الرئيسة من صفحات التاريخعام 2009حقوق المرأة في الإسلام
 
السبت 17 أكتوبر 2009


حقوق المرأة في الإسلام

لا يستطيع أحد أن ينكر ما أكرم به الإسلام المرأة، وما أحاطها به من عناية واهتمام، ويزداد الأمر وضوحًا إذا نظرنا إلى حال المرأة قبل الإسلام، وكيف كان يتم التعامل معها، سواءً عند الرومان أو الفرس أو الهنود أو العرب أو غيرهم.
وقد تنوعت الحقوق التي أفاض بها الإسلام على المرأة، ابتداءً من حق الحياة، حيث كانوا في الجاهلية يقتلون الإناث خوف الفقر والعار، وكذلك حق الملكية والتصرف بأموالها، وحق الموافقة على الخاطب أو رفضه، وحق العلم والتعلُّم، وحق مفارقة الزوج إن تعسرت الحياة بينهما، وكذلك الحق في إعطاء الأمان والجوار.
بل إن هناك أمورًا تميَّزت فيها المرأة على الرجل في شريعة الإسلام، كإسقاط بعض العبادات عنها، وضمان النفقة لها...

غير أن بعض الغربيين وأعداء الإسلام قد أثاروا بعض الشبهات التي توحي بظلم الإسلام للمرأة وهضمه لحقوقها، كتعدد الزوجات، والطلاق، والقوامة، والتأديب، وهي كلها أباطيل تم الردُّ عليها بالحجج والبراهين والدلائل الواقعية.

مزيد من التفاصيل

المرأة في الحضارات الأخرى
تبوَّأت المرأة في الإسلام مكانة سامقة, لم تبلغها في ملَّة ماضية, ولم تُدْرِكْها في أُمَّة تالية، وقد أَناط بها الشرع المسـئوليات التي تُلائم طبيعتـها وتكوينها الخِلْقِيِّ واستعدادها الفطري ودورها في الحياة، وجعلها بمستوًى واحدٍ مع الرجل في مجال الحقوق العامـَّة، ومنحها الإسلام من الحقوق منذ أربعةَ عَشَرَ قرنًا ما لا تزال المرأة الغربيَّة تُصارِع الآن للحصول عليه، ولكن هيهات! فهي بوصفها أُمًّا أو بنتًا أو أُخْتًا أو زوجة تَلْقَى كلَّ عناية وتقدير ممَّا ليس له نظير في غير دين الإسلام.
وإذا أردنا معرفة مكانة المرأة في الإسلام على وجه الحقيقة فلا بُدَّ لنا أوَّلاً من استجلاء وَضْعِها في الجاهليَّات القديمة والمعاصرة, لنرى الظلام الحقيقي الذي عانته، ومن ثَمَّ يستقيم لنا تقييم موقفها في ظلِّ الإسلام.
1- الحضارة الرومانية
فقد قضت الحضارة الرومانيَّة أن تكون المرأة رقيقًا تابعًا للرجل، لها حقوق القاصر، أو لا حقوق لها على الإطلاق، وقد اجتمع في روما مَجْمَعٌ كبير وبحث في شئون المرأة، فقرَّر أنها كائن لا نَفْسَ له، وأنها لهذا لن تَرِثَ الحياة الأُخْرَوِيَّة، وأنها رِجْس، يجب ألاَّ تأكل اللحم، وألاَّ تَضْحك، وعليها أن تُمْضِيَ وقتها في الصلاة والعبادة والخدمة، وليس لها الحقُّ في أن تتكلَّمَ، هذا غير العقوبات البدنيَّة التي كانت تُوَقَّع عليها باعتبار أنها أداة الإغواء، يستخدمها الشيطان لإفساد القلوب[1].
وكانت المرأة في أثينا تُعتبر من سَقَطِ المتاع، فكانت تُباع وتُشترى، وكانت تُعَدُّ رِجْسًا من عمل الشيطان.
2- عند الهنود
كما قضت شرائع الهند القديمة أنَّ الوباء والموت والجحيم والسمَّ والأفاعي والنار خير من المرأة، وكان حقُّها في الحياة ينتهي بانتهاء أَجَلِ زوجها الذي هو سيِّدها ومالكها، فإذا رَأَتْ جثمانه يُحْرَق أَلْقَتْ بنفسها في نيرانه، وإلاَّ حاقت عليها اللعنة الأبديَّة.
وجاء في شرائع "منو دهر ما ساسترا" عن المرأة ما يلي: تعيش المرأة وليس لها خيار، سواء كانت بنتًا صغيرة، أو شابة، أو عجوزًا، فالبنت في خيار أبيها، والمتزوِّجة في خيار بَعْلِها، والأرملة في خيار أبنائها، إن عاشت بعد وفاته، ولا تتزوَّج بعد وفاة زوجها أبدًا، بل تهجر ما تشتهيه من الأكل واللبس والزينة حتى تموت، ولا تملك الزوجة شيئًا، وكلُّ ما تُحْرِزه يذهب توًّا لزوجها[2].
3- عند الفرس
وعند الفُرْسِ أُبِيحَ الزَّوَاج بالأُمَّهات، والأخوات، والعمَّات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وكانت تُنْفَى الأنثى في فترة الطَّمْث إلى مكان بعيد خارج المدينة، ولا يجوز لأحد مخالطتها إلاَّ الخُدَّام الذين يُقَدِّمون لها الطعام، وفضلاً عن هذا كلِّه فقد كانت المرأة الفارسيَّة تحت سُلْطَةِ الرجل المطْلَقَةِ، يحقُّ له أنْ يحكم عليها بالموت، أو يُنْعِمَ عليها بالحياة[3].
4- في العهد القديم
أمَّا رأي العهد القديم في المرأة فقد وضَّحه سفر الجامعة في الكلمات الآتية: "دُرْتُ أنا وقلبي لأعلم ولأبحث ولأطلب حكمة وعقلاً، ولأعرف الشرَّ أنه جهالة، والحماقة أنها جنون، فوجدتُ أمرَّ من الموت: المرأة التي هي شِبَاك، وقَلْبُها أشراك، ويداها قيود"[4].
أمَّا الكنيسة الكاثوليكيَّة فإن الكاتب الدانمركي Wieth Kondsen يشرح اتجاهها نحو المرأة بقوله: خلال العصور الوسطى كانت العناية بالمرأة الأوربيَّة محدودة جدًّا تَبَعًا لاتِّجاه المذهب الكاثوليكي الذي كان يعدُّ المرأة مخلوقًا في المرتبة الثانية.
وقد لخصَّ قاسم أمين حالة المرأة في العصور القديمة بقوله: ترتَّب على دخول المرأة في العائلة حِرْمَانها من استقلالها، لذلك كان رئيس العائلة عند الرومان واليونان والجرمانيين والهنود والصينيين مالكًا لزوجته، وكان يملكها كما يملك الرقيق بطريق البيع والشراء، بمعنى أنَّ عقد الزواج كان يحصُل على صورة بيع وشراء، وكان الرجل يشتري زوجتَه من أبيها، فتُنْقَل إليه جميعُ حقوق الأب، ويجوز للزوج أن يتصرَّف فيها بالبيع لشخص آخر[5].
5- في الجزيرة العربية قبل الإسلام
أمَّا وَضْعُ المرأة في الجزيرة العربيَّة فقد لخَّصه عمر بن الخطاب t بقوله: "والله إن كُنَّا في الجاهلية ما نعدُّ للنساء أمرًا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل"[6].
فلم يكن للمرأة حقُّ الإرث، وكانوا يقولون في ذلك: "لا يرثُنَا إلاَّ مَنْ يحمل السيف ويحمي البَيْضَة"، فإذا مات الرجل وَرِثَهُ ابنه، فإن لم يكنْ فأقرب من وُجِدَ من أوليائه، أبًا كان أو أخًا أو عمًّا، على حين تُضَمُّ بناته ونساؤه إلى بنات الوارث ونسائه، فيكون لهنَّ ما لهنَّ، وعليهنَّ ما عليهنَّ، ولم يكن لها على زوجها أي حقٍّ، وليس للطلاق عددٌ محدود، ولا لتعدُّد الزوجات عدد مُعَيَّن، وكانوا إذا مات الرجل وله زوجة وأولاد من غيرها كان الولد الأكبر أحقَّ بزوجة أبيه من غيره، فهو يَعْتَبِرها إرثًا كبقيَّة أموال أبيه[7].
وقد عبَّر القرآن الكريم عن مكانة المرأة في المجتمع العربي الجاهلي في قوله تعالى: "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ.[8]"، فكان الوَأْد عادة من أشنع العادات في الجاهليَّة، وإذا ما نَجَت الوليدة العربيَّة من الوأد وَجَدَتْ غالبًا في انتظارها حياة ظالمة
ولم يكن حقُّ المرأة في الزواج عند العرب بمَعْزِل عن الفساد أيضًا؛ إذ كانت تُزَوَّج على مَن لا تَرْتَضِيَه في أنواعٍ من أنْكِحَة الشَّغَار والبَدَل والاستبضاع والإكراه على البغاء، وإذا غَضِب عليها زوجُها تركها معلَّقة، لا هي بذات زوج ولا هي بمطلَّقة، كما كانت المرأة تُستَخدم في أحطِّ الأعمال كالدعارة؛ حتى كانوا يعدُّون أشكالاً هي من الدعارة يعدونها من الزواج؛ فقد روى البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "إِنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ:
- فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا.
- وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلاَنٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلاَ يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاِسْتِبْضَاعِ.
- وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلاَنُ. تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ الرَّجُلُ.
- وَنِكَاحُ الرَّابِعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لاَ تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمُ الْقَافَةَ ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ وَدُعِيَ ابْنَهُ لاَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ"[9].

هذا، وقد بَقِيَت المرأة مستضعَفَة مهـضـومة الـحقوق, مَهِيضَة الجناح, مسلوبة الإرادة، حتى جاء الإسلام بشريعته الغرَّاء ووَضَعَ الميزان الحقَّ في إقراره لكرامة المرأة وإنسانيَّتها وأهليَّتها؛ لأداء رسالة سامية في المجتمع, وأعطاها مكانة عالية؛ لِتَجِدَ ممَّن حولها التقدير والاحترام اللائق بها، كأُمٍّ مربِّيَة للأجيال, وزوجة لها حقوق وعليها واجبات, وفتاة يُصَانُ عِرْضُها مِن عَبَث العابثين وأصحاب الشهوات[10].

[1] عفيف طيارة: روح الدين الإسلامي، ص 281.
[2] انظر أحمد شلبي: مقارنة الأديان 4/72، 74.
[3] محمد رشيد رضا: حقوق المرأة في الإسلام، ص 27، 28.
[4] الإصحاح السابع، الفقرتان 25 – 26.
[5] انظر: كتاب المرأة الجديدة، ص 18.
[6] البخاري: كتاب التفسير، باب تفسير سورة الطلاق، (4629)، عن ابن عباس t، وابن حجر: فتح الباري 8/ 658.
[7] انظر: محمد أحمد إسماعيل المقدم: المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية، ص 57.
[8] (النحل: 58، 59).
[9] البخاري: كتاب النكاح، باب من قال لا نكاح إلا بولي، (4834).
[10] راجع فاطمة بنت خليل محمد محسن: دور المرأة المسلمة بين الأصالة والمعاصرة، على الرابط:
http://www.yasaloonak.net/woman/woman1.asp#.
كلكم لآدم وآدم من تراب
وبداية وقبل الخوض في حقوق المرأة في نظر الإسلام يجب أن نُدرك أنَّ الإسلام قد قرَّر أنَّ المرأة والرجل خُلِقَا من أصل واحد، ولهذا فالنساء والرجال في الإنسانيَّة سَوَاء، قال تعالى: "يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[1]"، وقال أيضًا: "يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[2]".

فقضى الإسلام على مبدأ التَّفْرِقَة بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانيَّة المشترَكة، كما قضى على مبدأ التَّفْرقة بينهما أمام القانون وفي الحقوق العامَّة، وجعل المرأة مساوية للرجل في هذه الشئون[3].

[1] (النساء: 1).
[2] (الحجرات: 13).
[3] علي عبد الواحد: حقوق الإنسان في الإسلام ص 52.
خير متاع الدنيا...
وفي ذلك فقد قال الله U: "لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وقال تعالى: "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وقال تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ"فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ[5]". وقال تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانوا يَعْمَلُونَ[6]".[4]". وقال تعالى: [3]".[1]". وقال تعالى: "لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ[2]".
وهكذا نجد هذه الآيات وسِوَاها تجمع الذكر والأنثى تحت حُكْم واحد، وتقضي قضاء مبرمًا على التفرقة بين الرجل والمرأة، بل إنَّ الفكر الإسلامي يجعل للمرأة نصيبًا يُعَادِل نصيب زوجها في جهاده عن الوطن وسعيه للمعاش، إذا أحسنت الزوجة العِشْرَة ورَعَتْ غيبة الزوج[7]r لتقول له: إنَّ الرجال يخرجون للجهاد، ويشهدون الجنائز، ونحن في البيوت نحفظ لهم الأموال ونربِّي الأولاد، فهل نشاركهم في الأجر؟ فقال الرسول r:"يَا أَسْمَاءُ، أَعْلِمِي مَنْ وَرَاءَكِ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّ حُسْنَ تَبَعُّلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِهَا، وَطَلَبَهَا مَرْضَاتَهُ، تَعْدِلُ كُلَّ مَا ذَكَرْتِ". فانصرفت أسماء وهي تهلِّل وتُكَبِّر استبشارًا[8].، فقد ورد أن رفيقاتٍ لأسماء بنت يزيد الأنصاريَّة بعَثْنَ بها للرسول
وقد أكرم الله تعالى المرأة بنتًا وأمًّا وزوجةً، فقال في كتابه العزيز عن حقِّ الأم: "وَوَصَّيْنَا الإنسَان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[9]".
وقال الرسول r: "الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ"[10]، وقال أيضًا: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا..."[11].

أمَّا تكريمها بنتًا فقد قال رسول الله r: "مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ"[12].

[1] (النساء: 7).
[2] (النساء: 32).
[3] (البقرة: 228).
[4] (التوبة: 71).
[5] (آل عمران: 195).
[6] (النحل: 97).
[7] أحمد شلبي: مقارنة الأديان 3/ 213 .
[8] البيهقي: شعب الإيمان، الستون من شعب الإيمان وهو باب في حقوق الأولاد والأهلين، (8743).
[9] (الأحقاف: 15).
[10] مسلم: كتاب الرضاع، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، (1467)، عن عبد الله بن عمرو.
[11] البخاري: كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، (4890)، عن أبي هريرة، ومسلم: كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، (1468).
[12] البخاري:كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، (5649)، عن عائشة أم المؤمنين، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الإحسان إلى البنات، (2629).
مظاهر رحمة الإسلام بالمرأة
وكان من مظاهر رحمة الإسلام بالمرأة ما تجسَّد في الحديث الذي روته أميمة بنت رُقَيْقَة التيمية حيث قالت: أتيت رسول الله r في نسوة من المسلمين لنبايعه، فقلنا: يا رسول، الله جئنا لنبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف. قالت: فقال رسول الله r: "فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَعْتُنَّ"، قالت: قلنا: "الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا..."[1].
كما تجسَّد أيضًا حين اشتدَّ غضب النبي r وشقَّ عليه لِمَا كان من ضَرْب جارية قد أخطأت!!
فقد روى معاوية بن الحكم السلمي t فقال: "كانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبَل أُحُد وَالْجَوَّانِيَّةِ، فاطلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صَكَّة، فأتيت رسول الله r، فعظَّم ذلك عليَّ، قلتُ: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: "ائْتِنِي بِهَاأَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ"[2].". فأتيته بها، فقال لها: "أَيْنَ اللَّهُ؟" قالت: في السماء. قال: "مَنْ أَنَا؟" قالت: أنت رسول الله. قال: "
وفي مثل ذلك روى هلال بن يَسَافٍ، قال: عجل شيخ فلطم خادمًا له، فقال له سويد بن مُقَرِّن: عجز عليك إلاَّ حُرُّ وجهها، لقد رأيتني سابع سبعة من بني مُقَرِّن ما لنا خادم إلاَّ واحدة، لطمها أصغرنا، فأمرنا رسول الله r أن نعتقها[3].
كما كان من مظاهر رحمة الإسلام بالمرأة أنه حرَّم قتلها أثناء الحروب؛ فعن أنس بن مالك t أن رسول الله r قال: "انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، لا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلا طِفْلاً، وَلا صَغِيرًا، وَلا امْرَأَةً، وَلا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا، وَأَحْسِنُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[4]."
أمَّا المرأة الحائض التي كانت تُعْتَبَر رِجْسًا فيما سبق فقد كان للإسلام معها شأن آخر، وفي ذلك تروي أُمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول: "كُنْتُ أَشْرَبُ مِنَ الإِنَاءِ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ r، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ[5]r، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ"[6]. وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ
وأمَّا تكريم المرأة بصفة عامَّة وصيانة سيرتها، فذلك ما لا نحسب شريعة من الشرائع حاطتهما بمثل حِيَاطة الإسلام لهما، ويكفي في ذلك أنَّ الله U اشتدَّ في كتابه الكريم على قاذفي النساء في أعراضهن بأشدَّ ممَّا اشتدَّ على القَتَلَة وقُطَّاع الطُّرُق، فقد قال I: "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[7]"، وقال أيضًا: "إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[8]".
فجعل I للقاذف عقوبة ثمانين جلدة، ثم دعم هذه العقوبة بأخرى أشدَّ وأخزى، وهي اتهامه أَبَدَ الدهر في ذِمَّته واطِّراح شهادته، فلا تُقْبَل له شهادة أبدًا، ثُمَّ وَسَمه بعد ذلك بسِمَة هي شرُّ الثلاثة جميعًا، وهي سمة الفسق ووصمة الفجور، ثم عاود أمرهم بما هو أشدُّ وأهول، وهو اللعن والعذاب! وإن في حديث الإفك، وما أفاض الله في شأنه لموعظة وذكرى لقوم يعقلون[9].

وبصفة عامَّة فالمرأة في الإسلام هي نصف المجتمع, وهي تلد النصف الثاني؛ فهي الأُمَّة بأسرها، وقد قال الرسول r: "إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ"[10].

[1] النسائي: السنن الكبرى، كتاب السير، بيعة النساء، (8713)، وأحمد: (27051)، وابن حبان: (4553)، والحاكم: (6946), وقال الألباني: صحيح. انظر: السلسلة الصحيحة (529).
[2] مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة، (537).
[3] مسلم: كتاب الأيمان، باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده، (1658).
[4] أبو داود: كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين، (2614)، والبيهقي: السنن الكبرى (17932)، وابن أبي شيبة في المصنف 6/483.
[5] العرْق: العظم عليه بقية اللحم، ويقال: تعرقته واعترقته، إذا أخذت منه اللحم بأسنانك. انظر: شرح السيوطي على مسلم 2/ 68.
[6] مسلم: كتاب الحيض، باب جواز غسل رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها، (300).
[7] (النور: 4).
[8] (النور: 23).
[9] محمد أحمد إسماعيل المقدم: المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية، ص 96.
[10] أبو داود: كتاب الطهارة، باب في الرجل يجد البلة في منامه، (236)، عن عائشة رضي الله عنها.
حقوق المرأة في الإسلام
وعلى هذا فإن هناك حقوقًا أخرى أعطاها الإسلام للمرأة وأكرمها بها عن مثيلاتها في كل الديانات والمذاهب والملل المعاصرة والغابرة، منها[1]:
1- حقُّ الحياة
فقد حَرَّم الله U وَأْدَها كما كان يَصْنَع بها العرب في الجاهلية، وشنَّع القرآن الكريم على أهل الجاهلية بسبب وَأْدِهم البنات ومهانتها عندهم، فقال U: "وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ[2]"، وقال تعالى: "وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ[3]".
وفي ذلك يروي عمر بن الخطاب t فيقول: جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبي r فقال: إني وَأَدْتُ في الجاهليَّة ثمان بنات. فقال: "أَعْتِقْ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ نَسَمَةً"[4].
وعن يحيى بن أبي وَرَقَةَ بن سعيد، عن أبيه، قال: أخبرتني مولاتي كبيرة بنت سفيان، وكانت قد أدركت الجاهلية، وكانت من المبايعات، قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وَأَدْتُ أَرْبَعَ بنينَ لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ: "أَعْتِقِي أَرْبَعَ رِقَابٍ". قَالَتْ: فَأَعْتَقْتُ أَبَاكَ سَعِيدًا، وَابْنَاهُ مَيْسَرَةَ، وَجُبَيْرًا، وَأُمَّ مَيْسَرَةَ[5].
2- حقُّ الملكية والتصرُّف بأموالها
لقد أعطى الإسلام للمرأة حقَّ ملكية الميراث، كما أعطاها حقَّ التصرف بأموالها، فلها أن تبيع وتشتري وتتصدَّق من أموالها كما تشاء، فهي كاملة الأهليَّة، وإذا كانت عاملة فهي تستطيع أن تتصرَّف بمالها وتنفق منه بالطريقة التي تُرِيد وَفْق الأحكام الشرعيَّة، وجمهور أهل العلم من الحنفيَّة والشافعيَّة والحنابلة على أنَّ من حقِّ المرأة التصرُّف في مالها بدون إذن زوجها، واستدلُّوا بآيات الله التي تخاطِب المرأة والرجل بصيغة واحدة، فيقول تعالى: "يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا". كما استدلُّوا بالمساواة المقرَّرة في غالب الأحكام الشرعيَّة بين الرجل والمرأة حيث قال تعالى: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ[6]". كما استدلُّوا بسُنَّتِهِ r العمليَّة.
ومنها قصة إعتاق ميمونةَ زوجِ الرسول r وليدتَهَا بدون علمه، وإقراره لها على ذلك، فعن ميمونة بنت الحارث، رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله r، فذكرت ذلك لرسول الله r، فقال: "لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ"[7].
وكذلك قصة أُمِّ الفضل بنت الحارث، قالت: "إن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله r، فقال بعضهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه بقدح لبن، وهو واقف على بعيره بعرفة، فشربه"[8].
كما تصرَّفت أُمُّ الفضل في هذا اللبن، وهو من مالها، فأرسلت إلى الرسول r، فأقرَّها وشربه، ولو كان تصرُّفُها غيرَ شرعي لبَيَّنَ ذلك.
قال النووي رحمه الله – وهو يُعَدِّدُ بعض فوائد هذا الحديث- : "ومنها أنَّ تصرُّف المرأة في مالها جائز، ولا يشترط إِذْن الزوج، سواء تصرَّفت في الثلث أو أكثر، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك: لا تتصرَّف فيما فوق الثلث، إلاَّ بإذنه، وهو موضع الدلالة من الحديث أنه r، لم يسأل: هل هو من مالها ويَخْرُجُ من الثلث، أو بإذن الزوج أَمْ لا؟ ولو اختلف الحكم لسأل.
ومن أكبر الأدلة على حقِّ المرأة في تصرُّفها في مالها، بدون إذن زوجها، حَثُّ الرسول r النساء على الصدقة، واستجابتهن لذلك، وتصدُّقهن بحليهن، كما روى ذلك ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني عطاء، عن جابر t، قال: "إن النبي r قام يوم الفطر، فصلَّى فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب الناسَ، فلما فرغ نبي الله r، نزل وأتى النساء، فذكَّرهُنَّ وهو يتوكَّأ على يَدِ بلال، وبلال باسط ثوبه، يُلْقِين النساءُ صدقة". قلت لعطاء: زكاة يوم الفطر؟ قال: لا، ولكن صدقة يتصدَّقن بها حينئذ، تُلقي المرأة فتخها ويلقين[9].
ولم يحدَّ الشارع من هذا الحقِّ إلاَّ في حالة كون المرأة سفيهة أو غير قادرة على التصرف الجيد في المال حفاظًا عليها من الفتنة والسوء.
 
 
 
3- حقُّ الموافقة على الخاطب أو رفضه
فالمرأة كالرجل لها حقُّ اختيار الزوج المؤمن الصالح، ولا يجوز إجبارها على الاقتران برجل لا تريده؛ فقد قال رسول الله r: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا"[10].
وقال أيضًا r: "لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ". قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها ؟ قال: "أَنْ تَسْكُتَ"[11].
وقد جاءت الخنساء بنت خذام فأخبرت الرسول r بأنَّ أباها زوَّجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فردَّ نكاحه[12].
4- حقُّ العلم والتعلم
سواء أكان العلم في المسجد - كما كان في زمن الرسول r - أو في المدارس والجامعات كمـا هو في وقتنا الحالي؛ فقد قـال الـرسول r: "أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا... فَلَهُ أَجْرَانِ"[13]r يجعل للنساء يومًا ليعظَهُنَّ ويذكِّرَهُنَّ ويأمرَهُنَّ بطاعة الله تعالى.، وقد كان الرسول
5- حقُّ مفارَقة الزوج
فقد أباح الشرع الإسلامي للمرأة التخلُّص من الزوجيَّة بطريق الخُلْعِ في حال كون الكراهية من جهتها؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي r فقالت: يا رسول الله، ما أَنْقِم على ثابت في دين ولا خُلُق، إلاَّ أنِّي أخاف الكفر. فقال رسول الله r: "فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟" فقالت: نعم. فردَّت عليه حديقته، وأمره ففارقها[14].
6- الحقُّ في إعطاء الأمان والجوار

فللمرأة الحقُّ في أن تُعْطِيَ الأمان والجوار في الحرب أو السلم لغير المسلمين، وذلك كما فعلت أُمُّ هانئ بنت أبي طالب حينما أجارت رجلاً مشركًا، فأبى أخوها علي t إلاَّ أنْ يقتله؛ فكان قضاء الرسول r في هذه الحادثة: "أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"[15].

[1] فاطمة بنت خليل محمد محسن: دور المرأة المسلمة بين الأصالة والمعاصرة=.
[2] (التكوير: 8، 9).
[3] (الأنعام: 137).
[4] البيهقي: السنن الكبرى، كتاب الديات، باب ما جاء في الكفارة في الجنين وغير ذلك، (16202).
[5] الطبراني: المعجم الكبير، 25/15.
[6] (آل عمران :195)
[7] البخاري: كتاب الهبة وفضلها، باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج ، (2452)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين، (999).
[8]البخاري: كتاب الحج، باب الوقوف على الدابة بعرفة، (1578)، ومسلم: كتاب الصيام، باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة، (1123).
[9]البخاري: كتاب العيدين، باب موعظة الإمام النساء يوم العيد، (935)، ومسلم: كتاب صلاة العيدين، (885)، شرح النووي على صحيح مسلم (6/173).
[10] مسلم: كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت، (1421)، عن ابن عباس t.
[11] البخاري: كتاب النكاح، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها، (4843)، عن أبي هريرة t.
[12] البخاري: كتاب النكاح، باب إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحهم مردود، (4845).
[13] البخاري: كتاب النكاح، باب اتخاذ السراري ومن أعتق جاريته ثم تزوجها، (4795)، عن أبي موسى الأشعري.
[14] البخاري: كتاب الطلاق، باب الخلع وكيفية الطلاق فيه، (4973).
[15] البخاري: أبواب الجزية والموادعة، باب أمان النساء وجوارهن، (3000)، عن أم هانئ بنت أبي طالب، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى، (336).
تمييز المرأة على الرجل في الشريعة الإسلامية
ومع هذا كلِّه لا بُدَّ من الاعتراف والتسليم بأن هناك أمورًا تتميَّز فيها المرأة عن الرجل في الشريعة الإسلاميَّة مراعاة لمقتضى حال المرأة، واختلافها عن الرجل، ومن هذه الأمور[1]:
 
أولاً: إسقاط بعض العبادات عنها
سوَّى الشرع الحنيف بين المرأة والرجل في كثير من العبادات، فمن ذلك الوضوء والغُسْل والصلاة والصيام، إلاَّ أن تكون في حال حيض أو نفاس، عندها تتميَّز المرأة عن الرجل بنعمة إسقاط بعض العبادات، ولهذا الإسقاط صور كثيرة منها:
1- إسقاط الصلاة: قال الإمام النووي: "أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا تجب عليها الصلاة ولا الصوم في الحال"[2].
2- إلزامها بقضاء الصوم دون صلاة بعد زوال الحيض أو النفاس: قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن عليها الصوم بعد الطهر، ونفى الجميع عنها الصلاة".
3 - إسقاط طواف الوداع عن الحائض: ومن صور تمييز المرأة في الشريعة الإسلاميَّة أن الله سبحانه قد أسقط عنها طواف الوداع إذا حاضت، دون أن يفرض عليها أي فدية؛ قال الإمام الخرقي: "والمرأة إذا حاضت قبل أن تودع خرجت ولا وداع عليها، ولا فدية... وهذا قول عامة فقهاء الأمصار"[3].
ثانيا: الأمر بالقرار في البيوت
قال تعالى: "وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وأَطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[4]". فقد ميَّز الإسلام المرأة المسلمة عن غيرها من نساء العالمين، بأن اعتبرها جوهرة ثمينة يجب الحفاظ عليها؛ لبِنَاء خلايا المجتمع القادر على مواجهة مصاعب الدنيا وفِتَنِهَا؛ قال سيد قطب: "وليس معنى هذا ملازمة البيوت، فلا يبرحنها إطلاقًا، إنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن، وهو المقرُّ، وما عداه استثناء طارئًا لا يثقلن فيه، ولا يستقررن إنما هي الحاجة تُقْضَى بقدرها، والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى، غير مشوَّهة، ولا منحرفة، ولا ملوثة، ولا مكدورة في غير وظيفتها التي هيأها الله لها بالفطرة".
 
ثالثا: ضمان النفقة للمرأة
كذلك ضمن الإسلام نفقة المرأة على زوجها إن كانت متزوجة، وإلا فنفقتها على أصولها، وَفق التفصيل الذي أورده الفقهاء في كتبهم؛ قال تعالى: "والْوالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَولَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وسْعَهَا لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِولَدِهَا ولا مَولُودٌ لَهُ بِولَدِهِ وعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وتَشَاورٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَولادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[5]".
هذا، وإذا كان الإسلام قد قرَّر المساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء، فإنه لم يستثنِ من ذلك - كما يقول الدكتور أحمد شلبي - إلاَّ ما دعت الحاجة الواضحة إلى استثنائه، وذلك كالميراث؛ إذ قرَّر أن للذكر مثل حظِّ الأُنْثَيَيْنِ؛ وذلك لأنَّ المرأة معفاة من التكاليف الماليَّة قبل الزواج وبعده، فقبل الزواج يلتزم أبوها بالإنفاق عليها، وبعد الزواج يصير الإنفاق عليها وعلى أولادها مسئوليَّة الزوج، حتى ليرى بعض الباحثين أنَّ المرأة أوفر حظًّا في الميراث من الرجل، فلأن تأخذ المرأة خمسة وتدَّخرها، خير من يأخذ الرجل عَشَرة لينفق منها أو ينفقها كلها[6].

وعلى الرغم من كل هذه الحقوق ووضع المرأة المتميِّز في الإسلام؛ أُثِيرَتْ حوله عدَّة شُبُهَات[7].

[1] انظر الرابط:
http://www.lahaonline.com/index-counsels.php?option=content&id=7021&task=view§ionid=2#top
[2] النووي: شرح النووي على مسلم 4/ 26.
[3]الخرقي: مختصر الخرقي ص61.
[4] (الأحزاب: 33).
[5] (البقرة: 233).
[6] أحمد شلبي: مقارنة الأديان 3/ 213 .
[7] انظر في ذلك المصدر السابق، 3/ 215 وما بعدها.
شبهات وردود (تعدُّد الزوجات)
الأصل في الزواج في الإسلام هو الزوجة الواحدة، وقد سار على ذلك الأصل الغالبيَّة العظمى من المسلمين، بَيْدَ أن عوامل متعدِّدة تدفع الرجل - مسلمًا كان أو غير مسلم - إلى التزوُّج بزوجة أخرى، وتكون هذه الحالة ملحَّة أحيانًا، كعدم الولد، ومرض الزوجة الطويل، وعدم المقدرة على الصبر دون الاتصال الجنسي حِقبة الحيض والنفاس، وكالرغبة التي تغلب على بعض الرجال فتجعل حاجتهم الجنسيَّة لا يُطفئها إلاَّ عدد من الزوجات، وعن هذا النوع يقول الإمام ابن القيم: "ومن الناس من يغلب عليه سلطان هذه الشهوة بحيث لا تُحْصِنُه المرأة الواحدة، فيُسْتَحَبُّ لصاحبها الزيادة عن الواحدة إلى الأربع..."[1]. فهؤلاء وأمثالهم لم يَدَعْهُم الإسلام لقيادة الشيطان، بل رسم لهم ما يُحَقِّق رغبتهم أو بعضها في إطار حلال، وهو إباحة تعدُّد الزوجات.
هذا من جهة الرجل، فإذا جئنا إلى المجتمع وجدنا ظروفه كثيرًا ما تجعل تعدُّد الزوجات وسيلة لحلِّ مشكلة به، فلعلَّ تعدُّد الزوجات هو الوسيلة الصالحة لحلِّ مشكلة زيادة عدد النساء على الرجال، وبخاصَّة بعد الحروب والفتن حيث تصبح هذه الزيادة كبيرة، ولا نزاع أنه أكرم للمرأة حينئذ أن تتزوَّج متزوِّجًا من الرضا بعَلاقة الخليلة التي لا حقوق لها ولا لأولادها قِبَلَ الرجل، وأَكْرَمُ لها كذلك من حياة العانس؛ لما في هذه الحياة من حرمان وفقر[2].
على أن الحقيقة التي لا مِرَاءَ فيها أنَّ تعدُّد الزوجات لم يكن من صُنْعِ الإسلام، وإنما هو تشريع قديم عَرَفته كلُّ الحضارات، وفي مقدِّمتها التَّوْرَاة، كما أقرَّه الإنجيل إلاَّ في حالة واحدة هي حالة الأَسْقُفِّ، حيث لا يستطيع الرهبنة مع تعدُّد الزوجات فليكتف بزوجة واحدة، وقد بقي تعدُّد الزوجات معمولاً به في العالم المسيحي حتى حرَّمته القوانين الوضعيَّة[3].
يقول الأستاذ محمد فؤاد الهاشمي (العالِمُ الذي كان نصرانيًّا وأسلم): إن اعتراف الكنيسة بتعدُّد الزوجات بقي إلى القرن السابعَ عَشَرَ، وإنَّ جميع الأديان ومنها ديانة البراهمة وبوذا وعُبَّاد الوثن والمجوس، وكذلك المبادئ الوضعيَّة، قد سايرت الحياة الواقعيَّة، وجارت الطبيعة البشريَّة في شئون الزواج، ولكن كهنة المسيحيين أَبَوْا أن يُفَرِّطوا في مِفْتاح السجن؛ لأنَّ في ضياع هذا المفتاح ضياعًا لسلطتهم، ولم يقبل الإسلام تعدُّد الزوجات على النحو الذي عَرَفته حضارات الماضي، بل حدَّده بَعْدَ أن لم يكن محدودًا، ونظَّمه بعد أن كان لا نظام له، وقيَّده وكان من قَبْلُ مطلقًا[4].
وخلاصة القول في ذلك أن "نظام التعدُّد في الشريعة الإسلاميَّة أخلاقي إنساني؛ أمَّا إنه أخلاقي فلأنه لا يسمح للرجل أن يتَّصل بأيَّة امرأة إلاَّ إذا كانت زوجته، بشرط ألا يتجاوز عدد الزوجات الأربع. وأمَّا إنه إنساني فلأنه يُخفِّف من مشكلات المجتمع، بإيواء امرأة لا زوج لها، ونَقْلِهَا إلى مصافِّ الزوجات المصونات المحصنات، ولأنه يعترف بالأولاد الذين أنجبتهم، ويَقُوم بحقِّهم ورعايتهم كما يَجِبُ، ولأنه يدفع مقابل هذا الزواج مهرًا وأثاثًا ونفقاتٍ باعتبارها زوجة لها حقوق"[5].
ونظرة واحدة إلى التعدُّد الواقع في حياة الغربيين نُدْرِك من خلالها القيمة الأخلاقيَّة والإنسانيَّة العظيمة التي في نظام التعدُّد في الإسلام؛ فإن التعدُّد في حياة الغربيين "واقع من غير شرع ولا قانون، بل واقع تحت سمع القانون وبصره، إنه لا يقع باسم الزوجات، ولكن يقع باسم الصديقات والخليلات، إنه ليس مقتصرًا على أربع فحسب، بل هو إلى ما لا نهاية له من العدد، إنه لا يقع علنًا تفرح به الأسرة، ولكنه سرٌّ لا يعرف به أحد، إنه لا يُلزم صاحبه مسئوليَّة ماليَّة نحو النساء اللاتي يتَّصل بهنَّ، بل حسبه أنه يُلَوِّث شرفهن، ثم يتركهن للخزي والعار والفاقة، وتحمُّل آلام الحمل والإجهاض والولادة غير المشروعة، إنه لا يُلْزِم صاحبه بالاعتراف بما نتج عن هذا الاتِّصال من أولاد، بل يُعْتَبَرُون غيرَ شرعيين، يَحْمِلُون على جباههم خزي السفاح والعار ما عاشوا، إنه تعدُّد خالٍ من كلِّ تصرُّف أخلاقي أو يقظة وجدانيَّة أو شعور إنساني، إنه تعدُّد تبعث عليه الشهوة والأنانيَّة ويفرُّ من تحمل كل مسئوليَّة؛ فأي النظامين ألصق بالأخلاق، وأكبح للشهوات، وأكرم للمرأة، وأدلُّ على الرُّقِيِّ، وأبرُّ بالإنسانية؟"[6].

[1] ابن القيم: إعلام الموقعين 2/ 103، بتصرف.
[2] أحمد شلبي: مقارنة الأديان 3/ 218 .
[3] المصدر السابق 3/ 219.
[4] محمد فؤاد الهاشمي: الأديان في كفة الميزان ص 105 – 106.
[5] عبد الله ناصح علوان: تعدد الزوجات في الإسلام وحكمة تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ص 18.
[6] المصدر السابق، الصفحة نفسها.
شبهات وردود (الطلاق)
وهو في الإسلام أبغض الحلال؛ إذ ينفر منه الإسلام ويحثُّ على عَلاقة زوجيَّة دائمة، يصوِّرها القرآن في صور رائعة؛ حيث يقول الله تعالى: "وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[1]"، ويقول أيضًا: "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ[2]"، ويقول سبحانه: "وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا[3]".
ومن أجل هذه العَلاقة القويَّة استهجن الإسلام الطلاق ونفَّر منه، ورسم السُبُلَ لحلِّ الخلافات دون اللجوء إليه ما أمكن ذلك، وهذه بعض من النصوص التي تُبَيِّن موقف الإسلام من الطلاق:
- "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا[4]".
- "وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا[5]".
- "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا[6]".
- "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ[7]".
- "أَبْغَضُ الحَلالِ إِلَى اللهِ U الطَّلاقُ"[8].
وذلك - كما يقول الدكتور أحمد شلبي - هو موقف الإسلام من الطلاق، يكرهه ويَذُمُّه، ولا يجيزه إلاَّ بعد محاولات واسعة ومراحل أربع محدَّدة؛ هي: الوعظ، والهجر، والضرب، والتحكيم للصُّلح والتوفيق، ولكنَّ الإسلام دين الفطرة، والفطرة أثبتَتْ أن كل شَرِكَة يمكن أن تفشل، وأن الحبَّ قد تعقبه الكراهية، وأن هذه السُّبُل السابقة قد تعجز عن إقامة أسرة سعيدة أو حتى عاديَّة، والإسلام لذلك يعترف بالأمر الواقع، ويضع الطلاق حلاً عند الضرورة لهذه المشكلة، قال تعالى: "فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ"[9]، وقال تعالى: "وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ"[10].
ويُتابِع الدكتور أحمد شلبي فيقول: إنَّ الطلاقَ دواء مرُّ المذاق، ولكنَّ مرضَ الشقاق أكثرُ منه مرارة وقسوة، وطالما بَتَرَ الأطباء عضو إنسان حرصًا على الإنسان كلِّه، ولا شكَّ أنَّ الطلاق خير من الموقف المائع الذي يحصل كثيرًا في الغرب عندما تسوء العَلاقة بين الزوج وزوجته، وعندما لا يبقى طريق للتوفيق بينهما؛ فإننا نرى كلاًّ منهما يتَّخذ طريقه حُرًّا إلى الخِدَانَةِ، فتتَّخذ المرأة خدينًا غيرَ زوجها، ويتَّخذ هو خدينة غيرها؛ لأنَّ الزواجَ غيرُ مباح لأيٍّ منهما الطلاق، والطلاق يصعب الحصول عليه، فلتكن الخدانة الأثيمة هي الحلُّ، وقد أدركَتْ بعض الدول الغربيَّة ما في ذلك من عبث، فيسَّرت أمر الحصول على الطلاق[11]!

[1] (الروم: 21).
[2] (البقرة: 187).
[3] (النساء: 21).
[4] (النساء: 19).
[5] (النساء: 34).
[6] (النساء: 35).
[7] (النساء: 128).
[8] أبو داود: كتاب الطلاق، باب في كراهية الطلاق (2178)، عن ابن عمر t، وابن ماجه (2018).
[9] (البقرة: 229).
[10] (البقرة: 231).
[11] أحمد شلبي: مقارنة الأديان 3/ 219 .
شبهات وردود (القِوَامَة)
تُشِير الآيات والأحاديث التي ذكرناها سابقًا إلى ضرورة إقامة عَلاقة قويَّة العُرَى بين الزوج وزوجته، عَلاقة تكون من الزوجين فكرًا واحدًا، وتجعل لهما هدفًا واحدًا، فليس هناك رئيس ولا مرءوس وليس هناك آمر ولا مأمور، ولكن الطبيعة أثبتت أن الرياسة ضروريَّة لكلِّ مجتمع صغير أو كبير، وأن اختلاف الرأي قد يُحْدِث، ولا بُدَّ أن يُوجَد آنذاك من يَبُتُّ في الأمر، ويتَّخذ فيه قرارًا ويكون مسئولاً عنه، ومن هنا كانت القوامة، وكان طبيعيًّا أن تكون القوامة للرجل كِفَاء مسئولياته المختلفة تجاه الأسرة، وكِفَاء تفوُّقه الطبيعي بما يكتسبه من قوَّة جسمانيَّة وغيرها.
أمَّا طبيعة المرأة فيلاحظ فيها إرهاف العاطفة، وسرعة الانفعال، وشدَّة الحنان، وقد خُلِقَتْ هذه الصفات في المرأة لتستطيع بها أن تؤَدِّيَ وظيفتها الأولى وهي الأمومة والحضانة، وإذا كانت هذه الصفات لازمة في مضمار الأمومة والحضانة، فقد تكون ضارَّة في مضمارة القيادة والرياسة. أمَّا الرجل فلا يندفع في الغالب مع عواطفه ووجدانه كما تندفع المرأة، بل يغلب عليه الإدراكُ والفكر، وهما قوام المسئولية، ومن أجل هذا - بالإضافة إلى المسئوليات الماليَّة والأدبيَّة - كانت القوامة للرجل، وقد عللَّ القرآن الكريم لقوامة الرجل بقوله تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ"[1].
على أن قوامة الرجل - كما يذكر الدكتور أحمد شلبي - يلزم أن تكون قوامة رحيمة، يتعاون فيها مع الزوجة ويرفُقُ بها، ويَلْزَم كذلك أن تكون عادلة، فليس له أن يطلب من زوجته مطلبًا غير عادل، قال تعالى: "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ"[2].

[1] (النساء: 34).
[2] (البقرة: 228).
شبهات وردود (التأديب)
من بعض آيات القرآن الكريم السابقة رأينا كيف أن الإسلام يحثُّ على إقامة العَلاقة بين الزوجين على الحبِّ والوفاء والمودَّة، وتلك العَلاقة هي العَلاقة المُثْلَى التي يرسمها الإسلام ويرغب للناس الانتماء إليها، وقد تكوَّنت في ظلِّ هذه العَلاقة ملايين الأُسَرِ الإسلاميَّة التي حقَّقت من التآلف والودِّ أسمى الأمثلة، ولكن الإسلام دِينُ الفطرة، فهو لا يُهْمِل واقع الحياة، وفي واقع الحياة خلافات تنشب بين الزوج والزوجة، ولا بُدَّ من أساليبَ للتغلُّبِ عليها قبل أن تصل إلى الفُرْقَة وهي السلاح البتَّار القاسي، وقد وضع الإسلام مراحل للتوفيق بين الزوجين، أشرنا إليها آنفا، قال تعالى: "وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا"[1].
يقول الدكتور أحمد شلبي: وهكذا وضع الإسلام هذه الخطوات الأربعة، وقسمها بحكمته السامية إلى مرحلتين؛ أُولاهما المرحلة التي يُسَوِّي الزوجان الخلافات بينهما دون تدخُّل عنصر خارجي، وفي هذه المرحلة محاولات أو طُرُق ثلاثة مرتَّبة ترتيبًا دقيقًا، أوَّلها الوعظ وهو علاج رقيق هادئ؛ يرمي إلى إعادة الحقِّ إلى نصابه في يُسْرٍ، ويشرح وجهات النظر، ويدعو لإزالة الجفوة في حُبٍّ وقُرْب، فإذا لم ينفع هذا السلاح استعمل الزوج السلاح الثاني وهو الهجر، والهجر سلاح يجمع بين اللين والشدَّة، فيه يُسْرٌ وفيه زَجْر، فإذا تمادت المرأة في نشوزها، ولم تستمع لهتاف الوعظ، ولم يُثْنِهَا الهجر، كان للزوج أن يستعمل السلاح الثالث وهو الضرب إذا سمحت الظروف به، وذلك قبل أن ينكشف الستار ويلجأ الزوجان للمرحلة الثانية وهي مرحلة الحَكَمَيْنِ، حيث يجهران بأسرارهما، ويُعَرَّضَان حياتهما الخاصَّة لألسن الناس، وفي التفكير الإسلامي إن إباحة أسرار الزوجين مرحلة يلزم تحاشيها ما أمكن ذلك، وضرب الزوج زوجته أيسر من كلام الناس عنهما، فكلُّ ما يحدث بين الزوجين يمكن إخفاؤه والاعتذار عنه وإزالة نتائجه، ولكن الحديث عنهما قد يمتدُّ ويُسَبِّب ما لا تُحْمَد عقباه، وقد انتهز أعداء الإسلام فكرة وجود الضرب في تشريع التأديب في الإسلام، فراحوا يُوَلْوِلُون ويتباكَوْن لا لقسوة في التشريع، ولكن لمرض في نفوسهم، ونحبُّ أن نوضِّح لهم الحقائق التالية:
أوَّلاً: نضع بين يدي القارئ الأحاديث الآتية التي تشرح استهجان ضرب الزوجة وامتهان الشدَّة معها، قال r:
- "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي"[2].
- "لَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ"[3].
- "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ"[4].
- "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا..."[5].
- "أَمَا يَسْتَحْيِي أَحَدُكُمْ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ كَمَا يَضْرِبُ الْبَعِيرَ؟"[6].
 
ثانيًا: أن إباحة الضرب تخضع لظروف الزمان والمكان، وطبيعي أن هذا السلاح لا يُسْتَعْمَل إلاَّ حيث يُرْجَى منه خير، وعلى هذا لا يُسْتَعْمَل هذا السلاح مع امرأة تُفَضِّل التحكيم عليه، أو تُفَضِّل الطلاق عليه، ولا نزاع أنه ذو فائدة مع بعض النساء.
 
ثالثًا: هناك رأي لعالم أوربي من علماء النفس عن إحساس بعض النساء تجاه الضرب، ننقله بنصِّه، لا لندعوَ لاستعماله، ولكن لنعرضه للتفكير، فربما صحَّ أن الضرب يكون أحيانًا وسيلة للإصلاح؛ قال : G . A . Hadfield في كتابه (علم النفس والأخلاق): "وغريزة الخضوع تقوى أحيانًا، فيجد صاحبُها لذَّة في أن يكون متسلَّطًا عليه، ويحتمل لذلك الألم بغِبْطة، وهذه الغريزة شائعة بين النساء وإن لم يعرفنها، ومن أجلها اشتهرن بالقدرة على احتمال الألم أكثر من الرجل، والزوجة من هذا النوع تزداد إعجابًا بزوجها كلَّما ضربها وقسا عليها... ولا شيء يُحْزِن بعض النساء مثل الزوج الذي يكون رقيق الحاشية دائمًا، لا يثور أبدًا على الرغم من تحدِّيهن، ولا يعرف شقاء هذه العيشة ولا التوق إلى الزوج الذي يستطيع أن يثور ولو مرَّة واحدة إلاَّ النسوة اللاتي جرَّبْن الحياة مع زوج من هذا الطراز"[7].

[1] (النساء: 34، 35).
[2] الترمذي: كتاب المناقب عن رسول الله r، باب فضل أزواج النبي r، (3895)، عن عائشة رضي الله عنها، وابن ماجه: (1977)، والدارمي (2260)، وصحيح ابن حبان (4177)، البيهقي (15477)، قال الألباني: صحيح. انظر: السلسلة الصحيحة (285).
[3] البيهقي: كتاب القسم والنشوز، باب ما جاء في ضربها، (14553)، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، الحاكم: (2775)،  ومصنف ابن أبي شيبة (25458).
[4] الترمذي: كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، (1162)، عن أبي هريرة، وابن ماجه (1978)، وابن حبان (4176)، وقال الألباني: صحيح. انظر: السلسلة الصحيحة (284).
[5] سبق تخريجه.
[6] مصنف عبد الرزاق: كتاب العقول، باب ضرب النساء والخدم، (17943)، عن عروة بن الزبير.
[7] =نقلاً عن المرأة في الإسلام ص 67.
المرأة بين الإسلام والغرب
وبعدُ، فهذه الموضوعات التي يتشدَّق بها أعداء الإسلام عن المرأة لم تَعُدْ تحتاج إلى دراسة وتعمُّق، وجدير بالغربيين الذين أطلقوا ألسنتهم وأقلامهم للنيل من الإسلام والمسلمين عن طريق المرأة المسلمة أن يتَّجهوا بعنايتهم إلى مشكلة المرأة الغربيَّة التي تمرُّ بمأساة قاسية تهدِّد كيانها وكيان الأسرة الغربيَّة، وتهدِّد مستقبل الجيل الجديد.
وسنُدْرِك حقيقة ما يدعون إليه عند الاطِّلاع على ما يحدث للمرأة في الغرب منذ عهد ليس بالبعيد وإلى الآن، فقد عُقِدَ في فرنسا اجتماع سنة (586م) يبحث شأن المرأة وما إذا كانت تُعَدُّ إنسانًا أو لا تُعَدُّ إنسانًا، وبعد النقاش قرَّر المجتمعون أنَّ المرأة إنسان، ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل. وهكذا أثبت الفرنسيون في هذا التاريخ فقط إنسانيَّة المرأة، تلك الإنسانيَّة التي كانت مشكوكًا فيها من قبلُ، وحتى عندما أثبتوها لم يُثْبِتُوها كاملة، وإنما جعلوا المرأة تابعًا وخادمًا للرجل، ومن أجل هذا مرَّ الزمن حتى عصرنا الحديث والمرأة الفرنسيَّة محرومة من أبسط الحقوق التي منحتها المرأة المسلمة منذ مئات السنين، فقد صدر قانون في فبراير سنة 1938م يلغي القوانين التي كانت تمنع المرأة الفرنسية من بعض التصرفات المالية، ويجيز لها لأول مرة في تاريخها بدون إذن القاضي أن تفتح حسابا جاريا باسمها في البنك، وأن توقع بالتالي على شيكات الصرف، وأن تمضي العقود المالية، وتستولي على الإرث. وينقل الدكتور علي عبد الواحد في هذا الشأن نص المادة السابعة عشرة بعد المائتين من القانون الفرنسي وهو كالآتي: "المرأة المتزوجة حتى لو كان زواجها قائما على أساس الفصل بين ملكيتها وملكية زوجها، لا يجوز لها أن تهب ولا أن تنقل ملكيتها ولا أن ترهن ولا أن تملك بعوض أو بغير عوض بدون اشتراك زوجها في العقد أو موافقته عليه موافقة كتابية"، ويعلق الدكتور عبد الواحد على هذه المادة بقوله: ومع ما أدخل على هذه المادة من قيود وتعديلات فيها بعد فإن كثيرا من آثارها لا يزال ملازما لوضع المرأة الفرنسية من الناحية القانونية إلى الوقت الحاضر[1]. وفي إنجلترا حرم هنري الثامن على المرأة الإنجليزية قراءة الكتاب المقدس، وظلت النساء حتى سنة 1850م غير معدودات من المواطنين، وظللن حتى سنة 1882م ليس لهن حقوق شخصية ، فلا حق لهن في التملك الخالص ، وإنما كانت المرأة ذائبة في أبيها أو زوجها[2].
بل إن القانون الإنجليزي حتى عام 1805م كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدد ثمن الزوجة بستة بنسات، وقد حدث أن باع إنجليزي زوجته عام 1931م بخمسمائة جنيه، وقال محاميه في الدفاع عنه: "إن القانون الإنجليزي عام 1801م يحدد ثمن الزوجة بستة بنسات بشرط أن يتم البيع بموافقة الزوجة"، فأجابت المحكمة بأن هذا القانون قد ألغي عام 1805م بقانون يمنع بيع الزوجات أو التنازل عنهن، ومن ثم حكمت على بائع زوجته بالسجن عشرة أشهر[3].
أما المرأة المعاصرة في أوروبا وأمريكا وغيرها من البلدان الغربية فهي مخلوق مبتذل مستهلك في الأغراض التجارية؛ إذ هي جزء من الحملات الإعلانية الدعائية, بل وصل بها الحال إلى أن تجرد ملابسها لتعرض عليها السلع في واجهات الحملات التجارية، وأبيح جسدها وعرضها بموجب أنظمة قررها الرجال لتكون مجرد متعة لهم في كل مكان، وهي محل العناية ما دامت قادرة على العطاء والبذل من يدها أو فكرها أو جسدها, فإذا كبرت وفقدت مقومات العطاء تخلى عنها المجتمع بأفراده ومؤسساته, وعاشت وحيدة في بيتها أو في المصحات النفسية[4].
يصور الدكتور السباعي حال المرأة في الغرب بقوله: "وأما المرأة فقد دفع بها الوضع الاجتماعي الذي لا يرحم إلى أن أصبحت تطرد من المنزل بعد سن الثامنة عشرة لكي تبدأ في الكدح لنيل لقمة العيش، وإذا ما رغبت – أو جبرتها الظروف – في البقاء في المنزل مع أسرتها بعد هذه السن، فإنها تدفع لوالديها إجبار غرفتها، وثمن طعامها، وغسيل ملابسها، بل تدفع رسمًا معينًا مقابل اتصالاتها الهاتفية"[5].
هذا وإن أقوال الكاتبات والكتاب الأمريكيين والغربيين لتفضح وضع ومكانة المرأة عندهم، وتظهر الحقائق جلية واضحة؛ فتقول – مثلاً - الكاتبة الفرنسية فرانس كيري: "إن المرأة الغربية تفقد حق المساواة المهنية، وحق الكرامة الزوجية أو المنزلية"، ثم تمضي الكاتبة فتتحدث عن مأساة المرأة الغربية في فقدها لحق الكرامة الزوجية أو المنزلية على حد تعبيرها فتقول: "لماذا يفشل الكثير من الأزواج والزوجات ويكفون سريعا عن التحاب؟ ذلك لأن علاقتهم تقتصر على علاقة ما بين المسيطِر والمسيطَر عليه، فالرجل يأمر والمرأة تطيع، لكن ما من شيء هو أكثر تقويضًا من سلطة مجمدة... إننا غالبًا ما نشاهد هذا المخلوق الحر (المرأة) يتحول إلى عبد، وهذه الوظيفة تتحول إلى عبودية، وهذه التلقائية تتحول إلى يأس وقنوط.."[6].
وإن علماء النفس والاجتماع الغربيين المنصفين ليعانون من مرحلة اليأس ويكررون أن المجتمع قد تحطم، وقد كتب أحد الأطباء في أمريكا قائلاً: "هناك وباء ينتشر في بلادنا، وهو من النوع البشع الذي لا يمكن التغاضي عنه، وعلينا أن نضع حدًا له، وهو مرض من النوع الذي لا يوجب على أي بلد متحضر أن يكون عرضة له؛ ففي كل 12 ثانية هناك امرأة في الولايات المتحدة تتعرض لمثل هذا الوباء، أي كل 12 ثانية هناك امرأة تتعرض للضرب، وهذا يحدث من شخص تعرفه كالزوج أو الرفيق أو القريب، وفي كل يوم نشهد نتائج الحوادث الناجمة عن هذا الضرب في المكاتب وغرف الإسعافات والعيادات، وغالبًا ما نكون نحن الأطباء شهود العيان الوحيدين من خارج العائلة الذين يشهدون من دون غيرهم هذا الدليل الجرمي على هذه الإساءات، وغالبًا ما نعالج أعراض المرض ولا نتدخل عمليًا في منع الأسباب الموجبة له... لقد آن وقت التدخل لنجعل أصواتنا مسموعة... إن الأرقام التي نحن بصددها ليست ثابتة، ويقدر عدد النساء اللواتي يتعرضن للضرب في بيوتهن في الولايات المتحدة بستة ملايين، وأن ما يقرب من ثلث النساء اللواتي يفدن إلى قسم الإسعاف إنما يفعلن ذلك لأنهن تعرضن للضرب، وهناك ما لا يقل عن 30 % من ضحايا جرائم قتل النساء تتم عن طريق أزواجهن أو أصحابهن، وهناك واحدة من كل خمس نساء من اللواتي يقدمن على الانتحار إنما تقوم بذلك مدفوعة بنتائج الضرب المبرح... وفي ولاية ماساشوسيتس هناك امرأة تتعرض للقتل كل 18 يومًا من قبل شريك عمرها، وأصبح الرقم 911 الخاص بالنجدة رقما مشؤومًا بالنسبة لأقسام البوليس".
ويتابع الطبيب الأمريكي قائلاً: "إن هذا في رأينا يدعو إلى التخوف، ومع ذلك ندعو أنفسنا بالمتمدنين وأننا مجتمع متمدن! ونلفت الأنظار في الدول الأخرى كي يأخذوا حذرهم، ويحافظوا على الحقوق المدنية لمواطنيهم!"[7].
وهذا غيض من فيض مما فصح من التعبير عن وضع المرأة المعاصرة في الحضارة الغربية الحديثة؛ مما جعل الغرب يحسدنا على أسرتنا العربية الإسلامية التي ننعم بدفئها، والتي يحلم الغربيون بها، فليس بعد إلا ألا نبالي بترهاتهم، وأن نحافظ على هذه الأسرة التي مركزها المرأة؛ فنسبغ عليها الفضيلة والأخلاق، ونرجع بها حيث أراد الإسلام ورسوله.

[1] حقوق الإنسان في الإسلام ص 60.
[2] أحمد شلبي: مقارنة الأديان 3, ص 210 - 213 .
[3] محمد أحمد إسماعيل المقدم: المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية، ص 54، 55.
[4]محمد بن عبد الله بن صالح السحيم: الإسلام أصوله ومبادؤه، ص 40، 41.
[5] مصطفى السباعي: المرأة بين الفقه والقانون، ص 300.
[6] نقلاً عن: عبد اللطيف ياسين قصاب: المرأة عبر التاريخ، ص 191، 192.
[7] عن المصدر السابق، ص 193، 194.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 حقوق المرأة في الإسلام

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7