الرئيسة في دائرة الضوءفتنة فيلدرز (النقد العلمي الإسلامي نموذجاً)
 
الخميس 17 يونيو 2010

شبكة رسالة الإسلام

يوم وصول فيلدرز للحكم (1):

لا يُعاني المسلمون وحدهم من أراجيف ومؤامرات صاحب الفيلم المعادي للإسلام المسمى "فتنة", وهو البرلماني الهولندي "خيرت فيلدرز" (46 سنة) -فيلدرز مشتقٌّ من كلمة "التوحش"!- وإنما يُعاني كثير من الهولنديين أيضاً من فِتَنِه وأراجيفه المفتعلة، والتي أدارها حتى اليوم داخل البرلمان الهولندي هو وثمانية من أعضاء حزبه نجحوا في الانتخابات السابقة, والآن ازدادوا بنتائج الانتخابات الأخيرة إلى (24) عضواً من (150) عضواً يتشكَّل منهم البرلمان الهولندي.

"إذا أصبحت مواقف فيلدرز تجاه الإسلام جزءاً من برنامج الحكومة؛ فأتوقَّع أنَّ مجموعات كبيرة من المواطنين سيُهاجرون إلى الخارج، وأنا سأكون من بين هؤلاء".

لم يكن هذا قول شخص مسلم يعيش في هولندا، ولكنَّه قول وزيرة الداخلية الهولندية السابقة "خوسيه تر هورست"، وهو قول لافت, فيه من الدلالات والإيحاءت التي تُشير إلى اضطراب الأوضاع الداخلية في هولندا إلى درجة ما, وتوجَّسَ كثيرون من تداعيات وصول فيلدرز للحكم ومعه (23) من أعضاء حزبه، لكنْ دعونا ندخل إلى "المسألة الهولندية" من آخر تفاعلاتها ودهاليزها وتداعياتها الحالية, فبنهاية يوم الأربعاء (9 يونيو 2010) سقطت حكومة "الحزب الديمقراطي المسيحي" (CDA) سقطة تاريخية مؤلمة، على إثر إعلان نتائج انتخابات ذلك اليوم المشهود، وقد أمكن للمشاهدين أن يروا آثار هذا السقوط المروِّع على وجه رئيس الحكومة "يان بيتر بالكينده" وهو يُعْلِنُ استقالته من رئاسة حزبه؛ وذلك بعد سويعات من خسارة حزبه لقيادة الدولة الهولندية ورئاسة الحكومة.

هذا فيما أمكن للمشاهد الهولندي أيضاً أنْ يرى صعود البرلماني الهولندي المعادي للإسلام "خيرت فيلدرز"، والمؤسس لحزب الحرية الشعبوي (عام 2004م)، وهو يحتفل بانتصاره الكبير هو وحزبه, آملاً أنْ يُشارك في حكومة ائتلافية مقبلة، ومتوعِّداً - في لحظة عاطفية متطرِّفة- بكلمات واثقة، ومكرِّراً لبعض ما قاله من قبل عن موقفه من الإسلام في هولندا، وعن تحدِّيه للأحزاب الكبرى.

لقد سقط الحزب الحاكم سقوطاً تاريخياً بحق، في عملية درامية مؤلمة للغاية، وقد شعر الحزب بهذه الضربة القاسية بمجرَّد إعلان نتائج الانتخابات التي أعقبها مباشرةً استعجالُ رئيس الحكومة إعلان استقالته من الحزب! وقد عبَّرت صحيفة "دي تلغراف" الهولندية في 10 يونيو عن حالة هزيمة الحزب الحاكم بعنوانها اللافت: "انكسار الحزب المسيحي الديمقراطي"؛ وذلك أنَّه بخسارته المدوِّية -تقول الصحيفة:- "عانى خسارة تاريخية، حتى انتهى باثنين وعشرين مقعداً فقط، مما يمثِّل خسارة مذلَّة لتسعة عشر مقعداً".

وقد وصفته صحيفة "دي تلغراف" أيضاً -يوم 11 يونيو- بأنَّ الحزب -نتيجة هزيمته المنكرة- قعد "يلعق جراحه"، وحصل ذهول -تقول الصحيفة- إلى حدِّ أنَّ: "حرارة الحزب وصلت إلى ما تحت الصفر"، مما سبَّب دهشة وبكاء وعويلاً، "وخيبة أمل ومرارة بين النائبين وموظفي الحزب على عقاب الناخب لهم خلال الانتخابات".

إنها حالة تُصَوِّرُها كلمات رئيس الحكومة: "خيبةُ أملٍ إلى حدٍّ بعيد"؛ ذلك أنَّه قد فقد القيادة التي كان يُمسك بها على أربع حكومات متتالية -وللحزب تاريخ ماض أيضاً في حكم هولندا- فالناخبين كما قال: "قالوا كلمتهم، والنتائج واضحة، وأنا -كزعيمٍ للحزب- أتحمَّل المسئولية".

والمدهش أنَّ صحيفة "دي بيرس" المجانية تنبَّأت صباح يوم الانتخابات بمصير رئيس الحكومة في رسم بارع: "يان بيتر بالكينده" يمشي باتجاه مغيب الشمس حاملاً صُرَّةً على ظهره.

وقد وصفت الصحيفة صفعة "الناخبين" ووقع نتائجها على رئيس الحكومة -الذي بدا مذهولاً وحزيناً ويكاد يبكي- بأنها "قبلة موت"! ولا أظنُّ الصحيفة تعني بـ"قبلة الموت" ما تعنيه الأسطورة المسيحية من وضع "يهوذا الاسخريوطي" قبلة على جبهة "يسوع المسيح"؛ كإشارة على تسليمه للموت! فلم يكن "خيرت فيلدرز" من تلاميذ الحزب المسيحي، لكن للكلمة معانٍ كامنة في ماضي وحاضر الثقافة والسياسة الهولندية.

ولا شكَّ أنَّ العوامل الاقتصادية وعدم ثقة الشعب بالاقتصاد والأحزاب الكبرى, وشيوع الخوف من المستقبل بصورة لافتة، وانخفاض درجة الشعور بالأمن والسلام الاجتماعيين، والشعور بالقلق من انهيار العملة الأوروبية -وهو شعور غير صحيح على كل حال-؛ كل ذلك وغيره أدَّى إلى تراجع الأحزاب الكبرى في هولندا، وتقدُّم الحزب اليميني المتطرِّف لفيلدرز الذي سوَّل لطائفةٍ من الناخبين أنَّ مفاتيح جميع الحلول عند الزعيم الفاشي في إعلاناته, "المتوحش" في مواقفه واستدلالاته.

ففي ظلِّ الظروف الاقتصادية الجديدة والأزمة المالية العالمية، وفقدان كثيرٍ من الهولنديين لوظائفهم؛ فإنَّ فيلدرز استطاع استغلال حالة الأوضاع السائدة، وبصور الخداع الساذج منحها تفسيراً مزيَّفاً ومدعوماً بحرب إشاعاتٍ مضادَّة ومضاعفة ضِدَّ أي حزبٍ يقوم بمواجهته، وخصوصاً الحزب الحاكم، وحزب ديمقراطيو (66), وحزب الخضر، وقد اعتاد فيلدرز على إهانة رئيس الحكومة بوصفه بالجبان الذي يخاف المسلمين، كل ذلك سبَّب أزمة داخلية تَفَتَّقَتْ عنها نتائج الانتخابات الأخيرة.

زيادة على ذلك: فإنَّ عدم اقتناع كثير من الناخبين (المتأرجحين دائماً) ببرنامج الحزب الحاكم, وفقدانهم الثقة في برامج الأحزاب ومزاعمهم في إصلاحهم أوضاع التعليم والأمن والاقتصاد، وفوائد البنوك فيما يخصُّ شراء البيوت، وارتفاع النفقات بعد توحيد العملة الأوروبية، وانخفاض قيمتها بصورة ملحوظة؛ كلُّ تلك الرياح العاتية قذفتهم على شاطئ فيلدرز "الأشقر"، وقراصنته وهم في حالةٍ من التوجُّسِ والإعياء الشديدين.

أما عن الإشاعات والفضائح التي أثَّرت على سقوط الحزب الحاكم سقوطاً سريعاً فحدِّثْ ولا حرج.. فما تسرَّب من اعترافاتٍ وإشاعاتٍ قبل شهر من الانتخابات لحقت بوزير الدولة لشؤون الدفاع من الحزب الحاكم "جاك دي فريس" بوجود علاقة غرامية مع سكرتيرته، (وكأن حَدَثَ كلينتون وعشيقته اليهودية "مونيكا" سيناريو يتكرَّر في السياسة الغربية), أثَّر ذلك ولا شكَّ على سمعة الحزب الحاكم بدرجة ما؛ ما جعله هو نفسه -أي "جاك دي فريس"- يُصَرِّحُ: "أريد استغلال الفترة القادمة للبحث عن حَلٍّ ملائم لوضعي الخاص".

تكتب صحيفة "فولكس كرانت" أنَّ الخبر جعل من العسكري الكبير "هدفاً سهلاً"، وفي حين يجعل الحزب الحاكم الذي ينتمي إليه الوزير "قيم العائلة" في مقدمة أولوياته، فإنَّ رجل شؤون (الدفاع!) وزير الدولة حَطَّمَ قيم العائلة، كما خرج عن الإطار الرسمي، وأقام علاقةً خارج إطار الزوجية؛ مما جعل ردود الفعل داخلَ حزبه الحاكم "تتراوح من اليأس العميق إلى نوع من التهرُّب"، ولا شكَّ أنَّ هذا كان سيؤثِّر على الانتخابات التي لم يكن قد بقي على حدوثها أقل من شهر، وقد وصفته صحيفة "فولكس كرانت" يوم 14 مايو بأنَّه: "رجلٌ كان يُعتبر أفضل عضو في الحملة الانتخابية في السياسة الهولندية يتسبَّب بضررٍ كبيرٍ لحزبه في مثل هذه اللحظة الحاسمة".

ويقول "فيم فان دن بورخ" رئيس اتحاد نقابات العاملين في مجال الدفاع AFMP/FNV: "الوزير الذي يُشدِّد دائماً على القيم والمبادئ؛ يتخطَّى حدوده مع الكثير مع أحد مرؤوسيه، بالرغم من أنه متزوِّج وأب لا يُمكن أخذه على محمل الجد، وخاصَّةً إنْ كان وزيرَ دولةٍ يُشدِّد على الدوام على القيم والمبادئ ضمن أسرته، وإذا تورَّط في مثل هذه العلاقة الغرامية مع إحدى مرؤوساته؛ فهناك مشكلة حقيقة"، والنص أوردته إذاعة هولندا العالمية.

وقالت الاتحادات المهنية للعسكريين -كما جاء في حديثٍ لصحيفةِ "ألخمين داخبلاد": إنَّ "جاك دي فريس" عرَّض نفسه للابتزاز واللوم, لقد أوقع نفسه وحزبه في مأزق، يقول أحدهم: "أَثْقَلَ نفسه بمشكلة ضخمة، وعليه إزالة ما خلَّفته المشكلة من دمار"، وقد صوَّرته صحيفة "تراو" البروتستانتية في 14 مايو كرجلٍ سياسيٍ يلحسُ من شطيرةٍ من الوحلِ تملأ وجهه.

وقد طَالَبَ الوزير السابق برام بيبير (من الحزب الديمقراطي الاجتماعي) من السيد "جاك دي فريس" أنْ يتنحَّى عن منصبه: "قام دو فريس برحلات غرامية لخارج هولندا، وهو مؤتمن على أسرار الدولة، وهذا خطر على أمن دولة هولندا".

أما رئيس الحكومة فقد قال: "قُلْتُ بأنَّ وزير الدولة دو فريس يحتاج الآن لبعض الوقت للبحث عن حَلٍّ لظروفه الشخصية، وأنا أحترم ذلك، وأحترم أيضاً الإعلان الذي صرَّح به، ونحن بانتظار نتيجة تفكير الوزير".

لقد ألقت الأزمات الاقتصادية المتتابعة عالمياً ومحلياً وأوروبياً مجموعةً من الناخبين الهولنديين في قبضة فيلدرز وفتنته؛ ما جعله يقول لحظة إعلان النتائج في جمعٍ من حزبه: "لقد أصبح الحُلُمُ مستحيلا"، ثمَّ أطلق تهديده المثير: "سنريهم الويل" (هل سنعتبر إعلانه هذا نبوءة؟!)، كما ورد في صحيفة "دي تلغراف" الهولندية صبيحة يوم 10 يونيو.

وتصِفُ صحيفة "ألخمين داخبلاد" استقبال الحزب له بالقول: " قُوبل خيرت فيلدرز بتصفيقٍ صَمَّ الآذان عند إعلانه نبأ فوزِ حزبه الساحق"، لقد قال لهم: إنَّ من أهدافه العمل على التقليل من الإسلام في هولندا، وإنَّه يُشاركه في أهدافه مليون ونصف مليون مواطن ممن انتخبوه، وقال متهجِّماً على البرلمانيين: "أقول للنواب الجدد لحزبنا -حزب الحرية الجميل-: ليجلب كل منكم غداً شيئاً نقذفهم به"، وقال: "المؤسسة السياسية لا يُمكِنها تجاهلنا بعد اليوم على الإطلاق"؛ ذلك أنَّه حصل على المرتبة الثالثة ضمن الأحزاب، وجعل نصره نصراً للبلد: "إنَّه يوم عظيم لعموم البلاد".

"روته يقود سفينة مخترقة"

لقد فاز الحزب الليبرالي الهولندي.. حزب الشعب للحرية والديمقراطية (VVD) -ليبرالي محافظ- لأول مرة في تاريخه بـ(31) مقعداً، وتقدَّم على كلِّ الأحزاب الأخرى، ومنها الحزب الحاكم، وجاء "حزب العمال" (PvdA) في المرتبة الثانية، وهو الحزب الذي رفض "أخيراً" التواجد في أفغانستان بتمديد مدَّته, ويُتوقَّع أنْ يتولَّى رئيس الحزب الليبرالي الهولندي "مارك روته" -من مواليد 1964م- رئاسة الوزراء في ظلِّ معادلةٍ صعبةٍ من الأحزاب المختلفة التي يصعبُ الجمع بينها؛ لتناقض توجُّهاتها، لا سيما حزب الحرية اليميني لفيلدرز.

وقد عبَّرت أغلب تلك الأحزاب عن عدم رغبتها في الاشتراك في حكومة واحدةٍ مع حزب فيلدرز، واللافت للنظر هو تقديم التهنئة من رئيس الوزراء المنتظر "مارك روته" لفيلدرز، وذلك بعد قليلٍ من إعلان نتائج الانتخابات في ليلة احتفال كلِّ حزبٍ بنتائجه, ويبدو أنَّ تهنئة "مارك روته" لها مغزى سياسي؛ فبالإضافة إلى خوفه من لسان فيلدرز البذيء، فإنه يعمل حساب اشتراك فيلدرز معه في حكومة مقبلة بحسب السيناريوهات التي أعلنها مارك نفسه لصحيفة "دي تلغراف" الهولندية بعد يومين من إعلان نتيجة الانتخابات.

لقد كان "فيلدرز" المعادي للإسلام عضواً في الحزب الليبرالي الذي سيمسك زمام الحكومة اليوم، وقد انفصل عنه في 2004, وبعد انفصاله بعامين أسَّس حزب الحرية، والشيء المثير للتأمُّل أنَّه -وهو في الحزب القديم- وبعد أحداث سبتمبر سُئِلَ عن موقفه من الإسلام ورأيه في "بم فورتاون" الهولندي -المناهض للإسلام الذي قُتِلَ على يد رجل هولندي غير مسلم- فقال: "لم أوجِّه سهامي للإسلام بحدِّ ذاته، على العكس تماماً ليس لديَّ شيء ضِدَّ الإسلام"، وأضاف "على العكس من فورتاون الذي ينادي بحربٍ باردةٍ ضِدَّ الإسلام، وهو نداء مرفوض؛ لأنه وبهذه الطريقة يَضَعُ كلَّ المسلمين في كفة واحدة.

لقد أَعْلَنْتُ ومنذ البداية: ليس هنالك ما يعيب الإسلام، إنَّه ديانة تستحقُّ الاحترام، وكذلك فإنَّ مُعظم المسلمين في أنحاء العالم وفي هولندا هم مواطنون صالحون، لا يعيبهم شيء، يتعلَّقُ الأمر بفئة قليلة من المسلمين المتطرِّفين".

ولمَّا سُئِل لاحقاً عمَّا كان قاله قديماً عن الإسلام قال: إنَّه لم يكن يعني ما يقول، وأنَّ الأمر كان فقط يخضع للانضباط التنظيمي في الحزب!

كما أنَّ "يوب كوهين" عمدة أمستردام من 2001م عن حزب العمل ورئيس الحزب حالياً -عُيِّنَ في منصبه في الحزب في أبريل الماضي- قدَّم التهنئة -أيضاً- لفيلدرز وحزبه في لحظة الاحتفال بفوز حزب "كوهين"، وهو حزب العمال؛ ما أدى إلى تململٍ خفيفٍ, وأصواتٍ في الصالة من بعض أعضاء الحزب!

و"يوب كوهين" هو من أصل يهودي، إلا أنَّه يقف على النقيض من فيلدرز في قضية الإسلام والمسلمين.. يقف في موقف مشَرِّفٍ وإيجابي في دفاعه عن التعدُّدية وعن المسلمين، ويبدو أنَّه يخاف أيضاً من انتشار العدوى الفيلدرية إلى العداوة لغير المسلمين أيضاً، كاليهود والغجر والسود والمهاجرين عموماً..

وكوهين عانى بسبب هذه المواقف من هجوم مركَّزٍ من تعليقات فيلدرز اللاذعة، وفي وقت يمنع فيه فيلدرز من دخول إنجلترا نَجِدُ مجلة "تايم" الأمريكية تمنح كوهين لقب رجل 2005م؛ لفلسفته العملية في الحفاظ على التماسك الاجتماعي، ويبدو أنَّه سيشارك مع مارك وزارته في إدارة الدولة مع ائتلاف جديد للأحزاب.

والجدير بالذكر.. أنَّ الهجوم الأكبر في الفيلم الدعائي لفيلدرز وحزبه -كدعاية للانتخابات الأخيرة- خصَّص الجزء الأكبر منه للهجوم على كوهين، مدَّعياً أنه يُناصر الإسلام بصورة تامة, وأنَّه يُريد نشر الثقافة الإسلامية!

وعلَّق الفيلم على تواجد كوهين في مسجد إسلامي، وهو يشرب الشاي عقب مقتل المخرج الهولندي تيو فان خوخ (2004م) بالعنوان التالي: "شُرْبُ الشاي، هذا آخر ما نحتاج إليه"!!

إنَّ طبيعة فيلدرز الجافَّة والقاسية لم تترك أحداً يُفْلِتْ من خربشاته وتهكُّماته وقذارة لسانه، فقد أهان ملكة هولندا ورئيس الحكومة، وأعضاء كُثُرْ في البرلمان، وأهان الرسول العظيم محمداً رسولَ الإنسانية داخل البرلمان وخارجه, وأهان الإسلام والقرآن والحجاب, وأمر بإزالة القرآن من بيوت المسلمين! (كيف؟! لا أعرف!!), يُذَكِّرني هذا برواية رشدي " آيات شيطانية"، ومعلوم أنَّ رشدي أهان ملكة إنجلترا وتهكَّم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، ولم يَفْلِتْ من لسانه لا عوامُّ المسلمين ولا خواصُّهم.

لم تكن التطوُّرات في "المسألة الهولندية" أيضاً في صالح حزب العمل (PvdA) الذي يرأسه "يوب كوهين" الذي شارك في الحكومة السابقة مع حزب السيد "يان بيتر بالكينده"، ورغم ذلك فقد قال "كوهين" في حفلِ ما بعد نتائج الانتخابات: "الكثيرُ من الناس اعتقدوا أنَّ أمر حزب العمل قد قُضي، وأنَّه في طريقه إلى الموت، لكن انظروا إلينا، ها نحن لا نزال هنا".

وقد حصل حزب العمل PvdA على (30) مقعداً في البرلمان الجديد، أي: أنَّه في المرتبة الثانية، بيدَ أنَّه قد يُضطرُّ إلى العمل في حكومة ائتلافية مع فيلدرز، وهو ما لا يرغب فيه كوهين.

الحزب الاشتراكي SP الذي رفض -منذ زمن وبشدَّة- استمرار القوات الهولندية في أفغانستان والعراق, فاز في الانتخابات الأخيرة بـ(15) مقعداً، وهو حزب يحظى لدي الأجانب والمهاجرين بالقبول؛ نظراً لدفاعه عنهم وتبنِّي بعض قضاياهم.

ومثله في مسائل "حزب اليسار الأخضر" Groen Links فقد فاز بـ(10) مقاعد، وقد حلَّقت "زعيمة حزب اليسار الأخضر "فيمكا هالسيما" فوق السحاب بـ "أحد عشر مقعداً", بحسب تعبير صحيفة تراو البروتستانتية يوم 10 يونيو، وفي حفل الحزب بعد إعلان نتائج الانتخابات "هللوا لها كنجمة سينمائية"؛ ما دعاها إلى أنْ تقول لهم: "إننا الحزب اليساري الوحيد الذي فاز اليوم".

أما الحزب السياسي الإصلاحي -وهو حزب مسيحي بروتستانتي (SGP)- فقد فاز بمقعدين فقط، وهو حزب يمنع النساء من الترشح كأعضاء عنه؛ ولذلك فمشاكله الداخلية والنقد الخارجي يمثِّلان عائقاً كبيراً أمام تقدُّمه، ويَعتبِرُ رئيس الحزب "باس فان در" أنَّ اتِّبَاعَ الإنجيلِ هو الأصل، وهذه القضية معروضة اليوم أمام المحكمة العليا في هولندا، وهي أعلى هيئة قضائية؛ وذلك للبَتِّ في قانونية منع النساء من الحزب للترشح داخل الحزب وفي البرلمان، أمَّا ديمقراطيو (66) (حزب D66) -يتمَّ تصنيفه على أنه "يساري ليبرالي"- فقد حاز على (10) مقاعد, وهو الحزب الذي قال زعيمه عن فيلدرز "خيرت فيلدرز عنصري"، وذلك ردًّا على دعوة فيلدرز لفرض ضريبةٍ ماليةٍ على المرأة المحجَّبة لسبب حجابها, ويُطلقون عليها تهكُّماً: "ضريبة خرقة الرأس"! لملء الخزينة الهولندية بضرائب جديدة.

(قدم فيلدرز في هذه القضية المثال على اجتماع الجهل مع الحقد في شخص واحد! وإلا فليخبرني أحد: ضريبة على الحجاب! كيف؟! وهو ما يعني أنَّ فيلدرز فَقَدَ صوابه بحشر القضية الإسلامية بصورة تهكُّمية لا عقلانية ولا واقعية فيها في كل قضية، كيف سيجمع ضرائبه لسدِّ جوع الجوعى؟! اللهم إلا أن يقوم بإحصاء رؤوس المحجَّبات بجيوش من الشرطة في الشوارع والمدارس والجامعات والإدارات!).

قدم فيلدرز هذا الحل العبقري (!) أثناء مناقشة ميزانية 2010م في البرلمان الهولندي، وكأنَّ صورة المسلم تتراءى له في مكتب الضرائب والبرلمان والشارع وفي ظله, وفي ترحاله وحله، أما حزب الاتحاد المسيحي (CU) فقد فاز بخمسة مقاعد، وتعليقاً على هذه الهزيمة للحزب علَّقت صحيفة "إن. سي. آر. نيكست" بعنوان بارز: "الاتحاد المسيحي نادم على موقفه تجاه المثليَّة".

أما حزب السيدة "ريتا فردونك" المسمى "فخور بهولندا" فلم يحصل على أي صوت، وكانت ريتا قد فُصلت -كما تقول هي- من الحزب الليبرالي الفائز اليوم برئاسة الحكومة الجديدة، بعد أن كانت وزيرة الهجرة في حكومة سابقة مُقالة، وكانت سياستها اليمينية معادية للهجرة، وبهذه النتيجة لحزبها الجديد فإنها -كما تقول صحيفة تلغراف- "ستختفي من البرلمان الهولندي"، ومع موقفها المتشدِّد من الهجرة، إلا أنها كانت سبباً في سقوط حكومة سابقة بسبب قيامها بفضح الصومالية الحاقدة على الإسلام "أيشي على"، فهذه الأخيرة دخلت البرلمان الهولندي، ومن قَبْلِهِ حصلت على الجنسية الهولندية، لكن السيدة ريتا فردونك قامت بفضح تزويرها في أوراقها الشخصية التي قدمته يومئذ لطلب اللجوء لهولندا؛ بحجَّة أنَّ والدها أرغمها -في الصومال- على الزواج مِنْ رجلٍ لا تريده؛ ما أدَّى بها إلى الهروب ودخول هولندا، وإعلان الإلحاد ومعاداة الإسلام في البرلمان، والإعلام بصورة مستفزة.. فكيف يُمكن قُبول هذه المزاعم من امرأة في قوَّتها، وهي التي وصلت إلى الفوز بمقعد في البرلمان الهولندي؟! والسؤال الذي نسأله اليوم:

هل هي مسلمة الأصل؟ وفي أي جُحرة تمَّ تصنيعها لمحاربة الإسلام والمسلمين؟

المشهد مأساوي وقدرة الناخب على الإرباك

تُعبِّر صحيفة دي بيرس التي توزَّع مجاناً عن المشهد المأساوي لنتائج الانتخابات الهولندية (10 يونيو مكرَّر): "الناخبون أربكوا كل الحسابات"، وتصف الصحيفة المشهد: "نصر كبير لحزب فيلدرز المعادي للإسلام، ومشهد سياسي ممزق تماماً، هذا ما اختاره الهولنديون وسط أزمة اقتصادية صعبة"، وتقول صحيفة تراو في نفس اليوم أيضاً: "لقد حمَّل الناخبون لاهاي مهمة مستحيلة"، وكانت نسبة (74%) من الناخبين قد توجَّهوا إلى صناديق الانتخابات، ويُرجع البعض سبب قلَّة الناخبين بهطول المطر في ذلك اليوم، ويفسِّره آخرون بسخطِ مجموعةٍ من الناخبين، وتقول صحيفة ألخمين داخبلاد "من الصعب إدراك عدم اكتراث جمهور الناخبين واللامبالاة في هذه الأوقات العصيبة".

أيضاً علَّقت صحيفة "دي تلغراف" يوم 11 يونيو -أي: بعد الانتخابات بيومين- على المشهد بقولها: "لعبة الكراسي الموسيقية قد بدأت للتو"، وقالت صحيفة "تراو" الهولندية ذات التوجُّه البروتستانتي: "مهمة (مارك روته) أصبحت أكثر تعقيداً، فالفائزون في الانتخابات يجب أن يتفاوضوا مع بعضهم البعض من فوق بيض الدجاج، وفيلدرز سجَّل نقطة جديدة لصالحه".

وأشارت الصحيفة أنَّ دخول حزب فيلدرز في الحكومة مع الحزب الأكثر مقاعد مع أحزاب يسار الوسط سوف يمثِّل مخاطر على الأوضاع، وهي مغامرة محفوفة بالمخاطر، وقد نَشرت صحيفة "أن آر سي" على صفحتها الأولى –يوم 11 يونيو- صورةَ فيلدرز وقوله: "أنا جاهز"، وكما قالت صحيفة الخمين داخبلاد: فإنَّ "حزب الحرية مستعدٌّ لفعل أي شيء مقابل المشاركة في الائتلاف"؛ ولذلك عرض التنازل عن بعض مطالبه التي تُثير المشاكل.

كتبت صحيفة ألخمين داخبلاد -يوم 14 يونيو- تحت عنوان: "الاتفاق الصعب مع حزب الحرية" يقول أصحاب النفوذ في الحزب الليبرالي والمسيحي الديمقراطي: إنَّ تشكيل ائتلاف حكومي مع فيلدرز غير مرغوب به".

إنَّ نتائج الانتخابات لا تُبشِّر باستقرارٍ قريبٍ في المجتمع الهولندي؛ لعدم ثقة الشعب في التطوُّرات المقبلة في البلاد, خصوصاً أنَّ فيلدرز دخل المشهد الحديث بثقة وقوَّة، وتحت وقع إرهابه للبرلمانيين المعارضين له، وهذه الشجاعة تجذبُ إليه بعض القوميين والعنصريين والشباب المتحمِّس لبلاده.

وقد تؤدِّي التداعيات إلى حالةِ فوضى مقبلة، سيلعب فيلدرز على أوتارها بطريقته الاستفزازية، وهو ما سيؤدِّي إلى مزيدٍ من المؤيِّدين له؛ لسبب نقمتهم على الأوضاع، ولإتقان فيلدرز للعزف الإرهابي الضارب على أوتار الوجع والقلق وخيبة الأمل, والقومية العنصرية عند طوائفَ من الشعب ينتمون إلى كل طبقات المادية, فيبدو لهم الزعيم وكأنه نورٌ هادٍ، بينما هو في الحقيقة نارٌ تنجذب إليها الفراشات الهائمة بحسبانه نوراً! وذلك مع الوقت سيسبِّب نظرة سوداوية ضِدَّ المسلمين إنْ لم يتداركِ السياسيون في الداخل والخارج تداعياتِ الصورة القاتمةِ، فلقد أوجد لهم فيلدرز ومَن وراءه -من طائفة الإعلاميين الغربيين وبعض المستشرقين- الذين يسعون لتقديم الإسلام كبش فداء على مذبحة جشعهم، وخواء حياتهم الروحية والأخلاقية والاجتماعية, وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتفاقهم الأزمات الاقتصادية والسياسية والنفسية والأخلاقية في الغرب..

من هنا تبدأ السياقات الاجتماعية والسياسية المغلوطة والمحركة بإثارة الأحقاد والانتقام من البريء؛ ولذلك نقول: إنَّه إذا وصلت الأوضاع إلى مرحلة الخطر الفعلي -بفعل حراك الكراهية الفيلدرية والاستشراقية من وراءها- فلن يستطيع أحدٌ السيطرة عليها..

قد يبدو هذا الأمر بعيداً؛ لوجود ترسانة من القوانين والضمانات المكتسبة، إلا أنَّ العالم يتغيَّر إيقاعه تغيراً ملحوظاً، ولم نرَ يوماً أنَّ الأحقاد تحترم القانون إلا للحاجة.

فيلدرز يُخَلْخِلُ في بلد الأمان.

من المعلوم أنَّ هولندا -في الداخل الهولندي- بلدُ أمان وتسامح، ولكن يبدو أنَّ فيلدرز لا يُريد لهذا المناخ أن يستمر، وهو يظنُّ أنَّه قد وجد كبش فدائه في المسلمين، ومن قبل ظَنَّ "بم فورتاون" هذا الظن -كان هذا البرلماني الهولندي أشدَّ من فيلدرز عنفاً وقسوة على الإسلام والمسلمين- فأطلق القدر عليه رصاص رجلٍ هولندي من المدافعين عن الحيوانات -اغتيل "بم" في 2002م- فما لا يعمل فيلدرز له حسبان هو أنَّه بإثارته حفيظةَ الفئات الاجتماعية المختلفة، والمتعددة الثقافات والقناعات، التي تبحث عن مناخٍ آمنٍ؛ فإنها ستنطلق في فتنة عمياء تفعل ما لم يكن منتظر منها، مثل ذلك الهولندي الرقيق على الحيوانات الذي قسا قلبه على "بم فورتاون" ومخاريقه؛ فارداه قتيلاً في نفس اللحظة التي أعلن فيها "الزعيم" في لقاء إذاعي أنَّه –حتماً- سيصير رئيس وزراء هولندا!

تُحاول الحكومات المتعاقبة أن تُرَسِّخَ مبادئ التعايش بين فئات المجتمع، وتقوم باستمرار بترسيخ مبادئ الحوار الداخلي، وتعدُّد الثقافات والأديان, إلا أنَّ الأحقاد الراسخة دائماً ما تجد لها مناخاً مناسباً تُعاودُ الظهور من خلاله، مستغلَّة المشاكل وخيبة الآمال الاقتصادية والسياسية.

وَوَقْعُ الخوف في المجتمع يزداد من سطوة وطيش فلدرز الإعلامية، فالرجل لا يُمكن التنبؤ بتصرفاته، وفي ذلك تقول صحيفة "دو بيرس" -يوم 10 يونيو-: إنَّ "الأحزاب التقليدية غير متحمِّسة لقبول حزب الحرية، فهي تعتبره راديكالياً ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته وتمييزياً وسيئاً لصورة هولندا في الخارج".

أما المسلمون فهم متوجِّسون من الأوضاع الجديدة، وإنْ كانت نتائج الانتخابات أشعرتهم بالثقة في الأحزاب الكبيرة والمتقدِّمة، والشيء الذي يُثير مخاوفهم حقاً: هو دخول حزب الحرية المعادي للإسلام الائتلاف الحكومي الجديد.

يُحاول السياسيون تفادي دخول فيلدرز حكومة ائتلاف جديدة قد تسبِّب أزمات داخلية وخارجية خطيرة الأبعاد، فيما نرى فيلدرز يتقرب إليهم في اللحظة الحالية, وبالتنازل ظاهراً وإعلامياً عن ما يثير حفيظتهم تجاهه!

والأيام القادمة ستخبرنا عن الجديد، لكن دعونا نعرض أفكار فيلدرز تجاه الإسلام وموقفه من الإسلام والمسلمين.

وفي طريقنا إلى موقفه سيمكِّننا عرض موقفه من الشخصيات العامة، ومنها: ملكة هولندا نفسها، وغير ذلك من أمور قد تُفيد في الاطلاع على شخصية فيلدرز العصابية، وتُشير لنا عن مصدر انفعالاته ضِدَّ الإسلام واستغلال بعض المستشرقين الهولنديين لشخصيته العدوانية ليقوم بدورٍ إعلامي وسياسي لطالما تمنَّوه من قبل.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 فتنة فيلدرز (النقد العلمي الإسلامي نموذجاً)

مبارك - الامارات الإثنين 18 أكتوبر 2010 10:33:19 بتوقيت مكة
   وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
فيلدرز احقاد تمشي على الارض ضد نورالاسلام وهيهات ان يحقق مبتغاه.

قال الله تعالى:(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7