الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2011 جبل عرفات في الكتاب المقدس ووظيفته في العهد الإبراهيمي
 
الأحد 23 يناير 2011

صحيح أن العلاقة بين المفردات اللفظية، سواء كانت ترادف أو تضمن أو تطابق، لا تصلح وحدها لاستنتاج دلالة نص كتابي معين على مسمى واقعي معين، لكن في الوقت ذاته دعونا لا نذهب بعيدا في هذا الاتجاه لدرجة إلغاء الطبيعة الدلالية للأسماء، صحيح أن المسألة اللغوية ليست كافية، لكنها كذلك ليست معدومة، وإنما هي إشارة ننتقل بها إلى دائرة أكثر ارتباطا بالواقع هي دائرة السياق التاريخي، فنحن حين نتحدث عن ذلك الجبل لا نتحدث عن جبل على كوكب آخر، بل نتحدث عن موضع لا تقوى المصادفة على تبني سياقه الذي يفرض نفسه بحكم المنطق كعنصر مكمل لمسألة اللغة. وأعني بالسياق التاريخي معنى فضفاض للكلمة يسمح بتناول الجغرافيا أيضا وما فيها من تكوين بشري سواء كان لغوي وثقافي وديني. نبي الله إبراهيم هو بداية فردية لأحداث ووقائع حدثت في الزمان والمكان، وجبل عرفات يدخل ضمن ذلك الإطار الذي رسمته تلك الأحداث.

* * *

ما نود قوله هو أن جبل عرفات لا يقف هناك وحده، بل يقع في مركب في وسط الجزيرة العربية يحتوي على الكعبة والحجر الأسود وبئر زمزم (وبئر الماء هو أحد العناصر البارزة في النص التوراتي أيضا) وجبلين آخرين هما الصفا والمروة، بالإضافة لجبل عرفات نفسه كجبل يحتفظ لنفسه باسم مرادف للإسم التوراتي وبعنصر الاستمرارية التاريخية الوارد في النص نفسه: "وَلِذَلِكَ يُقَالُ حَتَّى الْيَوْمِ: فِي جَبَلِ الرَّبِّ الإِلَهِ يُرَى"(تكوين22/14).

يأتي العنصر البشري أيضا ليقدم التناسب بين الرمز والإنسان، حيث نشأت العرب المستعربة، وهم فئة مرتبطة بنبي الله إبراهيم وراثيا من طريق إسماعيل، وروحيا عن طريق شعائر دينية تدور حول تلك العناصر وتختصر الزمان بينهم وبين الوقائع التاريخية الخاصة بها والمتعلقة بنبي الله إبراهيم أيضا، وتتشابه مع طقوس أخرى ظهرت في ذرية إبراهيم الشمالية.

ثم عنصرا آخر في ذلك (المركب المكي) لجبل عرفات، وهو ظهور رسالة توحيدية وسط هذه المجموعة البشرية التي هي العرب، بعد ما يقرب من ألفين وستمائة عام من حياة نبي الله إبراهيم، في سياق تاريخي مقبول منطقيا أيضا، وهو فشل ذرية إبراهيم من إسحاق في الاستمرار، وما كان يمثله رمزيا من خراب الهيكل، ثم حديث هذه الرسالة الجديدة عن رسالة نبي الله إبراهيم الأولى، وتوقيرها لأنبياء الفرع الآخر: إسحاق ويعقوب ويوسف وداوود وموسى عيسى، باعتبارهم شخصيات جديرة بالاحترام لما كان منها من استفراغ جهد من أجل استمرار الفرع الإسرائيلي دون طائل، كما تولي اهتماما خاصا لجبل عرفات.

هذا هو سياق جبل عرفات التاريخي بما في ذلك السياق من مواضع ووقائع، وأعتقد أنه سياق يبرر لنا وضعه داخل نطاق الأحداث، والحديث عنه كموضع مقصود بعينه من النص التوراتي.

وقد يتيسر لنا فيما بعد أن نتناول بالتفصيل تلك المقولات التي تتسكع في الطرقات المظلمة، والتي تحاول "تفكيك المركب المكي" إلى عناصر متفرقة يعود كل منها إلى سبب أرضي طبيعي، تعلمون بالطبع قصة قصي بن كلاب الذي أنشأ الحضارة الإسلامية بدهاء لم تألفه البشرية، ومجموعة المصادفات التي أعانته على ذلك بطريقة أرهقت قانون الصدفة، وذلك النيزك الذي سقط بقرب الكعبة فعبده العرب سكان الكهوف على أنه نازل من السماء، ومجموعة الخبراء في المخطوطات اللغات القديمة الذين أمدوا النبي بكل ما يحتاجه من معلومات واردة بحذافيرها في التوراة والإنجيل، وذلك الانهيار الفجائي للفرس والروم والذي بدا وكأنه بفعل غزوات أصحاب النبي.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  دائرة السياق التاريخي

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7