الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2011 جبل عرفات في الكتاب المقدس ووظيفته في العهد الإبراهيمي
 
الأحد 23 يناير 2011

استنتاج دلالة كلمة (يهوة يِرأة) على كلمة (عرفات)، وكما هو واضح، ليس من طريق التقارب في مخارج الألفاظ، بل إلى الترادف والتداخل في الاستخدام بين أفعال الإدراك البصري، ومنها فعل الرؤية الذي اشتق منه اسم (يهوة يِرأة) وبين أفعال الإدراك المعنوي ومنها فعل المعرفة الذي اشتق منه "عرفات". فـ"الرأي" هو التصور الذهني المعروف، و"النظرية"، من النظر، هي النسق المعرفي المتكامل، و"البصيرة" النافذة هي المعرفة الثاقبة، وهكذا. قال بن سيدة: الرؤية: النظر بالعين والقلب.

أيضا في الإنجليزية سنجد أن الفعل see يعطي معنى المعرفة والفهم في سياقات معينة، " I see " يعبر بها المتكلم عن الفهم والتجاوب وليس الرؤية.

بالإضافة إلى أن الصيغ المشتقة من فعل الرؤية، والتي وردت في النص التوراتي، في سياق القصة ليست غائبة تماما عن سياق نظيرتها في القرآن، فالنص التوراتي يخبر عن الله وهو "يُري" إبراهيم موضع الذبح: "خُذِ اَبنَكَ وَحيدَكَ الَّذي تُحِبُّه، إِسحق، وآمضِ إِلى أَرضِ الموريّا وأَصعِدْه هُناكَ مُحرَقَةً على أَحَدِ الجِبالِ الَّذي أريكَ" ثم يخبر عن أن الله هو من يرى ذبيحته: "وَقَالَ إِسْحَاقُ لإِبْرَاهِيمَ أَبِيهِ: يَا أَبِي. فَقَالَ: هَئَنَذَا يَا ابْنِي. فَقَالَ: هُوَذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ وَلَكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي.". كذلك الصيغة القرآنية تتحدث عن "رؤيا" إبراهيم ذبح إبنه، ثم عن طلب إبراهيم من ابنه أن "يرى" رأيه: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى" (الصافات/102) ثم طلبهما معا من الله أن يرياهما كل ما يتعلق بمناسك الحج المرتبطة بواقعة الفداء: "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا" (البقرة128).

والحقيقة أن الذي يجعلنا نميل إلى تضمين فعل المعرفة بفعل الرؤية الوارد في اسم جبل العهد، وترجيح جبل عرفات كمسمى لـ(الرب يرى)، هي تلك المقاربة التي تفرض نفسها بين وظيفة الجبل كـ"شاهد على العهد"، وبين فعل (الشهود) أو (المشاهدة) هو ثالث المجموعة: (الرؤية.. المعرفة.. المشاهدة)، والتي يتشارك معها في خاصية التداخل بين الأفعال الحسية الخاصة بحاسة البصر، وبين الأفعال المعنوية المتعلقة بالتصورات. حينها يكون بإمكاننا أن نصل إلى تفسير أكثر قبولا ومنطقية وهو ارتباط اسم الجبل بوظيفته بالنسبة للعهد.

أما عن الاستفسار حول عدم صراحة مدلول كلمة (عرفات) في الدلالة على كلمة (شاهد) أو الكلمة المقابلة لها في النص التوراتي وهي كلمة (الرب يرى)، فهو مطلب يسقط من اعتباره ما يزيد على ألفي عام من تطور اللغة ودلالات الألفاظ، فنحن لا نعرف عن المقطع ( ـات) في نهاية الكلمة، كما لا نعرف على الجانب الآخر إن كان الإسم الوارد في النص قد ورد أصلا بصورته تلك أم أن اجتهادات المترجمين قد عملت فيه عملها، وكل ما يمكننا التأكيد عليه هو أن (عرفات) هو من فعل المعرفة، وأنه هذا الفعل هو من أقرب الأفعال القابلة للتضمين في فعل الرؤية، وأن كليهما ليس على مسافة بعيدة من فعل الشهود التي هي وظيفة الجبل أصلا بحسب النص.

إننا ببساطة نعيد المعنى للإسم كما نعيد الإسم للمسمى، ولسنا مهتمين حاليا بالجزم أو بالتشكيك إن كان الإنحراف بفعل الرؤية إلى فعل التدبير (الرب يرى= الرب يدبر) في بعض الترجمات هو عمل مقصود لاخفاء جبل عرفات، إلا أن للقارئ أن يلاحظ هذا النص من ترجمة كتاب الحياة وما تضمنه من عبارة تفسيرية بين قوسين: (وَدَعَا إبراهيم اسْمَ ذَلِكَ الْمَكَانِ «يَهْوَهْ يِرْأَه» (وَمَعْنَاهُ: الرَّبُّ يُدَبِّرُ). وَلِذَلِكَ يُقَالُ حَتَّى الْيَوْمِ «فِي جَبَلِ الرَّبِّ الإِلَهِ يُرَى»)، أو الترجمة المشتركة التي أقحمت العبارة التفسيرية داخل النص نفسه: (وسمَّى إبراهيم ذلِكَ المَوضِعَ (الرّبُّ يُدَبِّر). فيُقالُ إلى اليومِ: هذا جبلُ الرّبِّ يدبرّ).

* * *

وبالمناسبة.. لفظ القفار أو البراري الوارد في (مزمور68/4_5) والمكتوب بالعبرية: ??????????? والمنطوق: "باعرافوه"، لا علاقة له بجبل عرفات، بحسب ما ذهبت إليه بعض الإجتهادات المشكورة وغير الموفقة، أما المعنى الحرفي لكلمة (باعرافو) فهو: (بيت العرب) حيث حذفت التاء من كلمة (بيت) وأبدلت الباء في كلمة (العرب) بالفاء، ومعناه اللغوي: (الصحراء)، وكلمة صحراء معروفة أيضا في الآرمية على نفس النحو، فهي كما يذكر (جواد علي) باعرابية Ba 'Arabaya أو "بيت عرباية" Beth 'Arb'aya وهي تطلق في الكتابات القديمة على ساكني الصحراء عموما من أي جنس. أما مسألة التردد في الترجمات بين كلمة سحاب أو غمام وبين كلمة صحراء أو براري، ومسألة ما إذا كانت كلمة (بيت العرب / باعرافوه / باعرابية) لها مدلول بشاري باعتبار جنس الرسالة المحمدية، أو أنها تتوقف في دلالتها عند حد الإشارة للصحراء، فأنا غير مؤهل بشكل كاف لحل مثل هذه الإشكالات.

أيضا كلمة (موريا) الواردة في النص كوجهة لإبراهيم ليست لها علاقة بجبل (المروة) على ما ذهبت إليه بعض الاجتهادات المشكورة وغير الموفقة، بل هي منطقة جبلية معروفة غرب الأردن وشرق فلسطين كما ذكرنا، ومقحمة على النص بنفس الدافع الذي أقحمت به كلمة (إسحاق).

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  دائرة اللغة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7