السبت 17 أكتوبر 2009

الحلم والصفح

مِن الناس مَن تستخفُّه التوافه فيستحمق سريعًا، ومنهم مَنْ تستفزِّه الشدائد فيبقى -رغم وقعها الأليم- محتفِظًا برجاحة فكره، ولين خُلُقه. ومِن ثَمَّ كانت درجات الناس متفاوتةً في الثبات أمام المثيرات، وأنبياء الله -عليهم السلام- في القمة العالية من هذا الخُلُق الكريم "الحلم والصفح"؛ فهذا هود u رغم شتائم قومه واتهامهم له بالسفاهة يجيب في بساطة: {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 67].

 

أما محمد صلى الله عليه وسلمفالمحفوظ من سيرته أنه ما انتقم لنفسه قطُّ إلاَّ أن تُنْتَهَكَ حُرْمة الله؛ فالغضبُ يذهب بصاحبه مذاهب حمقاء.

 

ومن هنا كان نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغضب حين قال له رجل: علِّمني شيئًا، ولا تُكْثِر عليَّ؛ لعَلِّيِّ أَعِيه. قال: "لا تَغْضَبْ"[1]. لقد كان العرب الأوَّلون يفخرون بأنهم يُلاقون الجهل بجهل أشدَّ:

أَلاَ لا يَجْهَلَنْ أَحَـدٌ عَلَيْنَـا *** فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْـلِ الْجَاهِلِينَـا[2]

 

ولكنَّ الإسلام جاء ليُكَفْكِف من هذا النزوان[3]، ويُقِيم أركان المجتمع على الفضل، فإن تعذَّر فالعدل، ولن تتحقَّق هذه الغاية إلاَّ إذا هَيْمَنَ العقل الراشد على غريزة الغضب.

 

ومِنَ الناس مَنْ لا يسكتُ عند الغضب، فهو في ثورة دائمة، وتَغَيُّظ يطبعُ على وجهه العبوسَ، إذا مسَّه أحدٌ ارتعش كالمحموم، وأنشأ يُرغي ويُزبد[4]، ويلعن ويطعن، والإسلام بريء من هذه الخلال الكدرة، قال صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلا اللَّعَّانِ، وَلا الْفَاحِشِ، وَلا الْبَذِيءِ"[5].

 

على أن الإيمان كُلَّما رَبَا في القلب رَبَتْ معه السماحة، وازداد الحِلْم، ونفر المرء من طلب الهلاك والغضب للمخطئين في حقِّه، فعندما قِيَل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعُ على المشركين والعنهم. قال: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً"[6].

 

وقد حرَّم الإسلام المهاترات السفيهة، وتبادل السباب بين المتخاصمين؛ لئلاَّ يؤَدِّيَ ذلك إلى الغضب الذي هو موقد الفساد، على أنَّ مِلاكَ النجاة من هذه المنازعات الحادَّة تغليبُ الحِلْم على الغضب، وتغليبُ العفو على العقاب.

 

وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مليئة بنماذج الحلم والصفح عن أشدِّ المسيئين إليه، وأعتى المجرمين في حقِّه، لقد كان صلى الله عليه وسلم نموذجًا عمليًّا لما يدعو إليه {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، فهو القائل في حديثه الشريف: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ"[7].

[1] البخاري: كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب (5765)، والترمذي (2020)، واللفظ له عن أبي هريرة رضى الله عنه، وأحمد (8729)، وابن حبان (5689).
[2] البيت لعمرو بن كلثوم التغلبي، وهو من معلقته المشهورة من بحر الوافر، التي مطلعها: أَلا هُبِّي بِصَحنِكِ فَاصبَحينـا *** وَلا تُبقي خُمورَ الأَندَرينـا
[3] النَّزَوان: التفلُّت والسَّوْرة والحدة. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة نزا 15/319.
[4] أرغى فلان وأزبد: أي ضجَّ غضبًا وتوعَّد. انظر: المعجم الوسيط، مادة زبد ص358.
[5] الترمذي: كتاب البر والصلة، باب ما جاء في اللعنة (1977) عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن عبد الله من غير هذا الوجه. وقال الألباني: صحيح، انظر السلسلة الصحيحة (320). وأحمد (3839) وقال شعيب الأرناءوط: حديث صحيح، ولكن هذا الإسناد منكر. والحاكم (29) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بهؤلاء الرواة عن آخرهم، ثم لم يخرجاه.
[6] مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها (2599) عن أبي هريرة رضى الله عنه، وأبو يعلى الموصلي (6040).
[7] أبو داود: كتاب الأدب، باب من كظم غيظًا (4777) عن معاذ بن أنس رضى الله عنه. قال الشيخ الألباني: حسن، انظر: صحيح الترغيب والترهيب (2753). والترمذي (2021) وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه (4186)، وأحمد (15675).
 
 
   Bookmark and Share      
  
 الحلم والصفح

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7