الأربعاء 26 ديسمبر 2012
New Page 1


تاريخنا بدون فتاكة
إسلام عبد الباري

مقدمة مهمة جداً بقلم عمرو عبد العزيز (لو مش فاضي للأسف تجاوزها وادخل في الموضوع مباشرة)

أحد أهم التقسيمات الممتازة لفهم التاريخ وفلسفته هي تقسيمه الى تاريخ كبير وتاريخ صغير ..

التاريخ الصغير هو المحصور في قصور الأمراء والنبلاء والطبقة الحاكمة بشكل عام .. وهو تاريخ أغلبه يثير الضيق بسبب ظهور طباع التنافسية الإنسانية في أسوأ صورها .. بينما التاريخ الكبير يتناول المنتجات الحضارية لهذه البلاد .. ولا يهتم كثيراً بالحاكم وقصره إلا إذا صنع أمراً حضارياً مميزاً أضاف للبلاد ..
فيصبح المنتج الحضاري من أدب وثقافة وعلم و غيرهم ، هو التاريخ الكبير لهذه الأمة ، وتصبح الأفعال المحصورة في قصور الحكم هي التاريخ الصغير ..

والآن .. كيف يتم توظيف التاريخ الكبير والتاريخ الصغير ؟

أي مؤرخ معاصر للأحداث بكل تأكيد سيكون مشغولاً بكتابة (التاريخ الصغير) .. لماذا ؟
لأن التاريخ الكبير يتطلب نظرة واسعة كبرى لم تكن متاحة سابقاً ومن شبه المستحيل إتاحتها للمؤرخ المعاصر ..
لو طلبت منك أن تكتب تاريخاً عن الثورة المصرية المستمرة حالياً ..
ماذا ستكتب ؟

كل ما ستكتبه سيكون من الصعب جداً توثيقه وتأكيده حالياً .. ماذا تعرف عن المفاوضات التي جرت في مكاتب الإرشاد بالتفصيل ؟
ماذا تعرف عن كواليس المحكمة الدستورية وأسباب بعض أفعال المجلس العسكري الغير منطقية ؟
ماذا تعرف عن كل هذه الأمور ؟

بينما الباحث بعد قرن مثلاً سيجد عشرات المذكرات المكتوبة تتيح له نظرة واسعة يمكنه من خلالها استنباط حقيقة ما ..

إذن من يعيش الأحداث ويعاصرها ويكتبها من المؤرخين قد ينقل عشرات القصص والروايات الغير ثابتة .. وبعضها مختلق بشدة ويسبب صورة ذهنية كارثية عن فكر ما أو فصيل ما ..
لذا فغالب ما سيكتبه يندرج تحت عنوان (التاريخ الصغير) لأنه سيهتم بكواليس الحكم وأسراره ..

خاصة في التاريخ القديم حيث أغلب المؤرخين ينتمون إلى طبقة معينة قريبة من الحكام يمكنها الحصول على كثير من الاسرار سواء الصادقة أم لا !

حسناً .. لازلنا لم نصل إلى إجابة السؤال : كيف يتم التوظيف ؟

***
ندخل في الموضوع

موجة من السخرية (الألش بالمصطلح الشبابي) أثارتها المذيعة منى الشاذلي حينما نقلت مقطع فيديو لفضيلة الشيخ محمد إسماعيل المقدم وهو يتحدث عن تجاوزات بعض الدعاة مستنكرأ إياها

ولأن الشيخ الذي هو علم من أعلام السلفية في مصر يشتهر بارتدائه طاقية تشبه طاقية الرئيس الأندونيسي الراحل سوكارنو فقالت المذيعة لكي تعرف المشاهد بالشيخ فقالت "ودي مش عاوزة فتاكة دا الشيخ محمد إسماعيل المقدم من مشايخ آسيا"

لو نظرنا نظرة جدية بعيداً عن "الألش" و"الفتاكة" إلا أن الفيديو أثار لفت الانتباه لنقطة مهمة

إذا كان الشعب المصري بالفعل يستقي معظم معلوماته من الفضائيات وبرامج التوك شو وإذا كانت هذه المذيعة تعد هي من ضمن نجوم الفئة الأولى في المحاورين "كما يحبون أن يطلقوا على انفسهم" أي أنها من النخبة ولا تدري شيئاً عن السلفيين فما هي معلومات باقي الشعب عنهم؟

نعرف جميعاً أن السلفيين خرجوا إلى السطح بهذه الكثافة بعد الثورة حتى أنني أتعجب "وأتغيظ ممن" يقول لي أنتم كنتم تقولون كذا قبل الثورة لعلمي أنه لم يكن يسمع شيئاً عن السلفيين وكل معلوماته عنهم سماعية ولا سبب يحدوه لتقمص شخصية الباحث في شئون الحركات الإسلامية

أظن أن علينا دور ضخم في كتابة تاريخ الحركة السلفية بشكل عام والدعوة السلفية بشكل خاص لعدة أسباب

1. أي تجربة (لاسيما للحركات الإجتماعية والإصلاحية خصوصاً الدينية منها) لابد أن يدرسها الإنسان ويعلم الملابسات لها لكي يستفيد من المزايا ويتعلم من الأخطاء التي وقع فيها المشاركون في التجربة لاسيما وأن سنن الله لا تتبدل حتى أن الدهريين من كثرة ظهور شخصيات تشابه الشخصيات السابقة في التاريخ قالوا بتناسخ الأرواح

هذا في الحركات الاجتماعية العادية فما بالك وأنت تتكلم عن حركة علمية دعوية سياسية أصبح لها هذا الأثر البالغ في موازيين الأمور في دولة بحجم مصر وحالياً تصدر كنموذج للعمل السلفي في العالم العربي

2. أظن أن البعض من الأفاضل يتورع عن ذكر أشياء عنه قد تعد من سبيل المديح فيه ,وهذا الأمر وإن كان معتبراً ولاشك إلا أن المدح لايغير من الحقيقة شيئاً ,ولو ترك الناس كتابة تاريخ النجباء كيلا يمدحوهم لما كتب أحد في باب التراجم شيئاً

فضلاً أنه لو لم يتم التدوين في حياة المؤسسين لهذه الحركة وتولى الأمر من بعدهم تلاميذهم لربما غابت كثير من التفاصيل عنهم أو لربما تصدى للموضوع بعض الغلاة الذين يبالغون في المديح للقرارت المتخذة إن كانت صواباً أو خلق المعاذير والتبريرات للأخطاء التي لاريب حادثة بحكم أنها تجربة بشرية يحتمل أن يغيب التوفيق عن الاجتهادات قيها

3. يعاني المحللون السياسيون غالباً أثناء البحث في الشأن السلفي والسبب نقص المعلومات عن التيار السلفي ككل بخلاف نظيرتها جماعة الأخوان المسلمين التي صنفت العديد من المؤلفات عن تاريخها وأدبياتها سواء بأيدي أبنائها أو من يعارضوها وحتى الجماعات الجهادية التي حظيت بقدر لا بأس به من التغطية الإعلامية نتيجة لنشاطها ضد الحكومات السياسية المختلفة

لذا يقع هؤلاء الخبراء إما في خطأ دراسة الجماعة في قوالب جاهزة خاصة بدراسة الأخوان أو المجموعات الجهادية و بالتالي لا تناسب السلفيين لذا من المهم تسجيل أدبيات السلفيين بأيديهم لا بما يظنه الآخرون عنهم

4. تخيل لو لم يقم السلفيون بتدوين تاريخهم وقام معارضوهم بتدوين التاريخ وبعد قرن من الزمان لم نجد مصادر معتمدة كتبها معاصرون لهذه الفترة إلا كتابات نبيل شرف الدين وعبد الرحيم علي وعادل حمودة؟


تخيل كم المغالطات التي ستنقل على أنها من التاريخ الصغير التي تحدث عنها عمرو عبد العزيز لتشويه تاريخ الدعوة من أن فلان على علاقة بالجهاز الأمني الفلاني أو وقوع انقسامات ومشاحنات بين فلان وعلان وكل ما لا خطام له ولازمام ولا سبيل للتاكد منه لأن شهود الواقعة ببساطة كلهم قد ماتوا ؟

كيف يكون الحال بعد قرن من الزمان إذا كنا بعد أقل من سنتين على الثورة نعاني من تغيير التاريخ والوقائع عن طريق تكرار كلمات على المسامع بحيث أصبحت أنها من المسلمات رغم أنها كانت منذ أقل سنة لو رددها أحد لعده البعض مجنوناً مثل قول البعض أن الأخوان قتلوا الثوار في موقعة الجمل؟


لانزعم العصمة لأحد فتجربة الدعوة تجربة بشرية لها محاسن يستفاد منها ومثالب تنتقد كأي تجربة ولكن كفانا تشويه للحركات الإصلاحية بسبب سرد تاريخها بواسطة أناس من غيرها ولنا في تجربة حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية التي انتشرت الكتابات المشوهة لها أكثر من كتابات مؤيديها

 
 
   Bookmark and Share      
  
 تاريخنا بدون فتاكة إسلام عبد الباري

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7