الرئيسة كلمة المرصدجذور الأوهام الطائفية
 
الإثنين 15 أبريل 2013

صناعة العدو وسيلة يلجأ لها العجزة لاحتواء أنصارهم ، حتى يحافظوا على هوية مجتمعهم من الانصهار أمام نموذج حضاري آخر؛ خاصة إن كان هذا النموذج مثالي يتوافق والفطرة الإنسانية ، وتتوافر فيه عوامل التقدم والرقي الإنساني.

وفي سبيل صناعة العدو يستحل المخالف كل شيء من كذب وتدليس،  فلا مانع لديه أن يزور التاريخ وأن يزيف الحقائق ، المهم أن يخلق صورة نمطية لدى اتباعه عن هذا العدو يخرجه بها عن نطاق الإنسانية ، ويلصق به كل نقيصة حتى وإن كانت مخترعة، وتثبيتا لشيطنة الآخر يسعى صاحب تلك الصناعة لتصوير شيعته على أنهم عناصر ملائكية تتعرض دائما للعدوان من قبل الآخر  .

ومن ثم تخرج أجيال لم تسمع سوى الكذب على أنه صدق ، ولم ترى في الزيف إلا الحق ، وهذه الأجيال من الصعب أن تحدث فيها تغييرا ، لأن ما تردده من تخاريف تعتقدها كمسلمات وحقائق لا جدال فيها ومن هذا النمط ما خرج به علينا صحفي بجريدة الوطن يقال أنه نائب رئيس التحرير في مقال بعنوان (جذور العشق الطائفي). وذيله بقوله يتابع ، مما يعني أنه مازال لديه الكثير.

وصم الفتح الإسلامي بأنه غزو عربي ، لا بأس ولكن دع هذا لغيرك ؛ فلولا الفتح الإسلامي الذي تنعته بالغزو ، ما كان لملتك  وجود ولا أثر اليوم في مصر، وارجع في ذلك ليعقوب نخلة في كتابه تاريخ الأمة القبطية وهو يحكي أن القبط كانوا في طريقهم للاضمحلال والدمار، ولم ينقذ هذه الملة الأرثوذكسية إلا الفتح الإسلامي كما يقول ألفرد بتلر في كتابة الغزو العربي لمصر، وهكذا فإن المذهب الأرثوذكسي بات صريعا لا تكاد الحياة تدب فيه، فعادت إليه الحياة من جديد في جو الحرية الدينية الذي أشاعة عمرو رضى الله عنه، وهذا المعنى : (الحرية الدينية ، العدل ، الأمان) يمكن أن تقرأها لجاك تاجر في كتابه أقباط ومسلمون، وليوحنا النقيوسي الذي كان معاصر للفتح الإسلامي، كما تقرأها لغيرهم .

يقول الراهب أنطونيوس في كتابه وطنية الكنيسة وتاريخها : (وبالإجمال لم يتول على مصر أمير أحسن التدبير مثله ) ويقول أيضا : ( فإن القبط نالوا في أيام عمرو بن العاص راحة لم يروها من أزمان).

فهذا عمرو بن العاص على لسان أناس من شيعتك ، ولو استزدت في النقل لخرج الأمر عن حدود المقال في الاختصار .

وبدلا من حكاوى المرضى الطائفيين وكتب المؤرخين ، لتنظر إلى الوثائق والمستندات؛ ففي إحدى الوثائق البردية أن : المسلمين حين أرادوا طعاما كتبوا بما أخذوه إيصالا على أنفسهم ليخصم من الجزية . وكتب في نهايته حرر في شهر جمادي الأول سنة 22 هجرية. وقد ذكر أدولف جروهمان في كتابه أوراق البردي العربية عدة وثائق بردية تفيد هذا المعنى، ثم علق عليها قائلا : (إن هذه المعاملة إزاء شعب مغلوب قلما نراها من شعب منتصر).

فمن يتحرج من الاستيلاء على الطعام لا يستولى على أكثر من ذلك، ولكن الصحفي الكسول نقل القصة ونسبها للمقريزي ولم يكلف نفسه النظر في كتاب المقريزي فضلا أن يقرأها في مصدر آخر هذه هي أبجديات البحث، ولكن الكسل أحلى من العسل، المهم أن ترص جملا إلى جوار بعضها وتخرج بمقال تنفث من خلاله أحقادك.

والقصة أن عمرا قال : أن من كتمنى كنزاً عنده فقدرت عليه قتلته. وقيل له إن قبطياً من الصعيد اسمه بطرس عند كنز ، فأرسل إليه فسأله، فأنكر وجحد، فحبسه، حتى اكتشف الكنز ، فكان : (اثنين وخمسين أردبا ذهبا مصريا مضروبة) فضرب عمرو رأسه عند باب المسجد. فما هي حقيقة بطرس هذا ؟

أولا الكاتب تكاسل واستسهل  ولم ينقل من الأصول فوقع في الكذب حيث قال في مقاله (كنز فرعوني) وهي في الحقيقة أموال مضروبة، والأموال المضروبة المراد بها الدنانير التي كانت معروفة في ذلك الوقت، فليس بكنز فرعوني قديم كما يريد أن يوهم القارئ.

هنا يقفز سؤال إلى الذهن ؛ (يعني ها تفرق؟) نعم هناك فرق تؤكده الرواية الأخرى ويؤكدها ، وهو أن هذا كان مال الخيانة والعمالة والتواطأ مع العدو الأجنبي.

فذكر المقريزي وغيره أن عمرا بن العاص استحل مال قبطي من قبط مصر لأنه استقر عنده أنه يظهر الروم على عورات المسلمين، ويكتب إليهم بذلك، فاستخرج منه بضعة وخمسين أردبا دنانير.

فالرجل كان جسوسا وعينا على أهل مصر لصالح الروم ، تأتيه الدنانير من دبي ربما، أو تمويلات من خلال منظمات المجتمع المدني، ويكتب تقارير صحفية أو للمنظمات الدولية ، كله أكل عيش وسبوبة.

وفي الرواية التي ذكرها الصحفي اختصارا ، أنه كانت هناك مراسلات بين بطرس هذا وراهب بالطور، فأنصح الصحفي بأن ينشط قليلا ويعرف أن رهبان الطور كانوا خلقدونيين من أصحاب مذهب الطبيعتين وبالتالي هم على ملة الروم ، وهؤلاء هم الذين نقضوا صلح الإسكندرية، وراسلوا قسطانز حفيد هرقل ، فأرسل لهم أسطولا بحريا، واحتل الإسكندرية ، وقتل حاميتها المؤلفة من ألف جندي، وهم الذين ثاروا في مصر السفلى في قرى بلهيب وسخا وسليطس، وليراجع في ذلك تاريخ الكنيسة القبطية لمنسى.

أما الاضطهاد الذي نال الرهبان على حسب ما يدعي هو فرض الجزية عليهم . وكنت أتمنى منه وخاصة أنه مسيحي أن يتبصر ما يقول، فالجزية ليست اختراعا إسلاميا ؛ وما كان أمرها ليغضب أحد من الشعوب في هذا الوقت، بل إن النصوص الدينية لدى أهل الكتاب أقرت الجزية على الشعوب المسيحية، وجعلتها من جملة الحقوق الواجب أدائها ففي رسالة بولس لأهل رومية (13/17) : ( فأعطوا الجميع حقوقهم الجزية لمن له الجزية الجباية لمن له الجباية).  وعلى حسب متى (17/24-27): فإن المسيح عليه السلام قد دفع الجزية للوثنيين، فهل ترى أن الرهبان أفضل من سيدك المسيح. يقول يعقوب ملطي : (خضع السيد المسيح مع تلاميذه لإيفاء الجباية أو الجزية)، وأكد كلامه من قبل يوحنا الذهبي الفم.

فالأمر إذن ليس به غضاضة من الناحية الدينية، ولكن المسلمون طواعية منهم أولا وتسامحا لم يفرضوا الجزية على الرهبان، عمرو بن العاص الذي نلت منه ومن جاء بعده لم يفرضوا الجزية على الرهبان.

أما الذي حمل عبد العزيز بن مروان على فرض الجزية على الرهبان فهو ما نقله له الراهب بنيامين وغيره من الوشاة بأن الرهبان النصارى يأكلون ويشربون ولا يعملون، وراجع في هذا تاريخ البطاركة لابن المقفع.

وأزيدك من الشعر بيتا؛ تقول بتشر في كتابها تاريخ الأمة القبطية : (وأول باعث على هذه الرهبنة هو القانون الذي وضعه قسطنطين سنة 320م وفيه يعفى العزاب والذين بلا نسل من دفع الضرائب المفروضة على غيرهم ، وهذا القانون حدى بالكثرين من محبي النفس والمال إلى الامتناع عن الزواج)، وتضيف : (أن القانون الذي جعل مصاريف اللقطاء على الحكومة قد ساعد الرهبان على نشر الشر والفساد).

وعبد العزيز بن مروان هذا الذي فرض الجزية على الرهبان كان له كاتبان أرثذكسيان، جعلهما على جميع كورة مصر ومريوط ومراقية ولوبية، ويقول صاحب كتاب سير البيعة : أن البطرك كتب إليهما يشكو ما أصابه من ضر على أيدي الخلقدونيين الكفرة (يقصد المسيحيين الكاثوليك، أصحاب مذهب الطبيعتين)، وأنه تم رفع الضر عنه، ويضيف : (ورزق الأب البطرك قبولا ونعمة عند الأمير).

وما يؤكد أنهم كانوا يكيدون لبعضهم البعض ما ذكره ساويرس بن المقفع : أن الأرخن يونس تقرب من الوالي قرة بن شريك حتى ولاه شأن الرهبان، فلما أخذ السلطان عليهم ، قال لقرة : ( إن فيهم من لا يؤمن بأمانة النصارى القبط، ولا يصلون مع المسلمين فما ترى أن أفعل بهم؟) فظل بالوالي قرة بن شريك يحرضه عليهم حتى ضاعف الجزية عليهم، فانظر كيف يحرض على إخوانه الرهبان، ثم إذا بالمؤرخ القس ساويرس يثني على هذه الفعلة فيقول : (فخرج من عنده بتدبير الله) هكذا أصبحت مضاعفة الجزية وإكراه الرهبان على تغيير مذهبهم الديني تدبير من الله.

أجوا في النهاية إن منعه عليه التعصب الطائفي قبول الحق، أن يتعلم أصول البحث العلمي وينشط ويتخلى قليلا عن الكسل.

وللمقال بقية إن شاء الله وقدر.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 جذور الأوهام الطائفية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7