الرئيسة في دائرة الضوء"الحرية الدينية" في الإسلام
 
الخميس 5 نوفمبر 2009

د.نصر محمد الكيلاني

 

لقد خلق الله عز وجل الإنسان وجعل لوجوده في هذا الكون حكمة وغاية، وهي عبودية الله جل جلاله الذي خلقه وأوجده من عدم، وأن يكون مستخلَفا في الأرض يعمرها بالإيمان والتقوى لله سبحانه. وهذا الهدف الوجودي لا يمكن تحقيقه من قبل الإنسان ما لم يكن صاحب إرادة حرّة، وقدرة على اختيار ما يراه مناسبا جالبا للمصلحة، ويدرأ عن نفسه ما يرى فيه المفسدة. فالله عز وجل عز وجل ـ المستخلِف ـ أطلق حرية الإنسان في استثمار كل ما في الكون وتسخيره، كوسائل مساعدة يحقق بها الإنسان هذا التعمير للأرض بالخير والصلاح لكل من يعيش عليها من كائنات، ولكن البشرية حادت عن هذا المنهج الحر الذي رسمه الله لعباده. والمتأمل في المجتمعات اليوم يلحظ أن أخطر ما يواجه الإنسان هو أشكال الإرهاب الديني والسياسي الذي يصادر حريته وإرادته في اختيار ما يراه صالحا من عقائد ونظم تشريعية توصله إلى تحقيق غايته الوجودية التي سيسأل عنها يوم الحساب، وعن الأمانة التي ألزم بها نفسه دون سائر المخلوقات.

إن هذا البحث يحاول الإجابة على هذه الأسئلة: ما هي نظرة الإسلام للحرية؟ هل الحرية مبدأ أصيل في الدين الإسلامي؟ ما هي حدود وضوابط هذه الحرية؟ هل للحرية علاقة بالتشريع الإسلامي؟ هل الإٍسلام يكفل حرية المعتقد؟ هل للجهاد علاقة بالإكراه على الدين وفرضه بقوة السلاح؟

التعريف اللغوي والاصطلاحي للحرية

يشتق لفظ (حرية) في المعاجم اللغوية من فعل حرَّ بفتح الحاء المهملة والراء. وقد وردت بمعاني مختلفة مجملها في الآتي:

- الحُرُّ بالضم: نقيض العبد والأسير وجمعها: أحرارٌ وحِرارٌ.

 والحُرَّة: نقيض الأمة، وجمعها: حَرَائِرٌ. وتحرير الرقبة: عتقها. ويقال لمن أُعتِقَ: حَرَّ العبد يَحَرُّ حرارةً (بالفتح) أي صار حُرّاً. وجاء في الأثر (شراركم الذين لا يُعتَقُ مُحَرَّرَهُم) أي: أنهم إذا أعتقوه استخدموه، فإذا أراد فراقهم ادَّعَوْا رِقَّه.

-  وتحرير الولد: أن تفرده لطاعة الله وخدمة المسجد أو المعبد. ومنها قوله تعالى:

)إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ( (سورة آل عمران: الآية 35).

- والحُرُّ: الكريم. والحُرُّ من كل شيء: خياره وأعتقه وطيّبه، ومنه يقال: فرس حُرٌّ: أي عتيق الأصل. وطين حُرٌّ: أي لا رمل فيه. ورملة حُرَّةٌ: أي لا طين فيها.

- وحُرِيَّةُ القوم: أشرافهم(1).

أما اصطلاحا: فقد اختلف العلماء في تعريفاتهم للحرية بحسب السياق الذي يرد فيه موضوع كلامهم، والأرجح أن معناها إنما يراعي المعنى الأصيل لها في اللغة، فالحُرُّ ضد الزائف. يقول علال الفاسي: «والإنسان الحر هو غير الزائف الذي تُتَصوّر فيه الفطرة الإنسانية متغلّبة على الطبيعة الحيوانية (2)، فالحرية تتناغم مع فطرة الإنسان التي فطره الله عليها، وهي: الإيمان والإٍسلام.

فالحرية: تعبير عن السلوك الواعي للإنسان الذي ينسجم مع كامل ميولاته، وكامل مناحي تكوين شخصيته الإنسانية، تعبر عنها باعتبارها كيان متكامل يهدف إلى الخير للإنسان فردا كان أو جماعة، وتنتهي إلى تمجيد الخالق واحترام الدين. يقول علال الفاسي: «الحرية تعني أن يفعل الإنسان ما يعتقد أنه مكلف به، وما فيه الخير لصالح البشر أجمعين، وإيمان الإنسان أنه مكلف هو أول خطوة في حريته...» (3).

والحرية بالمفهوم الإسلامي مرتبطة كذلك بالإرادة الإنسانية، وقد عرف بعض المفكرين الحرية بأنها: «قدرة الإنسان على فعل الشيء أو تركه بإرادته الذاتية، وهي ملكة خاصة يتمتع بها كل إنسان عاقل، ويُصدِر بها أفعاله بعيدا عن سيطرة الآخرين لأنه ليس مملوكا لأحد، لا في نفسه، ولا في بلده، ولا في قومه، ولا في أمته» (4).

وأورد صاحب التعريفات مفهوم المدرسة الصوفية للحرية حيث يرون أنها تعني: «الخروج عن رق الكائنات، وقطع جميع العلائق والأغيار، وهي على مراتب: حرية العامة عن رق الشهوات، وحرية الخاصة عن رق المرادات لفناء إرادتهم من إرادة الحق، وحرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم والآثار لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار» (5).

فالحرية إذن متناغمة مع فطرة الإنسان، وهي مكون أساسي في تركيبة شخصيته، غير منبتة عن إطار التكاليف الشرعية، ولا تستقيم إلا بتوجهها للخالق عز وجل.

قيمة الحرية في التشريع الإسلامي

لقد جاء التشريع الإٍسلامي بمقاصد تتحقق للإنسان، ومن ضمنها مقصد حفظ الإنسان، وهذا الحفظ مثلما يكون مادي متمثلا في حفظ جسده وماله وعرضه، فإنه أول ما يكون في حفظ حريته وكرامته كالإنسان، حيث تولد هذه الحرية والكرامة مع ولادته. والظاهر في الناس الحرية. يقول صاحب الفروق «من ادعى على رجل الرق لم يقبل قوله حتى يقيم البينة على الرق، فدل على أن الظاهر في الناس الحرية» (6). فبدون هذه الحرية يضيع الجسد في عبادة الطاغوت، ويضيع المال لالتحاقه بالسيد، ويضيع العرض باسم الرق والعبودية. وهذا ما جعل التشريع الإسلامي يتشدد في مسألة الرق، وهو وإن لم يحرمها في صدر الدعوة لتغلغلها في الموروث الثقافي للشعوب، ولكنه ربط هذه القيمة بتشريعات كثيرة تكون بابا لتحرير الإنسان من عبودية الرق، كما أناط تحقق تشريعات أخرى بهذه القيمة (الحرية) مثل الميراث والزكاة والشهادة وغيرها.

العتق باب أساسي في الكفارات الشرعية وهو مصرف من مصارف الزكاة:

في ما يتعلق بالكفارات فقد شرع العتق كحكم مترتب في عديد من الكفارات في الشريعة الإسلامية مثل: كفارة اليمين، و القتل الخطأ، والعتق يوجب الحرية.. بل إن الأصوليين تشددوا في العمل بكفارة العتق. يقول أبو حامد الغزالي متحدثا عن وجوب تعيين المفتي لهذه  الكفارة في حالات مخصوصة: «يقول المفتي لمن وجبت عليه كفارة اليمين: تصدق بعشرة أمداد من البر، لأنه يرى ذلك أسهل عليه من العتق، ويعلم من عادته أنه لو خير بينها لاختار الإطعام على الإعتاق ليسره، فيكون ذلك باعثا على تخصيصه بالذكر»(7) فالحرية في الشريعة الإسلامية حياة والرق تلف. وفي تفسير الإمام النسفي لقوله تعالى: )وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ( (النساء الآية 92) قال مُعلِّلا هذا الحكم الذي وردت به الآية: «إنه (أي القاتل) لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها» (8).

وكذلك يندرج فك الرقاب من العتق ضمن مصارف الزكاة الثمانية: قال تعالى: )إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( (التوبة الآية60)

2ـ الحرية سبب في أهلية المكلفين:

بدون الحرية يحرم الإنسان من أداء تشريعات كثيرة، ويفقد أهليته وحقوقه كإنسان كرمه الله ونادى بحفظ حقه في الحياة. ولأن الحرية من صفات الكمال، فإن الآدمي يصير بها أهلا للولايات وتملك الأشياء، واستحقاق الكرامات الموضوعة للبشر. كما أن فقد الحرية يسقط عن صاحبه حق التعبد لله تعالى، وينقص من دينه، ويضيع حقوق الله تعالى لأن سبب الملكية، وهي الحرية يتعلق بها حقوق الله تعالى من وجوب الزكاة والجمعة وغيرها... فمثل هذا التصور، وفقد الحقوق الناجم عن فقد الحرية هو الذي جعل الشريعة الإٍسلامية تتشدد في تأكيد منح حق الحرية لكل إنسان، يقول السرخسي:«..فإذا قال السيد لعبده أنت حر ثم قال نويت به الحرية عن الرق والملك، فإنه يكون ذلك بيانا صحيحا، لأنه تقرير للحكم الثابت بظاهر الكلام لا تغيير له» (9).

إن أهم نقطة في هذه المسألة أن فاقد الحرية (الرقيق) يفقد أهليته في حمل الأمانة التي حملها من قبل المولى عز وجل، وهي أمانة الاستخلاف في الأرض وإقامة دين الله في أرجائها...وبذلك يفقد أهم مقوم من مقومات شخصية كمكلف. يقول السرخسي:«.. الله تعالى لما خلق الإنسان لحمل أمانته أكرمه بالعقل وألزمه ليكون بها أهلا لوجوب حقوق الله تعالى عليه، ثم أثبت له العصمة والحرية والمالكية ليبقى فيتمكن من أداء ما حمل من الأمانة، ثم هذه العصمة والحرية والمالكية ثابتة للمرء من حين يولد» (10).

3ـ الشريعة تكفل حرية أهل الذمة في معتقداتهم وتشريعاتهم:

إن الشريعة الإسلامية تضمن لمن كان في حماية الإسلام من باقي الملل حقوقهم في المواطنة والحرية في البقاء على معتقداتهم، والتعبد والتحاكم لشرائعهم وممارسة إرادتهم المستقلة. يقول محمد الخضر حسين معلقا عن هذه المعاملة لأهل ذمة المسلمين: «وإبقاء المحكومين على شرائعهم وعوائدهم، منظر من مناظر السياسة العالية، وباب من أبواب العدالة يدخلون من قبله إلى أكناف الحرية» (11). ويقول ابن حزم مبيّنا كفالة الشريعة لحق أهل الذمة ولحريتهم التي لا يجوز الاعتداء عليها: «وسورة براءة مبنية لأحكام أهل الذمة التي

لا يجوز تعديها، وهي ناسخة لكل ما كان قبلها» (12).

بينت نصوص الوحي أن احترام أهل الذمة واجب، وأمرت ببرهم والإحسان إليهم، قال تعالى: )لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( (سورة الممتحنة الآية8). فالشريعة إنما جاءت لتكفل حرية الإنسان بمعزل عن كونه مسلما معتقدا في صلاحيتها وملتزما بأحكامها، أم هو بخلاف ذلك. وإذا عرفنا ذلك ندرك مسألة مهمة وهي أن الشريعة الإسلامية إنما نادت بحرية الإنسان، لأن الحرية هي مفتاح تحقق ما نريده من هذه الشريعة، والمجتمع إنما ينمو بالحرية، فيعرف  أبناؤه ما يصلحهم من تشريعات فيختارونها ويلتزمونها، ويقفون على ما هو فاسد منها فيردونه.

4ـ علاقة الحرية بتنزيل الشريعة في واقع الناس:

ومما يبين وجه العلاقة بين الشريعة والحرية، أن تنزيل الأحكام التشريعية وتطبيقها في واقع الناس مشروط بتهيئة المجتمع من خلال إشاعة مناخ الحرية، حتى يختار الناس ما يصلحهم من تشريعات وأحكام بإرادتهم الحرة ويدرؤون عن أنفسهم ما يرونه فاسدا مما شرع لهم، عندها يتأكد نجاح تطبيق الشريعة. فالحرية في الواقع سابقة على الالتزام بتطبيق الشريعة بدليل أن الله سبحانه وتعالى لم يطالب الإنسان بالعبادات والتزام التكاليف الشرعية إلا بعد سن البلوغ، وتحمل مسئولية الإرادة والاختيار. قال تعالى: )وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ((سورة الكهف الآية 29)، كما أن طرح مسألة الأفضلية بين الشريعة والحرية في تقديم إحداها عن الآخر أحسب أنه خلل فكري وقع فيه البعض، إذ الحرية مما فطر الله الإنسان على طلبه منذ ولادته، كما أن الإسلام- والشريعة جزء منه- كذلك مما فطر الله عليه الإنسان، )فِطْرَت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ(  (سورة الروم الآية30).

إذن فلا جدوى من طرح مسألة تطبيق الشريعة والمناداة بها في ظل نظم شمولية تحكم المسلمين وتخضعهم لإرادة فرد أو حزب واحد معين، فالشريعة لا فائدة منها للناس، ولن تقوم قياما سليما ما لم يكن هؤلاء الناس أحرارا في اختياراتهم، وتطبيق هذه الشريعة نابعا من قناعاتهم أنها جالبة لمصالحهم، دارئة عنهم المفاسد،... فلا أولوية ولا أفضلية بين الحرية والشريعة من حيث تحققهما في حياة الإنسان، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، واجتماعهما هو الذي يحققهما معا، وتطبيق الأحكام الشرعية هو الذي يحافظ على حريات الناس في حدود ما رسمته الشريعة من ضوابط تنظم هذه الحريات ولا تصادرها... ونجاح تطبيق الشريعة هو الذي يضمن بقاء واستمرارية الحرية للجميع، وفي المقابل الحرية هي الطريق السهل إلى تطبيق الشريعة.إن مما يجب التحذير منه في هذا الشأن - وهو من الضرر بمكان- أن تُسقَط الشريعة على المجتمع من غير توفير ضمانات نجاح هذا التنزيل للنصوص والأحكام... فالشريعة لا تقوم على الإكراه، أو أن ينصب الحاكم نفسه متكلما باسم الرب والدين، فيقع في أشد الدكتاتوريات وهي الدكتاتورية الدينية التي جنت على العالم، وكانت سببا في ملأ الأرض علمانية وإلحادا، وطرد للدين وتشريعاته من حياة الناس. فالمجتمع الحر تجعله الشريعة رقيبا وحكما على تصرفات أبنائه، وهذا هو الصواب وروح الشريعة والدين.

الأسس الفكرية للحرية الدينية

الأساس الأول: الإرادة الإنسانية والقدرة على الاختيار:

للوقوف على قيمة هذا المبدأ أو الأساس المتعلق بالحرية نقف عند مصطلحات هذا الأساس فنشرحها.

-  الإرادة: ما به يصح للفاعل أن ينفذ ما قصده، وأن يرجع عنه. أو بمعنى آخر: تردد الفاعل بين البواعث على الفعل والترك.

-  القدرة: صفة بها الإيجاد والإعدام.

-  الاختيار: ثبوت الصفتين السابقتين يستلزم بالضرورة ثبوت حرية الاختيار للفعل(13).

وصنف العلماء الأفعال إلى ضربين:

 الأول: ما يجبر عليه الإنسان من أفعال، مثال ذلك: (ما يودع في العقول من ذكاء أو غباء - الأمزجة وما يلابسها من هدوء أو عنف - الأجسام وما تكون عليه من طول وقصر، وجمال أو قبح ـ الزمان الذي يولد فيه المرء- الوالدان اللذان ينحدر منهما الإنسان ـ ما تتركه الوارثة من خواص ووغرائز وميول- الحياة والموت- الصحة والمرض- السعة والضيق في الرزق... وغيرها من الأمور التي علمها الله وأرادها ونفذها استقلالا ولسنا منها في كثير أو قليل).

الثاني: أفعال نشعر حين أدائها بيقظة عقولنا، وحركة ميولنا، ورقابة ضمائرنا(14).

يقول صاحب جوهرة التوحيد متحدثا عن كلا الصنفين من الأفعال:  «والواجب اعتقاده: أن بعض أفعاله صادر باختياره، والبعض الآخر باضطراره، لما يجد كل عاقل من الفرق الضروري بين حركة البطش وحركة المرتعش.» (15).

فالصنف الثاني هو الذي يعنينا وتتعلق به حرية الإنسان وإرادته في الفعل، وأولها فعل الإيمان أو الكفر، وفي هذا الصنف يتحمل الإنسان مسئولية أفعاله. قال تعالى: )قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ( (سورة يونس الآية 108). وإرادة الإنسان في هذه الأفعال ـ التي سبقت فيها المشيئة الإلهية- المتعلقة بحرية اختيار الإنسان، إنما هي سابقة إرادة الله في تقديرها بالإيجاد، وقد جاءت الآيات القرآنية تدلل على ذلك، قال تعالى: )وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ(  (آل عمران الآية145 ) )مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ " (سورة الشورى: الآية 20). " مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ( (سورة هود الآية 15). )إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً( (سورة الأحزاب الآية 28).

فالإنسان مزود ضمن تركيبته النفسية بالإرادة، وهذه الإرادة هي التي جعلته يتعلق بحريته ويحبها ويسعى لامتلاكها، على اعتبار أنها وسيلة يعبّر بها عن إرادته في جلب ما به صلاحه ودفع ما فيه فساده. قال تعالى: )وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ( (سورة البلد: الآية 10)، وقال تعالى: )إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً( (سورة

الإنسان الآية 3).

فهذه الآيات تدلل بوضوح على أن الإنسان في المفهوم الإسلامي والنظرة القرآنية أنه كائن مختارا وحرا، وأنه مسئول عما يصدر عنه من أفعال، وهذه المسؤولية لا يمكن أن تثبت إلا عبر امتلاك هذا الإنسان حريته.. فالحرية والمسئولية متلازمان فيما يتعلق بالأفعال من العقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي، والحرية هي المبدأ الذي يمكن الناس أن يختاروا ويقرروا ويفعلوا بوحي من إرادتهم وبمعزل عن أي ضغوط. قال تعالى مقررا مسئولية الاختيار للإنسان: )مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ( (سورة النساء: الآية79 ) يقول القرطبي في تفسير هذه الآية:«... والخطاب للنبي عليه السلام والمراد أمته، أي ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع رزق فمن تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم. أي: من أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم» (16).

فالمولى عز وجل قد خص الإنسان بالإرادة الحرة في الاختيار، دون سائر المخلوقات لأفضليته وكرامته على الله تعالى.. والمتأمل في القرآن يرى الآيات الكثيرة التي تؤيد مذهب الاختيار الإنساني، وهي أكثر من الآيات التي تقول بالجبر..كما أن المتتبع للقرآن يجد أن إسناد الإرادة فيه إلى الإنسان يكاد يكون ضعف إسنادها إلى الله عز وجل حيث ورد إسناد لفظ أراد أو مشتقاتها ..للإنسان في نحو ثلاث وخمسون موضعا في حين ورد إسناده إلى الله في نحو إحدى وثلاثون موضعا.

الأساس الثاني: الكرامة الإنسانية:

لقد جاء الإسلام منذ بداية تنزيله ليقرر كرامة الإنسان وعلو منزلته، حيث بدأت أول آيات قرآنية في الإسلام بتحرير الإنسان من الجهل ونورت طريقه للعلم، وقراءة كل ما في الكون باسم الله وحده، وهذا هو التحرير الثاني من الآية حيث حررته من الارتهان كليا لغيره من المخلوقات في فهم ما حوله من موجودات. قال تعالى: )اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ( (سورة العلق: الآيات1-5) وهذه هي أول خطوات التكريم للإنسان أن حررته من جهله ومن تبعية المخلوقات غير الراشدة.

لقد أوصى الإسلام كذلك باحترام الإنسان لأخيه الإنسان وعدم امتهان واحتقاره لأنه مكرم عنده عز وجل: قال تعالى: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ( (سورة الإسراء: الآية 70) فتقرير الإسلام لهذه الكرامة الإنسانية للإنسان مكفول وثابت للفرد والجماعة على السواء، رجالا أو نساء، حكاما كانوا أو محكومين، ولا فرق فيها بين لون ولون، ولا بين جنس وجنس، وقد ذكر علال الفاسي في مقاصده أنواع الجهاد لتحصيل الكرامة، فجعل الجهاد للحرية أول أنواع هذا الجهاد، ثم قال: «الكرامة حق لكل أحد برا كان أو فاجرا، تقيا أو عصيا» (17).

ومن مظاهر تكريم هذه الرسالة الإسلامية للإنسان، أن جعلته حرا في اختياره وإرادته، ولو كان الاختيار متعلقا بالعقيدة والمرجعية الدينية التي يريد اعتناقها، ويتجلى ذلك من خلال قوله تعالى: )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ( (سورة البقرة: الآية 256)، وقوله عز وجل: )إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً( (سورة الإنسان: الآية 3)، كما أن وجود  أناس على الإيمان وآخرين على الكفر منذ بدء الخليقة دليل ساطع على هذه الحرية التي منحها الله لعباده، فقد زود العنصر الإنساني بالملكة العقلية التي بها يتاح إعمال الفكر، وحرية الاختيار بين طريقي الحق والباطل، قال تعالى: )وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ( (سورة البلد: الآية 10)، وقال سبحانه: )وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا( (سورة الشمس: الآية 7-8).

ومن المظاهر الدالة كذلك على تكريم الإسلام لهذا الإنسان، أن حرمت الشريعة الاعتداء على حريات وحرمات هذا الإنسان: حرمت سفك دمه وقتله إلا بحق فتحفظ بذلك حريته في حب خصوصية التملك، ففي الحديث النبوي: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)(18)؛ وحرمت الشريعة كذلك التجسس عليه والاعتداء على أمنه وطمأنينته واستقراره في مجتمعه وقال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً( (سورة الحجرات: الآية 12)، وفي الحديث عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تنافسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا)(19).

إن الغاية الوجودية للإنسان في حد ذاتها تعتبر دليلا على هذه الكرامة للإنسان ولحريته. قال تعالى: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ( (سورة الذاريات: الآية 56). فالآية مقصدها تحرير الإنسان من عبودية غير الله وتعمير الأرض بعقيدة التوحيد، و عدم حني الإنسان هامته إلا لله سبحانه الذي خلقه وأنعم عليه.

الأساس الثالث: التكليف الشرعي:

التكليف في اللغة مأخوذ من الكلفة وهي التعب والمشقة، يقال: تكلف الأمر: إذا فعله على كلفة ومشقة فهذا أصله في اللغة، ثم أطلق التكليف في الشرع على الأمر والنهي لأن المأمور بالفعل يفعل ما أمر به على كلفة من غير أن يدعوه إليه طبعه(20).

والتكليف أقسام مقصورة على ثلاثة أوجه: أمر ونهي وخبر. فالتكليف بالأمر كقوله تعالى: )وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ( (سورة النساء الآية 77) ونحوه، والتكليف بالنهي كقوله: )لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً( (سورة طه: الآية 61)، والتكليف بالخبر على ضربين:

 أحدهما: في معنى الأمر كقوله تعالى: )وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ( (سورة البقرة: الآية 228).

 والثاني: خبر في معنى النهي كقوله تعالى: )لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ( (سورة الواقعة الآية 79) (21).

لقد سبق معنا أن حرية الإنسان تبدأ فعليا بعد بلوغه ورشده، ودخوله دائرة التكليف الشرعي حيث يصبح مسؤولا عن حرية اختياره وكسب أفعاله.. فمن شرائط وجوب الفعل أن يكون المكلف، قادرا إما على الفعل أو على تركه لكي يصح منه الطاعة بفعل الأمور به أو المعصية بتركه (22) وهذا ما يجعل من التكليف الشرعي قاعدة أساسية في بناء الحرية لدى الإنسان، والعبد المسلوب الحرية بالتأكيد منقوصة قدرته على الفعل.

ضوابط الحرية

أرى لزاما قبل الحديث عن ضوابط الحرية، أن أحرر القول في مسألتين، وهما كالآتي:

المسألة الأولى: حب الحرية فطري في الإنسان:

 فالحرية من القيم التي تلتقي عندها مشاعر البشرية جمعاء، فهناك صلة عاطفية أصيلة تربط الجميع بهذه القيمة (الحرية) منذ بدء الخليقة إلى يوم الناس هذا، ويخطئ من يظن أن الحرية هي ظاهرة حديثة في تاريخ الإنسانية وكونها نتاج الكيانات الحضارية التي مر بها الإنسان في حياته على الأرض. فالحرية مركوزة في فطرة الإنسان، وهو مجبول على حبها وطلبها منذ اللحظة الأولى لولادته. يقول الباحث المصري محمد سليم العوا: «إن حرية الإنسان مقدسة ـ كحياته سواء بسواء- وهي الصفة الطبيعية الأولى بها يولد الإنسان (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة)، وهي مستصحبة مستمرة ليس لأحد أن يعتدي عليها» (23).

فالحرية منحة إلهية فطرية وليست منحة تشريعية، «الحرية حقيقة تكوينية في الإنسان، ليست تشريعية معطاة.. فالتشريع، أي تشريع كان، لا يمنح الإنسان الحرية لسبب أساسي، وهو أن الحرية موجودة تكوينيا في الإنسان، فالإنسان خلق حرا، وكل ما على التشريعات سواء كانت وضعية أو إلهية هو أن تمنع مصادرة هذه الحرية أو العبث بها» (24).

فالحرية إذن خلق رباني مركوز في نفس الإنسان منذ ولادته وليس غريزة لأنها لو كانت غريزة لما استطاع أحد تفويتها عن نفسه. يقول علال الفاسي: «الحرية الإسلامية جعل قانوني يتفق مع إنسانية الإنسان وفطرته، وليست حقا طبيعيا يستمد من غريزة الرجل المتناقضة» (25).

المسألة الثانية: الحرية في الإسلام تبدأ بعد نزول الوحي والتكليف الشرعي:

 فالإنسان لا يمكنه أن يمارس هذه الحرية المسؤولة كما أراد له خالقه إلا بعد نزول الوحي المبين لحدود هذه التشريعات الدينية، حتى لا تتحول الحرية إلى فوضى وعبودية للشهوات التي لا حدود لها، وما يصحب ذلك من فساد للفرد والمجتمع على السواء. فبنزول الوحي يدرك  الإنسان التكاليف الشرعية الجالبة لمصالحه المانعة لمفاسده، وعليه يتضح أن الحرية الحقيقية المسؤولة إنما تبدأ مع نزول الوحي الذي يرشد الإنسان لضوابط هذه الحرية حتى تكون نفعا لا ضررا. هذا على المستوى الإنساني العام، أما على المستوى الفردي الخاص فإن الحرية لا يمكن ممارستها فعليا إلا بعد التكليف الشرعي  لكل فرد وهو سن البلوغ، حيث يصبح الإنسان مسؤولا عن أفعاله يحاسب عليها. يقول علال الفاسي في مقاصده: «فالإنسان ما كان ليصل لإدراك حريته على الوجه الذي أراده الإسلام لولا نزول الوحي، ولولا الرشد الديني الذي جاء به القرآن.. إن الحرية لا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء ويترك ما يريد، فذلك ما يتفق مع طبيعة شهوته، ولا يتفق مع طبائع الوجود كما ركب عليه، ولكنها تعني أن يفعل الإنسان ما يعتقد أنه مكلف به، وما فيه الخير لصالح البشر أجمعين. وإيمان الإنسان بأنه مكلف هو أول خطوة في حريته» (26).

ضوابط الحرية:

لقد كفل الإسلام منذ عهد التنزيل حرية الإنسان وراعى ذلك في تشريعاته وأحكامه التي نزلت بها نصوص الوحي، ولكنه لم يطلق هذه الحرية على عواهنها ليمارسها الإنسان متى أراد، وكيفما أراد، بل جعل لها ضوابط تحكمها، وأحكام تقيدها حتى تتحقق مقاصدها الخيرة للفرد والجماعة على حد سواء. وتتمثل هذه الضوابط في الآتي:

1ـ ألا تؤدي حرية الفرد إلى الإضرار بالمجتمع وبحرية الآخرين، فتفوت بذلك حقوقا أعم.. فحرية الفرد وحقوقه شرطها أن لا تضيع معها حرية وحقوق الآخرين.. والفرد لا يمكنه أن يستأثر بحرية فائضة عن حدوده ومستقطعة من حرية الآخرين دون وجه حق، فحريته إنما تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين، والإسلام لم يمنح الحرية للفرد على حساب حرية باقي الأفراد داخل المجتمع، كما أن الإسلام منع التعارض بين كلا الحريتين: حرية الفرد وحرية الجماعة ووازن بين كلا الطرفين فأعطى كل منهما حقه. واصطدام حرية الفرد بحرية الآخرين مجتمعين له نتائجه السلبية من أهمها أنه يؤدي إلى تناقض في المنظومة الاجتماعية لدرجة تفسخ وانحلال هذه المنظومة  تحت مطرقة الاعتداء على القيم والمثل الاجتماعية والأخلاقية باسم حرية ممارسة أيّ فعل.. فالحرية لا تعني البتة التحرر من كل قيد لأن ذلك هو عين الفوضى لا الحرية، إن من الضروري أن يحتفظ كل فرد من الأفراد بنصيبه من الحرية بعيدا عن تدخلات الآخرين، ولكن ذلك لن يتحقق في واقع الأمر إلا في ظل تنازل كل فرد عن جزء من هذه الحرية لحساب مجتمعه.

2ـ أن تكون الحرية منضبطة بحدود الشرع ومتحررة من الشهوات: فالحرية الحق هي الحرية المندرجة في حمى الدين، والمقيدة بضوابط الشرع فتحكم تصرفات الإنسان وفقه، والموافقة لمقصد الشريعة في جلب المصالح ودرء المفاسد، ويكون الإنسان معها محررا من سائر العبوديات الأخرى غير عبودية الله عز وجل وأولها شهواته الضارة بنفسه وبمجتمعه، يقول محمد قطب: «ومع أن هذه الحرية تكريم رباني تفضل الله به على الإنسان فإن بعض الفِطَر تنتكس مستخدمة حريتها في عصيان الله والاستكبار  عن عبادته، بدلا من أن تختار الهدى وتستقيم عليه» (27).

إن حد الشريعة من حرية الإنسان في نيل كل شهواته، إنما مقصده الحفاظ على هذه الحرية المستمرة للإنسان، وحكمته التحرر من عبودية الشهوة واللذة والإنفكاك من أسرها لأن في ذلك الأسر للشهوة ضرر للفرد والمجتمع.. فالحرية لا تتم أحيانا إلا بالمنع- ألا ترى أن منع المريض مثلا من طعام مضر، إنما هو منع مؤقت لممارسة حريته يكفل له بعد ذلك حريته الكاملة في تناول ما شاء بعد شفائه، وكذلك سجن المجرم لفترة فيه تقييد لحرية الحركة وممارسة الحياة الطبيعية ولكن الغاية من ذلك أن يعرف قيمة حريته ويتعلم كيفية ممارستها في سائر حياته الباقية فلا يؤذي نفسه وغيره.

إن المتأمل في الديانات السابقة يلحظ توافقها مع الإسلام في هذا المفهوم للحرية الذي يحرر الإنسان من نرجسية ذاته وحبه لها، فلا يمنعها عن الشهوات ... وقد نهى كتاب المسيحيين المقدس استغلال هذه الحرية لمصلحة الجسد وقد جاء في أناجيلهم: «فأنتم يا إخواني دعاكم الله لتكونوا أحراراً، ولكن لا تجعلوا هذه الحرية حجة لإرضاء شهوات الجسد، بل اخدموا بعضكم بعضا بالمحبة» (رسالة بولس إلى كنائس غلاطية5/13.. ). ولكن في مقابل ذلك نجد أن الغرب حين انسلخ عن مسيحيته بعد أن نسب أخطاء رجال الكنيسة للدين واختارها علمانية لا قيد فيها على حرية الإنسان. ماذا حصل؟! وهل وصل للسعادة المنشودة؟! كلا. إنما وصل إلى مجتمع انحدرت أخلاقه، مجتمع مفكك تنتشر فيه الجريمة باسم الحرية الشخصية للأفراد، مجتمع يعتبر رمز للمجون والفجور والإباحية المطلقة، وسوقا للمخدرات والرقيق الأبيض، ولا قيد أو ضابط في ممارسة هذه الحرية والغاية عندهم تبرر الوسيلة.. هكذا قررها ميكافلي أحد جدودهم. وقد رفعت رائدة الثورات في الغرب (الثورة الفرنسية) شعار (دعه يفعل دعه يمرlaissez fair laissez passer ) فلا قيد لأحد على أحد ولا قيد فيما يرى الإنسان فيه ما يُتَوَهَّم منفعته.

3ـ أما الضابط الثالث من ضوابط الحرية هو أن تكون هذه الحرية قائمة على أساس من قاعدة التوحيد والعبودية لله: فلا حرية للإنسان إلا بتوحيد الله وعبوديته وحده، لأن ذلك مما يحرره من عبودية النفس والشيطان والناس وسائر المعبودات الأخرى المذلة للإنسان. فالحرية الحقيقية هي أن يتحرر القلب من سائر العبوديات، ويخلص لعبودية الله وحده، ولا يتلقى الأمر والنهي في التشريعات إلا منه عز وجل لأنه أعلم بما يصلحه في دنياه وآخرته، وقد ربّى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على حرية الرأي في مستوياتها المختلفة، فكان ذلك يصوغ عقولهم على صفة التوحيد والمؤالفة في تفسير الأحداث، وفي تقرير الأحكام التي صاغوا بها الحياة الإسلامية المتواسعة لتكون وجهتها موحدة الهدف إلى الله تعالى(28).

إذن نختم هذه المسألة فنقول بان الحرية المطلقة هي فكرة خيالية على رأي البعض، وأنها ضرب من الفوضى داخل المجتمعات.

الحرية قاعدة التوحيد والعبودية لله عز وجل

إن عقيدة التوحيد هي مفتاح التحرر من سائر المعبودات الأخرى من دون الله التي أسر فيها الإنسان نفسه..فهي عقيدة تستمد أوامرها وتوجيهاتها التربوية من نصوص الوحي القرآني والنبوي، وهذا ما يجعل لها أثرا في حياة معتنقيها، بخلاف الحريات الأخرى القائمة على أفكار وعقائد مصطنعة. فالإنسان لا تحركه في عملية الإصلاح ونشر الفضيلة عصا القوانين البشرية بقدر ما يردعه عن الرذيلة ويحفزه على الفضيلة الوازع الإيماني بما تلقاه من أمر ونهي من الدين. ولو أردنا التدليل على ذلك لاكتفينا بمسألة تحريم الخمر، حيث نعرض تجربتين متناقضتين:

الأولى: التجربة الإسلامية:

 فبرغم تعلق العرب بالخمرة وولعهم بها حتى أن جل أشعارهم تفتخر بمعاقرتها، ولا يتسامرون إلا بحضورها. ولكن عندما نزلت الآيات بتحريمها تحريما قطعا في قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (سورة المائدة: الآية 90)... قالوا: سمعنا واطعنا (انتهينا- انتهينا)، وأهرقت جميع خمرة المدنية بأيدي من تشربها حبا لسنين عددا حتى ملأت شوارع المدينة.

الثانية: تجربة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية: رأس المنظومة الغربية ورمز الاستكبار العالمي حيث سنت قانونا يحرم الخمر لإدراكها خطورتها على المجتمع، وصرفت على ذلك ميزانية ضخمة، وسخرت وسائل إعلامها في حملة توعية كبيرة، ولكن كان الفشل حليفها، لأن الإنسان الذي ليس على عقيدة الدين يصعب عليه أن يعتق نفسه من رق شهواته ورغباته، لأنه لم يظفر في ظل حضارته بتحرير حقيقي لروحه وفكره، بل علموه بأنه لا حدود لحريته وأن الغاية تبرر الوسيلة.

إن عقيدة التوحيد هي سند الإنسان في التحرر الداخلي، وهي كذلك تحطم في نفسه كل الأصنام والوثنيات التي تسلب حريته، ويرى محمد باقر الصدر أن ظاهرة الصنمية في حياة الإنسان نشأت عن سببن:

 أحدهما: عبوديته للشهوة التي تجعله يتنازل عن حريته إلى الصنم الإنساني الذي يقدر على إشباع تلك الشهوة وضمانها له.

والآخر: جهله بما وراء تلك الأقنعة الصنمية المتألهة من نقاط الضعف والعجز. والإسلام حين حرر الإنسان من عبودية الشهوة وزيف تلك الأقنعة، الخادعة كان طبيعيا أن ينتصر على الصنمية، ويمحوا من عقول المسلمين عبودية الأصنام  بمختلف أشكالها وألوانها؛ لأن الإسلام الذي جاء لتحرير الإنسان بالتنازل عن أساس حريته، والانغماس في عبوديات الأرض وأصنامها، كما أن الإسلام لا يعتبر عقيدة التوحيد مسألة سلوك شخصي خاص، كما ترى الحضارات الغربية، بل هي القاعدة الأساسية لكيانه الحضاري كله(29).

لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا لواء (لا إله إلا الله) يعمر بها الأرض بعد خرابها من مشارقها إلى مغاربها، الناتج عن تشتت الناس بين معتقدات وثنية أو أديان إلهية حرفها أتباعها فحادت عن خط التوحيد لله عز وجل، رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعار ثورة على كل هذه الشركيات والوثنيات، كذلك ثورة على تأليه الإنسان لأخيه الإنسان، وإرساء بدل ذلك عبودية واحدة، هي عبودية رب العالمين وخالق الأكوان، وبيّن الإسلام أن الإنسان ليس عبدا للطبيعة ولا لآثارها، كما حرره من عبودية الشيطان والنفس والهوى، وسائر ما يمكن أن يكون سببا في إذلاله لأنه كائن كريم على الله وفضّله على سائر المخلوقات. قال تعالى: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً( (سورة الإسراء: الآية 70). لذلك صغرت في عين العاقل  المادة فتحرر من عبوديتها، وصغرت في عينه معظم الشهوات ففك أسره منها، ورأى المخلوقات جميعا على حقيقتها فرد الخوف منها، وظل قلبه عامرا فقط بالخوف من الله عز وجل، والتذلل إليه وحده سبحانه وتعالى. وهذا التحرر والانقلاب النفسي هو الذي جعل ربعي بن عامر رسول جيش المسلمين يخاطب ملك الفرس عندما سأله عن سبب مقدمهم إلى مملكته: (لقد جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام). (30). فتوفر مناخ الحرية في الصدر الأول من الدعوة، وهو الذي جعل خاصية التوحيد أكثر وضوحا وشيوعا في المجتمع الإسلامي، بخلاف عصر الجمود العلمي والفكري وغلق باب الاجتهاد وتعطيله، وانغماس العلماء في جزئيات وفروع العلوم والمعارف.

يقول عبد المجيد النجار مبينا أن الحرية هي المدخل إلى الإيمان الحق: «وقد تقرر في التعاليم الإسلامية أن الحرية هي المدخل المعتبر إلى الإيمان الحق، فلا يكون الإيمان بالعقيدة إيمانا كاملا في ميزان الدين إلا إذا انبنى على حرية النظر» (31). فالحرية الحقيقية تتمثل في خلو القلب من سائر المعبودات الأخرى غير عبودية الله عز وجل، العبودية التي تجعل الإنسان لا يتلقى الأمر والنهي إلا ممّن خلقه وصيّره بنعمته إنسانا سويا. يقول ابن تيمية رحمه الله: «فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق، لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب رقيقا مستعبدا لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض.. فالحرية حرية القلب، والعبودية والعبودية عبودية القلب» (32).

إن إقامة الحرية على غير أساس عقيدة التوحيد دليل فساد عقل من أراد ذلك، لما سينجر عن مثل هذا الفعل من تصرفات مخالفة للسنن الإلهية في الكون، وقد ضرب لنا القرآن مثالا على ذلك بقوم فرعون ومن سار على منهجهم في تفسيرهم الخرافي للظاهرات والأحوال التي يكون عليها الناس، حيث يرون أن الرخاء سببه أعمالهم الصالحة وأن القحط الذي أصابهم سببه شؤم موسى وأتباعه من المؤمنين قال تعالى: )وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ( (سورة الأعراف: الآيات 130-131). يقول ابن عاشور: «وحسبوا وجود الله يخالف دينهم بينهم سببا في حلول المصائب والأضرار بهم، فتشاءموا بهم، ولم يعلموا أن سبب المصائب هو كفرهم وإعراضهم... وهذا من العماية في الضلالة، فيبقون منصرفين عن الأسباب الحقيقية، ولذلك كان التطير من شعار أهل الشرك، لأنه مبني على نسبة الأسباب لغير أسبابها، وذلك من مخترعات الذين وضعوا لهم ديانة الشرك وأوهامها»(33).

وبعد ما ذكر فهل يعقل أن يكون الإنسان عبدا لغيره وقد جعله الله حرا!!؟؟

 
 
   Bookmark and Share      
  
  "الحرية الدينية" في الإسلام

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7