الرئيسة من صفحات التاريخعام 2009حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة
 
السبت 17 أكتوبر 2009

 

المعاق هو كل فرد لديه قصور في القيام بدور يعتبر من المكونات الأساسية للحياة اليومية بالنسبة لنظرائه، وعلى أسرته ومن حوله أن يحسنوا رعايته، والقيام على حاجته، وعدم التحرج منه، أو ازدرائه والقسوة معه، أو حرمانه من حقوقه الاجتماعية.
ورعايتهم تتمثل في العلاج والكشف الدوري لهم، وتأهيلهم وتعليمهم بالقدر الذي تسمح به قدراتهم ومستوياتهم، وتوظيف مَن يقوم على رعايتهم وخدمتهم.
وهناك أنواع مختلفة للمعاقين؛ فمنهم: المعاقون بدنيًّا، مثل ذوي الأبصار المعاقة، والبكم، والصمِّ، ومنهم المعاقون نفسيًّا وذهنيًّا؛ مثل: "التخلف العقلي"، وحالات سوء التوافق الوجداني، وهم ذوو الاضطرابات النفسية؛ مثل: القلق والخوف والوسوسة، وغيرها.
وللمعاقين احتياجات عامة، مثل الحاجة إلى الأمن، واحترام الذات، والشعور بالعدالة في المعاملة، واعتراف الآخرين وتقبلهم لهم، وأما احتياجاتهم الخاصة فهي مثل: الرعاية الصحية، وتوفير العلاج والأجهزة التعويضية، وتقديم الخدمات والمساعدات التربوية والمادية، وتوفير فرص عمل تتناسب مع قدراتهم.
وفي ظل الإسلام وصل ذوو الاحتياجات الخاصة إلى أعلى المراتب فكان منهم العلماء والمحدثون، مثل: ابن عباس وعاصم الأحول، وعمرو بن أخطب الأعرج، وعبد الرحمن الأصم، والأعمش، وغيرهم.
ولقد حث الإسلام على عدم السخرية منهم ورعايتهم وقضاء حوائجهم، فقد أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحيًا شديدَ المؤاخذة؛ لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلاً غنيًّا من ذوي النفوذ، فقال: {عَبَسَ وَتَوَلَّى(1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} [عبس: 1- 2]. وروى أنس بن مالك أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلاَنٍ، انظري أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ". وهذا من حِلْمه وتواضعه صلى الله عليه وسلم، وصبره على قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة،  وقد كرمهم النبي صلى الله عليه وسلمَّ وواساهم، وعفا عن سفهائهم وجهلائهم، وقد قال r: "إن الله عز وجل أوحى إليَّ ... ومن سلبت كريمتيه (يعني عينيه) أثَبْته عليهما الجنة...".      
ويسَّر الإسلام عليهم ورفع الحرج عنهم، فعن زيد بن ثابت (رضي الله عنه) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه: "لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قال: فجاءه ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت. وكان رجلاً أعمى، فأنزل الله عز وجل: {‏غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} [النساء: 95]. وقد قال r: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ".
وقد حرص المجتمع الدولي والمنظمات العالمية ومنظمات حقوق الإنسان في الربع الأخير من القرن الماضي على أن يأخذ المعاق نصيبه من الرعاية والاهتمام والحقوق والواجبات.

مزيد من التفاصيل

تعريف المعاق
 
ذوو الاحتياجات الخاصة هم مَن كنَّا نطلق عليهم لفظ (المُعَاقين). والإعاقة في اللغة تعني التأخر وعدم القدرة والمنع، والعجز المستمر الذي يسبب عدم القيام بالدور أو الوظيفة العادية للفرد، أو هي النتيجة المجمعة للعوائق والعقبات التي يسببها العجز، بحيث تتداخل بين الفرد وأقصى مستوى وظيفي له مما يعطل طاقته الإنتاجية، وهي قياس لمدى الخسارة أو النقص في طاقة الفرد في أي ناحية من النواحي[1].
 
وقد عَرَّف ميثاق الثمانينيات (1980-1990م) لرعاية المعاقين الصادر عن المؤتمر العالمي الرابع عشر للتأهيل الدولي بكندا الإعاقة بأنها تنفيذ أو تحديد لمقدرة الفرد على القيام بواحدة أو أكثر من الوظائف التي تعتبر من المكونات الأساسية للحياة اليومية، مثل القدرة على الاعتناء بالنفس، ومزاولة العلاقات الاجتماعية، والأنشطة الاقتصادية[2].
 
والشخص ذو الاحتياجات الخاصة هو كل فرد لديه قصور في القيام بدوره ومهامه بالنسبة لنظرائه من نفس السن والبيئة الاجتماعية والاقتصادية والطبية، تلك الأدوار والمهام قد تكون في مجال التعليم أو اللعب أو التكوين المهني أو العلمي أو العلاقات العائلية وغيرها[3].
 
والعوام في نظرتهم لذوي الاحتياجات الخاصة يعتبرونهم عبئًا ثقيلاً يسعون للتخلص من المسئولية عنه، وإلقائها على غيرهم من الأقارب، أو المؤسسات الاجتماعية؛ ذلك بينما قال فضيلة الشيخ جمال قطب: "إن الإنسان ذا الاحتياجات الخاصة هو آية من آيات الله، وعلى أسرته ومن حوله أن يعلم أنه اختبار إلهي يجب أن يحسنوا استثماره برعايته، وحسن القيام على حاجته، وألا تبخل عليه بالعلاج والرعاية والتعليم بقدر ما تستطيع، والترفيه عنه، وعدم التحرج منه أو إخفائه عن الناس، أو ازدرائه والقسوة معه، أو حرمانه من حقوقه الاجتماعية؛ لأنه إنسان يفهم ويعي ويحس، ولكن في عمر زمني أقل من عمره العقلي، ولا ذنب له في ذلك[4].

[1] رعاية المعاق بين الشرائع السماوية: مركز خدمات المنظمات غير الحكومية (منتدى التجمع المعني بحقوق المعاق، ص1.
[2] رعاية المعاق بين الشرائع السماوية: مركز خدمات المنظمات غير الحكومية ص2- 3.
[3] المجلس القومي للطفولة والأمومة
الرابط:
http://www.specialneeds.org.eg/Modules/pro1.asp
 
[4] المجلس القومي للطفولة والأمومة
الرابط:
http://www.specialneeds.org.eg/
تصنيفات الإعاقة
يرى الدكتور أحمد السعيد يونس أن المعاقين صنفان:
أولاً: المعاقون بدنيًّا، وينقسمون إلى الفئات التالية:
1- ذوو الأبصار المعاقة بدرجة أو بأخرى.
2- البكم الناتج عن إصابة أجهزة النطق.
3- السمع المعاق، وما يرتبط به من العجز عن الكلام.
ثانيًا: المعاقون نفسيًّا وذهنيًّا، وينقسمون إلى نوعين:
النوع الأول: يعرف باسم "التخلف العقلي"، وهو يميز أولئك الأفراد ذوي الأعمار العقلية الأقل من أعمارهم الزمنية.
النوع الثاني: هو ما يعرف بحالات سوء التوافق الوجداني، وهم أولئك الأطفال ذوو الاضطرابات النفسية المتمثلة في القلق والخوف والانحراف الاجتماعي والتردد والوسوسة[1].

[1] رعاية المعاق بين الشرائع السماوية: مركز خدمات المنظمات غير الحكومية، ص4- 5.
احتياجات المعاقين
1- احتياجات عامة مشتركة بين المعاقين والعاديين.
2- احتياجات خاصة بالمعاقين.
أولاً: الاحتياجات العامة، مثل الحاجة إلى الأمن، والحاجة إلى مكانة الذات، واحترام الذات، والشعور بالعدالة في المعاملة، واعتراف الآخرين وتقبلهم لهم.
ثانيًا: الاحتياجات الخاصة بالمعاقين؛ مثل الرعاية الصحية، وتوفير العلاج والأجهزة التعويضية، وأيضًا الاحتياجات الاجتماعية وتتمثل في توثيق صلات المعاق بمجتمعه، وتقديم الخدمات والمساعدات التربوية والمادية، وأيضًا توفير الاحتياجات الثقافية بشتى أنواعها، إضافةً إلى توفير الاحتياجات المهنية، وتوفير فرص عمل تتناسب مع قدراتهم[1].
 
إن المجتمع - أي مجتمع - لا بد أن ينظر لذوي الاحتياجات الخاصة نظرة اهتمام زائد، ورعاية بالغة، ولكن ليس كل ما هو واجب يحدث، وهذا ما جرى لذوي الاحتياجات الخاصة في الغرب في العصور الماضية، وهذه نظرة سريعة على حالهم في ذلك المجتمع.
الغرب وذوو الاحتياجات الخاصة:
وإذا نظرنا سريعًا إلى تاريخ الغرب مع ذوي الاحتياجات الخاصة، نجد مجتمعات أوربا القديمة، كروما وإسبرطة قد شهدت إهمالاً واضطهادًا صارخًا لهذه الفئة من البشر، فلقد كانت هذه المجتمعات - حكامًا وشعوبًا - تقضي بإهمال أصحاب الإعاقات، وإعدام الأطفال المعاقين.
وكانت المعتقدات الخاطئة والخرافات هي السبب الرئيسي في هذه الانتكاسة، فكانوا يعتقدون أن المعاقين عقليًّا هم أفراد تقمصتهم الشياطين والأرواح الشــريرة، وتبنَّى الفلاسفة والعلماء الغربيون هذه الخرافات، فكانت قوانين (ليكورجوس) الإسبرطيّ و(سولون) الأثينيّ تسمح بالتخلص ممن بهم إعاقة تمنعه عن العمل والحرب، وجاء الفيلسوف الشهير (أفلاطون) وأعلن أن ذوي الاحتياجات الخاصة فئة خبيثة، وتشكل عبئًا على المجتمع، وتضر بفكرة الجمهورية... أما (هيربرت سبنسر) فقد طالب المجتمع بمنع شتى صور المساعدة لذوي الاحتياجات الخاصة، بزعم أن هذه الفئة تثقل كاهل المجتمع بكثير من الأعباء دون فائدة.
بَيْدَ أن العرب - وإن كانوا يقتلون البنات خشية العار - كانوا أخف وطأة، وأكثر شفقة على أهل البلوى والزَّمْنَى، وإن كانوا يتعففون عن مؤاكلة ذوي الاحتياجات الخاصة، أو الجلوس معهم على مائدة طعام.
وفي الوقت الذي تخبط فيه العالم بين نظريات نادت بإعدام المتخلفين عقليًّا، وأخرى نادت باستعمالهم في أعمال السخرة، اهتدى الشرق والغرب أخيرًا إلى (فكرة) الرعاية المتكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، في ظل هذا كله نرى رسولنا المربي المعلم صلى الله عليه وسلم كيف كانت رحمته لهذه الفئة من بني البشر، وهذا فيضٌ من فيض رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة[2].

[1] السابق نفسه، ص5- 7.
[2] موقع إسلام أون لاين، الرابط:
http://www.islamonline.net/Arabic/In_Depth/mohamed/morals/article12.shtml#**
 
المعاق في العصور الوسطى
أما في العصور الوسطى في أوربا بين القرنين الخامس والخامس عشر الميلاديين، فنجد أن المعاقين كان يُنظر إليهم بعين الاستهزاء والسخرية، وأنهم لا يستحقون المساعدة، وبأنهم فئة منبوذة، وتمثل عبئًا كبيرًا، ويجب التخلص منها. وكان بعض النبلاء يستخدمونهم كمهرجين لإضحاك الناس.
وكان يتم التخلص من المعاقين بطرق وحشية؛ كالحرق، والرمي بالصحراء القاحلة يواجهون خطر الموت، وذلك لنظرة المجتمع الأوربي آنذاك بأن هؤلاء المعاقين سحرة وشياطين وأرواح شريرة يجب التخلص منها[1].

[1] شبكة ألم الإمارات، الرابط:
http://www.alamuae.com/uae/showtopics-837.html
المعاق في الإسلام
إن الإسلام ينظر لذوي الاحتياجات الخاصة نظرة مختلفة تمامًا عن نظرة الغرب؛ فهؤلاء النمط من العاجزين وأصحاب العاهات يجب أن يلقوا من الدولة وأبناء المجتمع وذوي اليسار والغِنى كل رعاية وعطف ورحمة؛ تحقيقًا لقوله عليه الصلاة والسلام: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء". وقوله صلى الله عليه وسلم: "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوٌ منه تداعى له سائر جسده بالسَّهَر والحُمَّى"[1].
 
ولقد احتلَّ المعاق في الحياة الإسلامية مكانته اللائقة، فنجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف عبد الله ابن أم مكتوم، وينيبه عنه عليه السلام على المدينة أربع عشرة مرة في غزواته وفي حجة الوداع، كما شهد هذا الصحابي الجليل فتح القادسية، وقُتل فيها شهيدًا، وكان مع اللواء يومئذٍ وهو الرجل الأعمى، فلم تنقص إعاقته من مكانته وأهميته في الإسلام شيئًا.
وهذا صحابي آخر هو معاذ بن جبل (رضي الله عنه)، يختاره الرسول صلى الله عليه وسلم من بين المسلمين ويرسله إلى اليمن عاملاً له عليها، بل ويكتب إلى أهلها قائلاً: "إني بعثت عليكم خير أهلي". وقد كان معاذ (رضي الله عنه) أعرجَ، فلم يمنعه العرج من تبوء المكانة التي يستحقها في الحياة السياسية والاجتماعية الإسلامية.
ولم يقتصر هذا السلوك من الاحترام والتقدير للمعاق على عصر النبوة، بل تعداه إلى سائر عصور الإسلام، فهذا الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بن الحكم يأمر المنادي في موسم الحج: ألا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، إمام أهل مكة وعالمها وفقيهها. وقد كان عطاء (رضي الله عنه) أسود البشرة، مفلفل الشعر، أعور العين، أفطس الأنف، أشل اليد، أعرج القدم، لا يؤمل الناظر إليه منه طائلاً، لكن شريعتنا السمحة الغرَّاء جعلته إنسانًا عالمًا إمامًا، يرجع إليه الناس في الفتوى، ومدرسة يتخرج على يده الألوف من العلماء، وهو عندهم في محل الإكبار والحب والتقدير والاحترام[2].
ومن ناحية أخرى، فإن المتأمل في تاريخنا العلمي الإسلامي يجد قَبِيلاً كبيرًا من العلماء الذين أًصبحت إعاقتهم أو عاهتهم عَلَمًا يدل عليهم، ونذكر من بين هؤلاء العلماء:
1- الأحول: هو عاصم بن سليمان البصري (تُوفِّي 142هـ) من حُفَّاظ الحديث ثقة، واشتهر بالزهد والعبادة.
2- الأخفش: وقد سُمِّي بهذا الاسم من أهل العلم أربعة، هم: الأخفش الأكبر، والأوسط، والأصغر، والدمشقي؛ أما الأكبر فهو عبد الحميد بن عبد المجيد (توفي 177هـ) من كبار علماء اللغة العربية. وأما الأوسط فهو سعيد بن مسعدة المجاشعي (توفي 215هـ)، وكان عالمًا باللغة والأدب. وأما الأصغر فهو علي بن سليمان بن الفضل (توفي 315هـ)، أحد علماء النحو. وأما الدمشقي فهو هارون بن موسى بن شريك التغلبي (توفي 292هـ) شيخ القرَّاء بدمشق، كان عارفًا بالتفسير والمعاني والشعر.
3- الأصم: وقد سمي بهذا الاسم من أهل العلم اثنان، هما: حاتم بن عنوان (توفي 237هـ) الذي اشتهر بالورع والزهد والتقشف، وكان يقال: حاتم الأًصم لقمان هذه الأمة. والثاني محمد بن يعقوب بن يوسف الأموي، ولقب بالولاء أبو العباس الأصم (توفي 346هـ)، وكان من أهل الحديث، وكان ثقة أمينًا.
4- الأعرج: هو عبد الرحمن بن هرمز (توفي 117هـ)، من موالي بني هاشم، حافظ، قارئ أخذ عن أبي هريرة، وبرز في القرآن والسنن، وكان وافر العلم، خبيرًا بأنساب العرب.
5- الأعمش: هو سليمان بن مهران الأسدي بالولاء (توفي 148هـ) تابعي، مشهور، وكان عالمًا بالقرآن والحديث والفرائض، حتى إنه قيل: لم يُرَ السلاطين والملوك في مجلس أحقر منهم في مجلس الأعمش، على الرغم من شدة حاجته وفقره.
6- الأعمى: هو معاوية بن سفيان (توفي 220هـ)، شاعر بغدادي من تلاميذ الكسائي.
7- الأفطس: هو علي بن الحسن الهذلي (توفي 253هـ) مُحدِّث نيسابور، وشيخ عصره فيها، وكان من حفَّاظ الحديث، وله مسند[3].

[1] عبد الله ناصح علوان: التكافل الاجتماعي في الإسلام، ص69- 70.
[2] رعاية المعاق بين الشرائع السماوية: مركز خدمات المنظمات غير الحكومية، ص11- 12.
[3] السايق نفسه، ص12- 13.
العناية بالمعاقين في الإسلام
العناية بالمعاقين والقيام بأمرهم من فروض الكفاية على الأمة، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به أحدٌ كان الجميع آثمين[1].
 
رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لذوي الاحتياجات الخاصة
عن أنس (رضي الله عنه) أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة. فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلاَنٍ، انظري أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ"، فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها. وهذا من حِلْمه وتواضعه صلى الله عليه وسلم، وصبره على قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة.
وفي هذا دلالة شرعية على وجوب تكفل الحاكم برعاية ذوي الاحتياجات الخاصة صحيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، ونفسيًّا، والعمل على قضاء حوائجهم، وسدِّ احتياجاتهم.
ومن صور هذه الرعاية:
- العلاج والكشف الدوري لهم.
- تأهيلهم وتعليمهم بالقدر الذي تسمح به قدراتهم ومستوياتهم.
- توظيف مَن يقوم على رعايتهم وخدمتهم.
ولقد استجاب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) لهذا المنهج النبوي السمح، فأصدر قرارًا إلى الولايات: "أن ارفعوا إليَّ كُلَّ أعمى في الديوان، أو مُقعَد، أو مَن به فالج، أو مَن به زَمَانة تحول بينه وبين القيام إلى الصلاة". فرُفعوا إليه، وأمر لكل كفيف بموظف يقوده ويرعاه، وأمر لكل اثنين من الزَّمْنَى - من ذوي الاحتياجات - بخادمٍ يخدمه ويرعاه.
وعلى نفس الدرب سار الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (رحمه الله تعالى)، فهو صاحب فكرة إنشاء معاهد أو مراكز رعاية لذوي الاحتياجات الخاصة، فأنشأ (عام 88هـ/ 707م) مؤسسة متخصصة في رعايتهم، وظَّف فيها الأطباء والخدام، وأجرى لهم الرواتب، ومنح راتبًا دوريًّا لذوي الاحتياجات الخاصة، وقال لهم: "لا تسألوا الناس". وبذلك أغناهم عن سؤال الناس، وعيَّن موظفًا لخدمة كل مقعد، أو كسيح، أو ضرير.

[1] رعاية المعاق بين الشرائع السماوية: مركز خدمات المنظمات غير الحكومية، ص17.
 
للمعاق الأولوية في الرعاية وقضاء احتياجاته
وإذا كان الإسلام قد قرر الرعاية الكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، والعمل على قضاء حوائجهم، فقد قرر أيضًا أولوية هذه الفئة في التمتع بكافة هذه الحقوق، فقضاء حوائجهم مُقدَّم على قضاء حوائج الأصحاء، ورعايتهم مقدمة على رعاية الأكفاء؛ ففي حادثة مشهورة أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عبس في وجه رجل أعمى - هو عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه - جاءه يسأله عن أمرٍ من أمور الشرع، وكان يجلس إلى رجالٍ من الوجهاء وعِلْية القوم، يستميلهم إلى الإسلام، ورغم أن الأعمى لم يرَ عبوسه، ولم يفطن إليه، فإن المولى تبارك وتعالى أَبَى إلا أن يضع الأمور في نصابها، والأولويات في محلها، فأنزل سبحانه آيات بينات تعاتب النبي الرحيم صلى الله عليه وسلم عتابًا شديدًا:
يقول الله فيها: {عَبَسَ وَتَوَلَّى(1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى(2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى(3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} [عبس: 1- 4].
يقول الباحث الإنجليزي (لايتنر) معلقًا على هذا الحادث:
"... مرةً أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحيًا شديدَ المؤاخذة؛ لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلاً غنيًّا من ذوي النفوذ، وقد نُشِر ذاك الوحي، فلو كان صلى الله عليه وسلم كما يقول أغبياء النصارى بحقِّه؛ لما كان لذاك الوحي من وجود!".
 وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك - يقابل هذا الرجل الضرير، فيهُشُّ له ويبشُّ، ويبسط له الفراش، ويقول له: "مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي!".
 ففي هذه القصة نرى علة المعاتبة؛ لكونه صلى الله عليه وسلم انشغل بدعوة الوجهاء عن قضاء حاجة هذا الكفيف، وكان الأولى أن تُقضى حاجته، وتقدم على حاجات من سواه من الناس. وفي هذه القصة دلالة شرعية على تقديم حاجات ذوي الاحتياجات الخاصة على حاجات من سواهم.
عفوه صلَّى الله عليه وسلمَّ عن سفهائهم وجهلائهم
وتجلت رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم بذوي الاحتياجات الخاصة في عفوه عن جاهلهم، وحلمه على سفيههم؛ ففي معركة أُحُد (شوال 3هـ = إبريل 624م)، لما توجه الرسول صلى الله عليه وسلم بجيشه صوب أحد، وعزم على المرور بمزرعة لرجل منافق ضرير، أخذ هذا الأخير يسبُّ النبي صلى الله عليه وسلم، وينال منه، وأخذ في يده حفنة من تراب، وقال - في وقاحة - للنبي صلى الله عليه وسلم: والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك، لرميتك بها. حَتى همَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هذا الأعمى المجرم، فأَبَى عليهم نبي الرحمة، وقال: "دعوه!".
ولم ينتهز رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعف هذا الضرير، فلم يأمر بقتله أو حتى بأذيته، رغم أن الجيش الإسلامي في طريقه لقتال، والوضع متأزم، والأعصاب متوترة، ومع ذلك لما وقف هذا الضرير المنافق في طريق الجيش، وقال ما قال، وفعل وما فعل، أَبَى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا العفو عنه، فليس من شيم المقاتلين المسلمين الاعتداء على أصحاب العاهات أو النيل من أصحاب الإعاقات، بل كانت سُنَّته معهم الرفق بهم، والاتعاظ بحالهم، وسؤال الله أن يشفيهم ويعافينا مما ابتلاهم.
تكريمه ومواساته صلى الله عليه وسلم لهم
عن عائشة (رضي الله عنه) أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله عز وجل أوحى إليَّ أنه من سلك مسلكًا في طلب العلم، سهلت له طريق الجنة، ومن سلبت كريمتيه (يعني عينيه) أثَبْته عليهما الجنة...".
وعن العرباض بن سارية (رضي الله عنه)، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن ربِّ العزة قال: "إذا سلبت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين، لم أرضَ له ثوابًا دون الجنة، إذا حمدني عليهما". ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لكل أصحاب الإصابات والإعاقات: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلاَّ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ".
ففي مثل هذه النصوص النبوية والأحاديث القدسية، مواساةٌ وبشارة لكل صاحب إعاقة بأنه إذا صبر على مصيبته، راضيًا لله ببلوته، واحتسب على الله إعاقته، فلا جزاءَ له عند الله إلا الجنة.
 
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن عمرو بن الجموح (رضي الله عنه)؛ تكريمًا وتشريفًا له: "سيِّدُكم الأبيض الجعد عمرو بن الجموح"، وكان أعرجَ. وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: "كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة". وكان (رضي الله عنه) يُولِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج.
وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين، يصلي بهم وهو أعمى.
وعن عائشة (رضي الله عنها) أن ابن أم مكتوم كان مؤذنًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أعمى.
وعن سعيد بن المسيب (رحمه الله): أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا.
وعن الحسن بن محمد قال: "دخلت على أبي زيد الأنصاري فأذَّن وأقام وهو جالس. قال: وتقدم رجلٌ فصلَّى بنا، وكان أعرجَ، أصيبت رجله في سبيل الله تعالى".
وهكذا كان المجتمع النبوي، يتضافر في مواساة ذوي الاحتياجات الخاصة، ويتعاون في تكريمهم، ويتحد في تشريفهم، وكل ذلك اقتداءً بمنهج نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم مع ذوي الاحتياجات الخاصة.
زيارته صلَّى الله عليه وسلَّم لهم
وشرع الإسلام عيادة المرضى عامة، وأصحاب الإعاقات خاصة؛ وذلك للتخفيف من معاناتهم، فالشخص المعاق أقرب إلى الانطواء والعزلة والنظرة التشاؤمية، وأقرب من الأمراض النفسية بخلاف الصحيح، ومن الخطأ إهمال المعاقين في المناسبات الاجتماعية، كالزيارات والزواج.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُ المرضى، فيدعو لهم، ويطيب خاطرهم، ويبث في نفوسهم الثقةَ، وينشر في قلوبهم الفرحَ، ويرسم على وجوههم البهجة. وتجده ذات مرة يذهب إلى أحدهم في أطراف المدينة خصِّيصًا ليقضي له حاجة بسيطة، أو أن يصلي ركعات في بيت المبتلى تلبية لرغبته؛ فهذا عِتْبَان بْن مَالِكٍ (رضي الله عنه) - وكان رجلاً كفيفًا من الأنصار - يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: وددتُ - يا رسول الله - أنك تأتيني فتصلي في بيتي، فأتخذه مصلى. فوعده صلى الله عليه وسلم بزيارة وصلاة في بيته قائًلا - في تواضع جم -: "سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ".
قال عتبان: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذنتُ له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟" فأشرتُ له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبَّر فقمنا، فصفنا، فصلى ركعتين، ثم سلم.
الدعاء لهم:
وتتجلى - أيضًا - رحمة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بالفئات الخاصة من ذوي الاحتياجات، عندما شرع الدعاء لهم، تثبيتًا لهم، وتحميسًا لهم على تحمل البلاء؛ ليصنع الإرادة في نفوسهم، ويبني العزم في وجدانهم. فذات مرة، جاء رجل ضرير البصرِ إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقَالَ الضرير: ادعُ اللَّهَ أنْ يُعافيني. قَالَ الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم: "إنْ شِئتَ دَعوتُ، وإنْ شِئتَ صبرتَ فهوَ خيرٌ لك". قَالَ: فادعُهْ. فأمرَهُ أنْ يتوضَّأ فيُحسنَ وُضُوءَهُ، ويدعو بهذا الدعاء: "الَّلهُمَّ إنِّي أسألكَ وأتوجَّهُ إليكَ بنبيِّكَ مُحَمَّد نبيِّ الرَّحمةِ، إنِّي توجَّهتُ بكَ إِلى رَبِّي في حاجتي هذِهِ لتُقْضَى لي، الَّلهُمَّ فَشَفِّعْهُ فيَّ".
وأَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم امرأة تُصرع، فقالت: إني أُصْرَعُ، وإني أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي. فقَال النبيَ صلى الله عليه وسلم: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ". فقالت: أَصْبِرُ. ثم قالت: إِنِّي أَتَكَشَّفُ! فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لا أَتَكَشَّفَ. فَدَعَا لَهَا صلى الله عليه وسلم.    
وهكذا المجتمع الإسلامي، يدعو على بكرة أبيه لأصحاب الإعاقات والعاهات، وما رأينا مجتمعًا على وجه الأرض يدعو بالشفاء والرحمة لأصحاب الاحتياجات الخاصة، غير مجتمع المسلمين، ممن تربوا على منهج نبي الإسلام.
تحريم السخرية منهم
كان ذوو الاحتياجات الخاصة في المجتمعات الأوربية الجاهلية، مادةً للسخرية، والتسلية والفكاهة، فيجد المعاق نفسه بين نارين: نار الإقصاء والإبعاد، ونار السخرية والشماتة؛ ومن ثَمَّ يتحول المجتمع - في وجدان أصحاب الإعاقات - إلى دار غُربة، واضطهاد، وفرقة. فجاء الشرع الإسلامي السمح؛ ليحرّم السخرية من الناس عامة، ومن أصحاب البلوى خاصةً، ورفع شعار "لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك". وأنزل الله تعالى آيات بينات تؤكد تحريم هذه الخصلة الجاهلية، فقال:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].
كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الكِبْر بطر الحق، وغَمْط الناس". وغمط الناس: احتقارهم والاستخفاف بهم، وهذا حرام؛ فإنه قد يكون المبتلى أعظم قدرًا عند الله، أو أكبر فضلاً عند الناس علمًا، وجهادًا، وتقوًى، وعفةً، وأدبًا؛ وحَسْبُكَ بالقاعدة النبوية العامة الفاصلة: "فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ".
ولقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير من تضليل الكفيف عن طريقه، أو إيذائه، عبسًا وسخرية، فقال: "مَلْعُونٌ مَنْ كَمِهَ أَعْمَى عَنْ طَرِيقٍ".
فهذا وعيد شديد، لمن اتخذ العيوب الخَلْقيّة سببًا للتندر أو التلهي أو السخرية، أو التقليل من شأن أصحابها، فصاحب الإعاقة هو أخ أو أب أو ابن امتحنه الله؛ ليكون فينا واعظًا، وشاهدًا على قدرة الله، لا أن نجعله مادة للتلهي أو التسلي.
رفع العزلة والمقاطعة عنهم
لقد كان المجتمع الجاهلي القديم يقاطع ذوي الاحتياجات الخاصة ويعزلهم، ويمنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية، كحقهم في الزواج، والاختلاط بالناس؛ فقد كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعرج، ولا أعمى، ولا مريض، وكان الناس يظنون بهم التقذُّر والتقزُّز. فأنزل الله تعالى:
{لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور: 61].
أي: ليس عليكم حرج في مؤاكلة المريض والأعمى والأعرج، فهؤلاء بشر مثلكم، لهم كافة الحقوق مثلكم، فلا تقاطعوهم، ولا تعزلوهم، ولا تهجروهم، فأكرمكم عند الله أتقاكم، "والله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أشكالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم".
وهكذا نزل القرآن رحمةً لذوي الاحتياجات الخاصة، يواسيهم، ويساندهم نفسيًّا، ويخفف عنهم، وينقذهم من أخطر الأمراض النفسية التي تصيب المعاقين، جَرَّاء عزلتهم أو فصلهم عن الحياة الاجتماعية.
وبعكس ما فعلت الأمم الجاهلية، فلقد أحل الإسلام لذوي الاحتياجات الخاصة الزواج، فهم - والله - أصحاب قلوب مرهفة، ومشاعر جيَّاشة، وأحاسيس نبيلة، فأقر لهم الحق في الزواج، ما داموا قادرين، وجعل لهم حقوقًا، وعليهم واجبات، ولم يستغل المسلمون ضعف ذوي الاحتياجات، فلم يأكلوا لهم حقًّا، ولم يمنعوا عنهم مالاً؛ فعن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه قال: "أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ، فَمَسَّهَا، فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلاً".
التيسير عليهم ورفع الحرج عنهم
ومن الرحمة بذوي الاحتياجات الخاصة مراعاة الشريعة لهم في كثيرٍ من الأحكام التكليفية، والتيسير عليهم ورفع الحرج عنهم؛ فعن زيد بن ثابت (رضي الله عنه) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه: "لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يُمِلُّهَا عَلَيَّ لتدوينها، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت. وكان رجلاً أعمى، قال زيد بن ثابت: فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفخذه على فخذي، فثقلت عليَّ حتى خفت أن تَرُضَّ فخذي (أي تدقها من ثقل الوحي)، ثم سُرِّي عنه، فأنزل الله عز وجل: {‏غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} [النساء: 95].
وقال تعالى - مخففًا عن ذوي الاحتياجات الخاصة -: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 17].
فرفع عنهم فريضة الجهاد في ساحة القتال، فلم يكلفهم بحمل سلاح أو الخروج إلى نفير في سبيل الله، إلا إن كان تطوعًا. ومثال ذلك قصة عمرو بن الجموح (رضي الله عنه) في معركة أُحد، فقد كان (رضوان الله عليه) رجلاً أعرجَ شديد العرج، وكان له بنون أربعة، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أُحد أرادوا حبسه، وقالوا له: إن الله عز وجل قد عذرك. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بَنيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أَطَأَ بعرجتي هذه في الجنة. فقال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: "أما أنت فقد عذرك الله، فلا جهاد عليك"، ثم قال لبنيه: "ما عليكم أن لا تمنعوه؛ لعل الله أن يرزقه الشهادة". فخرج مع الجيش، فقتل يوم أُحد.
 
بَيْدَ أن هذا التخفيف الذي يتمتع به المعاق في الشرع الإسلامي يتسم بالتوازن والاعتدال، فخفَّف عن كل صاحب إعاقة قدر إعاقته، وكلفه قدر استطاعته، يقول القرطبي:
"إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به من المشي، وما يتعذر من الأفعال مع وجود العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه؛ كالصوم، وشروط الصلاة وأركانها، والجهاد، ونحو ذلك".
ومثال ذلك الكفيف والمجنون، فالأول مكلف بجُلِّ التكاليف الشرعية باستثناء بعض الواجبات والفرائض كالجهاد؛ أما الثاني فقد رفع عنه الشارع السمح كل التكاليف، فعن عائشة (رضي الله عنها)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ".
فمهما أخطأ المجنون أو ارتكب من الجرائم، فلا حدَّ ولا حكم عليه؛ فعن ابن عباس قال: أُتِي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسًا، فأمر بها عمر أن ترجم، فمرَّ بها على علي بن أبي طالب (رضوان الله عليه)، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم. فقال: ارجعوا بها! ثم أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين، أَمَا علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة؛ عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل؟! قال: بلى. قال: فما بال هذه ترجم؟! قال: لا شيء. قال علي: فَأَرْسِلْهَا. فَأَرْسَلَهَا، فجعل عمر يُكَبِّرُ.
 
هكذا كان المنهج النبوي في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، في وقتٍ لم تعرف فيه الشعوب ولا الأنظمة حقًّا لهذه الفئة، فقرَّر الشرع الإسلامي الرعاية الكاملة والشاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، وجعلهم في سلم أولويات المجتمع الإسلامي، وشرع العفو عن سفيههم وجاهلهم، وتكريم أصحاب البلاء منهم، لا سيما من كانت له موهبة أو حرفة نافعة أو تجربة ناجحة، وحثَّ على عيادتهم وزيارتهم، ورغَّب في الدعاء لهم، وحرَّم السخرية منهم، ورفع العزلة والمقاطعة عنهم، ويسَّر عليهم في الأحكام، ورفع عنهم الحرج. فما أعظم شريعة الإسلام، ونبي الإسلام![1].

[1] موقع إسلام أون لاين، الرابط:
http://www.islamonline.net/Arabic/In_Depth/mohamed/morals/article12.shtml#**
بعض نماذج معاملة ورعاية المعاقين في الإسلام
لقد اهتم الإسلام بذوي الاحتياجات الخاصة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ترك السلام على الضرير خيانة". فقد ألزم الإسلام ردَّ السلام على الضرير الذي لا يرى ما يدور حوله، وهو أدب يلزم المبصر ألا يتجاهل أخاه المسلم المكفوف.
فها هو عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يخرج يومًا، فإذا بشيخ يهودي ضرير يسأل على الأبواب، فيسأله عمر: ما ألجأك إلى ما أرى؟ فيقول الرجل اليهودي: الجزية، والحاجة، والسن. فيقود عمر (رضي الله عنه) الرجل الضرير حتى يصل به إلى بيته، ويضفي عليه من كرمه وعطفه، وأمر بصدقه له من بيت المال تكفيه، ويقول لخازن بيت المال: "انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نُخْزِه عند الهَرَمِ".
ومن الأمثلة أيضًا عمر بن عبد العزيز الذي قام بعمل إحصاء للمعاقين، وخصَّص مُرافِقًا لكل كفيف، وخادمًا لكل مُقعَد لا يَقْوَى على القيام، أو أداء الصلاة واقفًا.
وأيضًا في العصر المملوكي نجد السلطان قلاوون يُنشِئ مارستانًا - ما زالت بقاياه موجودة حتى الآن وتحمل اسمه - كان المريض يلقى الرعاية والاهتمام مدة وجوده بالمستشفى، ويُعطى المريض بعد خروجه بعض المال؛ حتى لا يضطر للعمل في فترة نقاهته.
وقد أسهم العلماء المسلمون مثل ابن مسكويه، وابن حزم، وابن خلدون، وغيرهم في الاهتمام بالمعاقين، وأوضحوا دور الأسرة في الوقاية المبكرة من الإعاقة، وأهمية مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين، فكان لهم السبق في رعاية هؤلاء المعاقين بدمجهم في البيئة مع أقرانهم العاديين، مما أسهم في تكيفهم وتوافقهم مع المجتمع.
ولقد عرف المسلمون الطب النفسي، واكتشفوا الكثير من الأمراض النفسية والعقلية، واستخدموا العلاج النفسي في علاجها، وأنشئوا مستشفيات للطب النفسي، وبرز في هذا المجال أطباء كثيرون، من أمثال ابن سينا والرازي وغيرهم[1].

[1] رعاية المعاق بين الشرائع السماوية: مركز خدمات المنظمات غير الحكومية، ص22-25.
 
 أمثلة من نوابغ ذوي الاحتياجات الخاصة عبر التاريخ الإسلامي
1- الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه
حَبْر الأمة وترجمان القرآن الذي استطاع أن يجمع العلم في زمانه حتى أصبح مرجع الأمة في العلم الشرعي على مر الزمان، بل أصبح المبصرين يسألونه ويستفتونه في مسائلهم الخاصة، على الرغم من فَقْده لحاسة البصر. يقول ابن عباس في وصف حاله:
إن يأخذ الله من عيـني نورهمـا *** ففي لساني وسمعي منهما نـور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي عـوج *** وفي فمي صارم كالسيف مأثور
 
2- بشَّار بن بُرْد
الشاعر الذي تميز على أقرانه المبصرين، وفاقهم في الكثير من قصائده التي ما زالت منتشرة ومتداولة إلى وقتنا الحاضر، فهل يستطيع مبصر أن يأتي بمثل ما أتى؟
وعيرني الأعداء والعيـب فيهـم *** فليس بعار أن يقال ضريـر
إذا أبصر المـرء المروءة والتقـى *** فإن عمى العينين ليس يضـير
رأيت العمى أجرًا وذخرًا وعصمة *** وإني إلى تلك الثلاث فقـير
 
ومن علمائنا الذين برزوا في العلم الشرعي، مع أنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة: الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله (رئيس المجلس الأعلى للقضاء بالسعودية سابقًا). والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله (رئيس الإفتاء بالسعودية سابقًا). والشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله.
نسبة المعاقين في العالم
مع تزايد أعداد المعاقين في العالم بشكل ملحوظ وكبير، خاصَّةً في الآونة الأخيرة من عصرنا الحديث، وبعد حدوث الكثير من التغيرات الديموغرافية في الحياة، وتفشي العوامل الصحية التي تصيب الأم الحامل قبل وأثناء الولادة والمسببة للإعاقة، برز هنا الاهتمام الكبير بفئات المعاقين على كافة المستويات، وتعاظمت نسبة المعاقين في العالم اليوم:
 13.5% من مجموع سكان العالم مع بداية القرن الحادي والعشرين.
 15% من الممكن أن تصل نسبة المعاقين في العالم.
900 مليون شخص عدد المعاقين في العالم اليوم.
80% من المعاقين معظمهم من بلدان العالم الثالث، والبلدان النامية.
وقد حرص المجتمع الدولي والمنظمات العالمية ومنظمات حقوق الإنسان في الربع الأخير من القرن الماضي على أن يأخذ المعاق نصيبه من الرعاية والاهتمام والحقوق والواجبات، فأصدرت الأمم المتحدة إعلان حقوق المعاقين عقليًّا عام 1971م، وإعلان حقوق المعاقين عام 1975م، كما أنها أعلنت العام الدولي للمعاقين عام 1981م[1].
 
وبعدُ فهذا طرف من مظاهر اهتمام الإسلام بذوي الاحتياجات الخاصة يظهر حجم هذه الاهتمام، وكيف عمَّت رحمة الإسلام لتشمل الجميع، وليعرف العالم أن الإسلام هو دين الرحمة، وهو دين الحق لجميع البشر.

[1] مركز دراسات وأبحاث ورعاية المعاقين، الرابط: http://www.caihand.com/na.htm#naup
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 ذوي الاحتياجات الخاصة حقوق ومكانة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7