حديث السعدي عن أبيه أو عن عمه قال رمقت النبى -صلى الله عليه وسلم- فى صلاته فكان يتمكن فى ركوعه وسجوده قدر ما يقول "سبحان الله وبحمده" ثلاثا. (9)

الحديث التاسع: حديث معاذ بن عبد الله الجهني، أن رجلاُ من جهينة أخبره، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم "يقرأ في الصبح إذا زلزلت الأرض في الركعتين كلتيهما" فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا. (10)

الحديث العاشر: حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج ونحوهما من السور". (11)

الحديث الحادي عشرة : حديث البراء بن عازب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء الآخرة"بالتين والزيتون". (12)

حجة هذا القول بهذه الأحاديث والشاهد منها وغيرها من الأحاديث الواردة في التخفيف والإيجاز هي:

كثرة ورود الأحاديث التي تحث على التخفيف والإيجاز في الصلاة وصحتها.

أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالإيجاز والتخفيف في الصلاة.

غضبه عليه الصلاة والسلام على المطولين بالصلاة بل أنه وعظهم في ذلك.

كذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام سمى المطولين في الصلاة بالمنفرين.

أيضا أن فعل النبي عليه الصلاة والسلام هو التخفيف والإيجاز من خلال الأحاديث التي تبين القراءة بقصار السور، وأن حكاية السلف لفعل النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالتخفيف وعدم التطويل. (13)

القول الثاني:

أن السنة التطويل في الصلاة وعدم التخفيف والإيجاز، واستدل أصحاب هذا القول كذلك بطائفة من الأحاديث النبوية الواردة في ذلك، نسوق أهما وأبرزها في هذا الباب:

الحديث الأول: حديث أبي برزة رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم "يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة". (14)

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى". (15)

الحديث الثالث: حديث عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرقها في ركعتين". (16)

الحديث الرابع: ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كنا نحزر قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة الم تنزيل السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا( قدرنا ) قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك". (17)

الحديث الخامس: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "إني لا آلو أن أصلي بكم، كما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنا - قال ثابت: كان أنس بن مالك يصنع شيئا لم أركم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل: قد نسي، وبين السجدتين حتى يقول القائل: قد نسي" . (18)

الحديث السادس: حديث ابن عمر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات". (19)

الحديث السابع: حديث أنس قال: "صلى بنا أبو بكر صلاة الصبح فقرأ آل عمران فقالوا: كادت الشمس تطلع. قال: لو طلعت لم تجدنا غافلين". (20)

حجتهم هذا القول بهذه الأحاديث والشاهد منها وغيرها الواردة في التطويل وعدم التخفيف والإيجاز ما يلي:

أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطيل الصلاة حيث وردت الأحاديث بذلك.

أن حكاية السلف والنقل لصفة الصلاة للنبي عليه الصلاة والسلام كانت في التطويل بالصلاة.

اقتداء الصحابة بفعل النبي عليه الصلاة والسلام بالتطويل في الصلاة مما يؤكد على مشروعية التطويل فيها.

مناقشة القول الأول:

ناقش أصحابُ القول الثاني -القائلون بمشروعية التطويل- أصحابَ القول الأول - القائلين بمشروعية التخفيف والإيجاز - بما يلي:

أن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار في الصلاة والتخفيف فيها.يكون على الرأس والعينين، وكذلك أحاديث التطويل.

أن الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام ومتابعة هديه وسنته تجب على كل مسلم بأفعاله وقد جاءت السنة بالتطويل.

أن الأخذ بأحاديث التخفيف وما سهل وتَرْك منها ما شق بسبب كسل وضعف عزيمة، ضربٌ لسنة النبي بعضها ببعض.

ووجه الاتهام لأصحاب القول الأول: بعدم الفهم لحديث معاذ "أفتان أنت يامعاذ" وأمثاله؛ كون هذه الأحاديث لا تناسب إلا من لم تكن قرة عينه في الصلاة ونعيمه وسروره ولذته فيها وحياة قلبه وانشراح صدره.

ومن النقد على أصحاب القول الأول: بأنه كيف يتم تقديم أحاديث التخفيف على غيرها من الأحاديث التي تدل على مشروعية التطويل التي سبق ذكرها.

كذلك أن صلاة الإيجاز هي صلاة السراق والنقارين وضعيفي الخشوع في الصلاة. (21)

مناقشة القول الثاني:

وناقش أصحابُ القولِ الأول- القائلون بمشروعية التخفيف والإيجاز - أصحابَ القولِ الثاني - القائلين بمشروعية التطويل- بما يلي:

أن الأحاديث الواردة في التخفيف والإيجاز تفوق أحاديث التطويل صحة وكثرة وصراحة.

وأن أحاديث التطويل محمولة على أنها في أول الإسلام لما كان في المصلين قله, فلما كثروا واتسعت رقعة الإسلام شرع التخفيف وأمر به.

وأن التخفيف أدعى إلى القبول ومحبة العبادة سيما عند حديثي العهد بالإسلام ليدخل في الصلاة برغبة ويخرج منها باشتياق.

كذلك مما قالوا: أن الصلاة المخففة يندر بها الوسواس؛ فإنها متى طالت استولى الوسواس فيها على المصلي فلا يفي ثواب إطالته بنقصان أجره.

وأن تطويل النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة لا يمكن أن يقاس عليه غيرُه من الأئمة من محبة الصحابة له والقيام خلفه لسماع صوته بالقرآن غضا كما أنزل.

كذلك من الردود أن رغبة الصحابة في الدين وإقبال قلوبهم على الله وتفريغها له في العبادة ولهذا قال: "إن منكم منفرين". (22) ، ولم يكونوا ينفرون من طول صلاته صلى الله عليه وسلم، فالذي كان يحصل للصحابة خلفه في الصلاة كان يحملهم على أن يروا صلاته وإن طالت خفيفة على قلوبهم وأبدانهمم.

ومما ورد أن الإمام محمل المأمومين بقلبه وخشوعه وصوته وحاله؛ فإذا عرى من ذلك كله كان كلا على المأمومين وثقلا عليهم فليخفف من ثقله عليهم ما أمكنه لئلا يبغضهم الصلاة.

كذلك مما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذم الخوارج لشدة تنطعهم في الدين وتشددهم في العبادة بقوله: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم". (23)

وأنه عليه الصلاة والسلام مدح الرفق وأهله وأخبر عن محبة الله له وأنه يعطي عليه ما لا يعطي على العنف, وقال: "لن يشاد الدين أحدا إلا غلبه". (24) ، وقال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق". (25)؛ فالدين كله في الاقتصاد في السبيل والسنة. (26)

القول الثالث: التفصيل في المسألة.

وهذا القول فيه تفصِّيلٌ للمسألة، ومناقشة القولين السابقين، وجمعٌ بين أحاديث التخفيف والتطويل في الصلاة، نورد مجمل القول في ذلك على النحو التالي:

أن الإيجاز والتخفيف المأمور به، والتطويل المنهي عنه لا يمكن أن يرجع فيه إلى عادة طائفة وأهل بلد وأهل مذهب، ولا إلى شهوة المأمومين ورضاهم، ولا إلى اجتهاد الأئمة الذين يصلون بالناس ورأيهم في ذلك؛ كون ذلك لا ينضبط.

أن المرجع والتحاكم في التخفيف والتطويل في الصلاة إلى ما كان يفعله من شرَّع الصلاةَ للأمة(النبي عليه الصلاة والسلام) وجاءهم بها من عند الله، وعلمهم حقوقها وحدودها وهيآتها وأركانها. (27)

وأن المقصود بالإيجاز في الأحاديث: هو التخفيف والاختصار، الذي كان يفعله- النبي عليه الصلاة والسلام- لا الإيجاز الذي يظنه من لم يقف على مقدار صلاته. (28)

والمراد بالإكمال في الصلاة: هو إتمام أركانها من الركوع والسجود والانتصاب بينهما. (29)

وما قُصد بخفة الصلاة في الأحاديث هو:عبارة عن عدم تطويل قراءتها فوق ما ورد...وتمامها: عبارة عن الإتيان بجميع الأركان والواجبات والسنن وعن إتمام الركوع والسجود. (30)

والعلة في ذلك؛ أن التخفيف أمر نسبي، فرب طويل يكون قصيراً بالنسبة إلى أطول منه، والقصير يكون طويلاً بالنسبة إلى أقصر منه، فكانت صلاته عليه الصلاة والسلام خفيفةً، ومع خفتها تكون تامة ولا إشكال فيه.

وأن تطويله عليه الصلاة والسلام يراه بالنسبة إلى صلاة الآخرين في غاية الخفة. (31)

ولعل من المخارج لأحادث التطويل والتخفيف: أن التخفيف ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: تخفيف لازم. وهذا التخفيف اللازم أن يقتدي الإمام بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ويواظب عليها.

القسم الثاني: تخفيف عارض، والتخفيف العارض أن يخفف عن السنة لسبب يعرضه يقتضي التخفيف. (32)

ولا يمكن أن يكون للتخفيف والتطويل في الصلاة حدٌ في اللغة أو في العرف؛ لأنه ما من فعل في الغالب إلا وقد يسمى خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويسمى طويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه، وأنه لو قدر الرجوع في ذلك إلى عرف الناس وعوائدهم في مسمى التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة ومقاديرها اختلافاً متبايناً لا ينضبط. (33)

ومن الخطأ بمكان أن يُعتقد أن التخفيف المأمور به ينبني على أن الصلاة كلما خفت وأوجزت كانت أفضل، وهذا خلاف لأمر الله ورسوله، حيث قال تعالى:(وأقيموا الصلاة).(34) فأمرنا بإقامتها: وهو الإتيان بها قائمة تامة القيام والركوع والسجود والأذكار. (35)

ومما يجب إدراكه وفهمه هو:"أنه ليس المراد بالتخفيف وترك التطويل أن يترك سنة القراءة والتسبيحات ويتهاون في أدائها ، بل أن يقتصر على قدر الكفاية في ذلك، مثل أن يقتصر على قراءة المفصل بأقسامها على ما عين منها في الصلاة، ويكتفي على ثلاث مرات من التسبيح بأدائها، كما ينبغي مع رعاية القومة والجلسة، وأكثر ما يراد بتخفيف الصلاة الوارد في الأحاديث تخفيف القراءة". (36)

وبهذا اتفق الصحابة على أن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة؛ فكان ركوعه ورفعه منه وسجوده ورفعه منه مناسبا لقيامه, فإذا كان يقرأ في الفجر بمئة آية إلى ستين آية فلا بد أن يكون ركوعه وسجوده مناسبا لذلك. (37)، وقال عبد الله بن عمر: "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافات". (38)

قال ابن القيم: "فهذا أمره وهذا فعله المفسر له، لا ما يظن الغالط المخطئ أنه كان يأمرهم بالتخفيف ويفعل هو خلاف ما أمر به, وقد أمر صلاة الله وسلامه عليه الأئمة أن يصلوا بالناس كما كان يصلي بهم، فإذا أمرهم أن يصلوا بصلاته وأمرهم بالتخفيف علم بالضرورة أن الذي كان يفعله هو الذي أمر به". (39)

وأما حديث أنس"كان النبي عليه الصلاة والسلام يوجز ويكملها". (40) : كما قال ابن رجب أنه :" يبين قدر التخفيف المأمور به، وأنه إنما يُشكى الإمام إذا زاد عليه زيادة فاحشة، فأما إكمال الصلاة وإتمام أركانها، فليس بتطويل منهي عنه. (41)

ولذلك لا ينبغي للإمام أن يطيل أكثر مما كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، بل إن الاقتصار على هديه هو عين إصابة السنة قال الألباني:"لا يجوز للإمام أن يطيل القراءة بأكثر مما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطيلها، أو بأكثر من التي حدَّدها؛ وذلك خشية أن يفتنهم عن دينهم... و أن الاقتصار على هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القراءة، فمن فعل ذلك؛ فقد خفف، ومن زاد على ذلك؛ فقد أطال، وخالف أمرَ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (42)

ولذلك لما شكا ذلك الرجل معاذاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ أفتان أنت (ثلاث) اقرأ والشمس وضحاها وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها" (43) ؛ فلم يأمره بأقل من ذلك". (44)

وأما حديث أنس "ما صليت وراء إمام قط أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا". قال زيد: وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام. (45)، وحديثه الآخر "ما صليت وراء إمام أخف صلاة ولا أتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم". (46) قال ابن القيم فيهما:" ظاهر في إنكاره التطويل, حيث قد جاء هذا مفسرا عن أنس نفسه, قوله "ما صليت وراء إمام قط أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا" يشير إلى عمر بن عبد العزيز وهو يتم الركوع والسجود ويخفف القيام". (47) وأن الذي أنكره كذلك أبو سعيد وأنس وعمران بن الحصين والبراء ابن عازب هو حذف الصلاة والاختصار فيها والاقتصار على بعض ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وأن إنكار أنس كذلك هو من تغيير الصلاة و شدة تطويل الأئمة لها, وإلا تناقضت أحاديثه، وأن حديث أنس الذي قال فيه "إني لا آلو أن أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثابت فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه: كان إذا انتصب قائما يقوم يقول القائل قد أوهم وإذا جلس بين السجدتين مكث حتى يقول القائل قد أوهم". كما قال ابن القيم أن هذا:" مما أنكره أنس على الأئمة حيث كانوا يقصرون هذين الركنين كما أنكر عليهم تقصير الركوع والسجود، وأخبر أن أشبههم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد العزيز فحزروا تسبيحه في الركوع والسجود عشرا عشرا، ومن المعلوم أنه لم يكن يسبحها هذا مسرعا من غير تدبر فحالهم أجل من ذلك. (48)

وأما حديث أبي هريرة "..إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف... ". (49)، وحديث أبي مسعود "... فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما... ". (50) قال ابن دقيق العيد:" يدلان على التخفيف في صلاة الإمام، والحكم فيه مذكور مع علته: وهو المشقة اللاحقة للمأمومين إذا طول..وأنه لما ذكرت العلة وجب أن يتبعها الحكم، فحيث يشق على المأمومين التطويل ويريدون التخفيف يؤمر بالتخفيف، وحيث لا يشق أو لا يريدون التخفيف لا يكره التطويل". (51)

و ذكر أن التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء طويلا بالنسبة إلى عادة قوم وقد يكون خفيفا بالنسبة إلى عادة آخرين، وأن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التطويل مع أمره بالتخفيف فكأن ذلك: لأن عادة الصحابة لأجل شدة رغبتهم في الخير يقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا؛ ولأن أولئك المأمومين يؤثرون التطويل، وأن حديث أبي مسعود: يدل على الغضب في الموعظة وذلك يكون: إما لمخالفة الموعوظ لما علمه أو التقصير في تعلمه والله أعلم. (52)

وحديث أنس: "ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم من ر سول الله صلى الله عليه وسلم". (53) ؛ قال ابن دقيق العيد :" يدل على طلب أمرين في الصلاة: التخفيف في حق الإمام مع الإتمام وعدم التقصير، وذلك هو الوسط العدل والميل إلى أحد الطرفين خروج عنه، وأن التقصير عن الإتمام بخس لحق العبادة، وأنه لا يراد بالتقصير ههنا: ترك الواجبات؛ فإن ذلك مفسدة موجب للنقص الذي يرفع حقيقة الصلاة وإنما المراد التقصير عن المسنونات والتمام بفعلها. (54)

تحرير المسألة

الأحاديث التي وردت في التطويل والتخفيف في الصلاة عند عدم العارض واستقامة الأمر راجعةٌ إلى سنة التنوع وتعدد الأحوال في الصلاة للنبي عليه الصلاة والسلام؛ وعليها يكون هدي الأئمة في ذلك قال الألباني:"إن النبي عليه الصلاة والسلام كانت له في الصلاة أحوال؛ حال يفعل فيها هذا، وحال يفعل فيها ذاك، كما كانت له، أحوال في تطويل القراءة، وتخفيفها، وغير ذلك من أنواعها، وكما توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وكما طاف راكباً، وطاف ماشياً، وكما أوتر أول الليل وآخره وأوسطه وانتهى وتره إلى السَّحَر، وغير ذلك - كما هو معلوم من أحواله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان يفعل العبادة على نوعين - أو أنواع -؛ ليبين الرخصة والجواز بمرة أو مرات قليلة، ويواظب على الأفضل منها على أنه المختار والأولى. (55)

مما يؤخذ في الحسبان مراعاة الصوت ومدى ملائمته للتطويل في القراءة، وحال المأمومين حديثي العهد بالالتزام؛ باعتبار أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يقاس عليه غيرُه من الأئمة من محبة الصحابة له والقيام خلفه لسماع صوته بالقرآن غضاً طرياً كما أنزل.

حصول العارض كمرض أو موقف يستدعي التخفيف، فالمراعاة حينئذ تؤخذ بالحسبان مع عدم التقصير، وهو الوسط العدل والميل إلى أحد الطرفين خروج عنه؛ فالتقصير عن الإتمام بخس لحق العبادة، وأنه لا يراد بالتقصير ههنا: ترك الواجبات؛ فإن ذلك مفسدة موجب للنقص الذي يرفع حقيقة الصلاة وإنما المراد التقصير عن المسنونات والتمام بفعلها. (56)

وصلى الله على سيدنا محمد.
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  مشروعية الصلاة بين التخفيف والتطويل

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7