الأحد 30 ديسمبر 2012

وطن على الطريق
أحمد يوسف
ضربت كفا بكف و انا أجد معركة محتدمة داخل الأتوبيس الذى سأستقله عائدا الى موطن إقامتى .... هرج و مرج و مجموعة تدفع و تضرب سائق الاتوبيس أنزل يا حرامى ثلاثون يوما و انت تحصل منا ما يزيد عن قيمة التذاكر ..و أصوات أخرى تتعالى سامحوه يا ناس وأجعلوه يتحرك بنا الاتوبيسات كلها تحركت إلا أتوبيسنا ... دفعوا اللص هذا إلى مشرفى أمن شركة النقل الذين أرادوا أن يستمر كمسارى هذا الاتوبيس ليقوده بدلا من الحرامى هذا و رفض الناس و طردوه فخرج مسرعا و هو يتوجه لأتوبيس أخر صغير لكنه فخما و مزينـــًا و هو يقول ( يا ما صَـــفّــــرت و قطعت تذاكر و ياما سوقت و اتساقت ...!!!! ) ... واختار الناس رجلا وقورا لقيادة الأتوبيس الذى بدأ يتحرك بالفعل و هو مكون من مائة مقعد لم أجد منهم مقعدا لى و لا لسيدة إستللتها من بين أيدى لصوص أرادوا سرقتها عنوة أمام جميع الركاب ... و إذ بصوت لرجل يأتينا من الأمام و جدته يكتب فى ورق بعض ما ينقله من إحدى الروايات الأجنبية يستنكر أن تجلس هذه السيدة على أى مقعد طالما لا تجيد القراءة والكتابة و إذ بدموع السيدة تلمع فى عينيها قائلة ...لماذا يا أخى ؟؟؟ ألست أفضل من السائق اللص و مساعده .. ...ألست أفضل من الأولاد الذين يتكلمون فى مكبرات الصوت و صدعوا أدمغتنا منذ ان تحرك بنا الأتوبيس ...ألست أفضل من البنت التى فى مؤخرة الاتوبيس و ليس عليها سوى ملابسها الداخلية ؟؟ حينئذ قاطعتها أحدى الراكبات و همست فى أذنها وقالت يا أختى والداخلية كمان و تمتمت بكلمات ....... ...فصكت المرأة و جهها الذى أحمر كالجمر و تصبب عرقا ....!!!!! ثم عاودت قائلة ....ألست أفضل من الاثنين هؤلاء الذين يدخنون البانجو على الكراسى المقابلة لك و حتى لم تنكر عليهم ... ...و إذ بأحدهما يقول عيب يا حاجة بانجو أيه ....ينفع الكلام ده ... علىَّ الطلاق دا حشيــــــــــش يا حاجة .....حشيـــــــــــــــــش ...!!!! واصلت كلامها قائلة .....ألست أفضل من تلك المرأة جوارك التى تنفث سموما تريد أن تعطل به سيرنا؟؟ فأنتفضت المرأة التى جواره قائلة أنت بتقولى أيه أنا كلامى محترم و شاااااااااامخ ......حينئذ قفز هؤلاء الذى يدخنون الحشيش ولهجتهم يبدو منها أنهم فى حالة سكر شديد و فى يديهم النرجيلة يتراقصون و يقولون محترم و أيه يا حاجة ؟؟؟ شامخ .... و انفجروا يغنون ....يا أم المشــــــامخ رشى الملح سبع مرات .....فى مقامه الشامخ دورى و لفى سبع لفات ....!!!!!
فجأة هرعنا لمقعد السائق حيث تعالت الأصوات حوله تتطورت إلى إشتباكات و إصابات ...... و إذا بأحدهم علمت فيما بعد أنه يدعى عبده المشتاق يصرخ ... على َّ الطلاق ما حد ينفع يقود الأتوبيس غيرى ....مش عشانى عشان الناس اللى قاعدين على الكرسى الأخير فوق الموتور .... السخونة بهدلتهم و إذ بأصوات هؤلاء من أخر الاتوبيس تخرسه ما لكش دعوة بينا .... مما دعاه الى أن يخنس قائلا للسائق .... طيب ممكن تجيب لفة يا أسطى ...!!! إدينى لفة بس من نفسى ....!!!!
قاطعه رجل يدعى زينهم العايق و هو منهمك فى الكتابة على الحاسوب الشخصى الخاص به ...... صراحة منظر الناس و هى بتصلى على الكراسى جعل منظرنا لا يتحمله الغيــــر المنظر لا يطاق ... منذ متى و الأتوبيسات و مواتيرها و كراسيها تصلى ؟؟؟...لك الله يا اتوبيسنا المسكين !!!!!
همس صوت فى أذنى و طلب منى أن أحذر السائق و أخرج لى أدلة أن زينهم هذا كان سببا فى حرق اتوبيس من قبل ومات كثير ممن كان فيه و العجيب أنه كان يستقله بعض من أقاربه و لم تذرف عيناه عليهم دمعة و احدة ....تذكرت فعلته حيث كنت سمعت عنها من قبل ...صرخت بأعلى صوتى و عينى و اقعة على لافتة تشير إلى أنه بقى تسعون بالمائة من الطريق حتى نصل محطة الوصول .... صرخت محذرا من زينهم العايق و من تاريخه .... لكن صوت مكبرات الصوت لأنصار العايق كانت أقوى من صوتى لتستمر الإشتباكات و يشتعل الموقف و و إذ بصوت يصرخ أنتم بتضربوا على القفا كمان ؟؟!!! مش ممكن كده ؟؟؟ فى هذه الأحداث طرق سمعنا صوت رجل يطل من و جهه النور (يا جماعة ..... الاتوبيس بهذه الطريقة لن يصل بنا لمحطة الوصول و إحتمال كبير أن الاتوبيس يتوقف تماما لنفاد الجاز ) ....و إذ بالعايق يلتقط كلمة الجاز هذه ليتمتم و هو يكتب على حاسوبه ( جـــــاز الحزينة تفرح مالقتـــلهـــــاش مطرح !!!!! ) و سمعت شخص أخر يتصل من هاتفه قائلا ( نعم نعم ....نريد أثنين و عشرين شبشب حمام و بشكير و نريد مائة ك............ت ...!!!!! وإذ بأحد الركاب البسطاء يسألنى ....يا أستاذ يا أستاذ .... هى الناس دى راكبة معانا من غير الحاجات دى ليه؟؟؟ !!!!!!!!!!!!!!! فوجئت بسؤاله و من شدة الأحداث و من فجأة السؤال .... لم أعرف كيف أجبته و انا مرتبك قائلاً ...انا ماليش دعوة انا عن نفسى معى حاجياتى كلها و مش ها اعرف أثبت لك ذلك طبعا .........!!!!!!!!!!!!
و ظل الامر على احتدامه و سخونته ... بل تنازعوا عجلة القيادة هذا يريد أن يديرها غربا و هذا يريد أن يجعلها شمالا و لا أدرى كيف غاب عنهم كثرة العراقيل فى جهة الشمال ... كنت اراها و اضحة جلية ... و القائد يستميت حتى يسلك جهة اليمين ....و الاتوبيس يسير بسرعة تنذر بكارثة فلا سار يمينا و لا سار يسارا و أصبح الأتوبيس يسير متجها بسرعة جنونية إلى عمود حديدى ضخم فى مفترق الطرق بين اليمين و اليسار حينئذ تعالت صرخات النساء و الأطفال و إذ بالقائد يستجمع قواه فيكبح جماح السرعة و يضغط على الفرامل لنسمع صوت ما قبل الإصطدام .... و إذ بنا ننطق الشهادتين فى لحظات ما قبل الهلاك و قبل أن نعجن جميعا حيث أصبحنا نسير بسرعة القصور الذاتى المرعبة ...و تم فقدان السيطرة على عجلة القيادة حينئذ تماما , و أصبحت لحظات تشم منها رائحة الدماء المقبلة ..... ...كيف نجونا و أعتدلنا على الطريق جهة اليمين لنعاود السير بنفس السرعة ؟؟؟!!!! لا أدرى سببا لذلك غير أنه لطف الله تعالى ثم محاولة القائد أن يتخلص قليلا من عبده المشتاق و العايق و انصارهم الذين شكلوا حاجزا بين معظم الركاب الذين يريدون نفس الجهة التى يسلكها القائد و لكن صراخ أنصار المشتاق و العايق فى مكبرات صوت يمتلكونها هم وحدهم علا جداااا ( الاتوبيس ليس ملككم و حدكم يا خرفان .سوف نسيره مثلما نريد ومن لا يحب ذلك فسوف نشعلها نيرانا فى الاتوبيس ومن فيه ) كان الوضع مأساويا فى مقدمة الاتوبيس .....و قد تكالبوا على عجلة القيادة مرة أخرى و بعض المخلصين مع السائق يدفعونهم بعيدا ...و لكن فجأة توقف الاتوبيس على قضبان إحدى سكك الحديد عجز عن تخطيها و بكل اسف كان يقترب منا قطار قادم من الصعيد .... هرع الجميع فى محاولة لفتح الباب للنجاة ... لكنه كان قديمـــًا و إذا أغلق لا يفتح و هكذا النوافذ متينة و موصدة وعلتها الأتربة و أستحال فتحها ....و فى هذا الموقف العصيب لم يكف عبده المشتاق عن كلمته التى لا تفارق لسانه أبدا ( أدينى لفة من نفسى يا أسطى ....!!!! ) و تعالى صوت نفير القطار قادم من بعيد ....و مع صراخ النساء و الأطفال و الرعب الذى يتصبب منا جميعا حتى أيقنا بالهلاك و توقعنا نهاية هذه الرحلة و هذا الاتوبيس الذى كنا نتمنى أن نصل به مع أول ضوء للصباح لمحطة و صولنا ....لكن لكل شىء نهايته المحتومة و استسلمنا تماما لمصيرنا الذى بدا محتوما ...!!!!!!
و إذ بالاتوبيس يدفع قليلا قليلا من الخلف فى محاولة لتخطيه القضبان حاولت أن انظر من الزجاج الخلفى المكسور لأتبين فى ظلام الليل الدامس من يحاول أن ينجدنا مما نحن فيه ....كـأنى أجد السيد بلال يستميت فى الدفع وكأنه ينادى لا تيأس يا خالد سعيد سننجح وكأن مصطفى الصاوى و جيكا و إسلام مسعود و الجميع و خلفهم خمسون طفلا فى وجوههم النور و يصرخون يبتهلون إالى الله تعالى و هم يدفعون الأتوبيس ..... يا رب ....يا رب ..... يا رب ....يا رب ...يارب ..... و بعض هؤلاء الأطفال يقولون الأتوبيس أصلا متهالك فما ذنب السائق إذن ......؟؟؟!!!! و إذ بى أصرخ سائلا من أنتم يا أبنائى ؟؟؟ قالوا و البِــشر يعلوا و جوههم و هم مستمرون فى الدفع بكل قواهم .... نحن من أسيوط من قرية تدعـــى ( المندرة ) قلت لهم كيف حالكم ؟؟؟؟ و كأنهم قالوا بفضل الرحمن فى جنات و نهر فى مقعد صدق عند مليك مقتدر و تعالت أصوات مخلصينا جميعا ... يا رب يارب يا رب أنج أهنا يا رب ..... و نجح الأطهار فى تخليصنا بفضل الله من على شريط القطار و تعالت صيحاتهم الله أكبر ..... الله أكبر ....و إذ بهم سجود يشكرون الله ..... و كأنى أسمعهم و نحن نبتعد يقولون أقرء أهلنا السلام ......و إذا بأحد الأطفال صوته يأتى من بعيـــــــــــــد كأنه أراد ان يدركنى قبل أن نرحل يحملنى رسالة قائلا و البشر و السعادة يفوحان من صوته قائلا ( قل لأبى الحبيب لا تحزن .... لعل ضربك لى يومها لألحق بالأتوبيس قد جعلنى من أهل الجنة فمن يدرى يا أبى لعلى لو كبرت لكنت من أهل المعصية و دخلت النار ...بشر أباءنا أنّا على ابواب الجنان منتظرون إن شاء الرحمن ) .....لم أدر إلا و قد إنخرطت فى بكاء عميق ودموعى تنهمر و معظم الركاب أيضا .... فقد شهدوا الموقف معى كاملا ....لم يجففوا دموعهم و لم يعودوا إلى مقاعدهم بل سار جمعهم تجاه قائد الأتوبيس و قد عزموا على حمايته ليكمل مهمته ... وهم يعلمون أنهم أحوج الى ما يكونون إلى اليقين فى الله و الصبر و طول النفس ....كم كنت أتمنى أن نتعاون جميعا من أجل نجاتنا ... و ألا تحدث مواجهة لا سيما أن من يعرقلون سيرنا ليسوا جميعهم كعبده المشتاق أو زينهم العايق
لم تحدث المواجهة بعد ولكنى على يقين أن معظم من فى الاتوبيس هذا .... عازمون على حمايته مهما كلفهم الأمر .....
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 وطن على الطريق

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7