الرئيسة مقالات مقالات 2013عن التدرج في تطبيق الشريعة ..مفهوم وضوابط ؟
 
السبت 9 مارس 2013

هل التدرج في تطبيق الشريعة مقبول شرعا في دولة كانت تحت حكم طاغوت سابق ..وما ضوابط ذلك ؟

 سأل الأخ (بحب ديني) وفقه الله تعالى في صفحة الاستشارات الفكرية التابعة لمركز التأصيل على الفيسبك فقال : السلام عليكم ورحمة الله ..لدي سؤال هام :
هل التدرج في تطبيق الشريعة مقبول شرعا في دولة كانت تحت حكم طاغوت سابق ..وما ضوابط ذلك ؟

فأجاب فضيلة الشيخ الدكتور بندر الشويقي حفظه الله تعالى :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ،،،

الجواب عن هذا السؤال يحتاج –أولاً- إلى بيان معنى كلمة "تطبيق الشريعة". فهذا اصطلاح درج عليه الكثير في كلامهم وكتاباتهم، وكان التعبير الأمثل والأصلح أن يقال: (إقامة الشريعة)، أو (إقامة الدين). لكن إذا تجاوزنا في التسمية، وتحدثنا عن (تطبيق الشريعة) باعتباره اصطلاحاً متداولاً، فلا بد أن يُفهم أن تطبيق الشريعة مفهوم واسعٌ لا يقتصر على نظام العقوبات، أو الأحوال الشخصية، أو نحو ذلك مما ينصرف إليه فهم كثير من الناس. بل المراد بتطبيق الشريعة أوسع من ذلك وأشمل، وذلك بأن تكون شريعة الإسلام مرجع الدولة المهيمن على أنظمتها الإعلامية والتربوية والاقتصادية والقضائية والسياسية، وفي سائر شؤونها الداخلية والخارجية.

إذا عُلم هذا، وعرفنا معنى اصطلاح (تطبيق الشريعة)، فلا بُدَّ أن يعلم أن إقامة شرع الله بهذا المفهوم الشامل منوط بالقُدرة والإمكان، كسائر التكاليف الشرعية، كما قال الله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم). فمتى قدر المسلمون على إقامة شرع الله على أي بقعةٍ، فلا يجوز لهم التواني في ذلك أو تأخيره. وكذلك إن قدروا على إقامة بعض الشرع، وعجزوا عن بعضه، فلا يجوز لهم ترك إقامة ما قدروا عليه. وشرط القدرة والإمكان يُخرجُ الأحوال الاستثنائية، أو حالات الاضطرار التي يكون فيها المسلمون قادرين على إنفاذ شيءٍ مع شرع الله، لكن مع مفسدة راجحةٍ جليةٍ، فهذا الأحوال حكمها حكم العجز عن إقامة الدين. لكن لا بد من التنبيه هنا إلى أن هذه حالات اضطرارٍ تقدر بقدرها، بمعنى ألا يطلق الحكم بالاضطرار من غير استيفاء النظر من أهل الاجتهاد واستفراغ الوسع، مع التأكيد على استحضار أن هذا وضع استثنائي مؤقت، ينظر فيه إلى كل حالةٍ بحسب ملابساتها ومتطلباتها، مع السعي لتغيير هذه الحال والتمهيد لإقامة شرع الله ما أمكن.

فإن كان هذا المقصود بالتدرج في (تطبيق الشريعة)، فلا إشكال فيه. أما إن كان المقصود بالتدرج في (تطبيق الشريعة) ضرورة أن ينتظر القادرُ على إقامة شرع الله إلى أن يقنع الناسُ، أو يقنع أكثرهم ويرضوا بأن تكون الشريعة الإسلامية مرجعاً لأنظمة الدولة وتشريعاتها، فهذا المعنى معنى باطلٌ لا يجوز إطلاقه بهذه الطريقة، وهو يختلف عن المعنى المشروع الذي قررناه آنفاً. فالشرط الضابط لوجوب إقامة الشرع، إنما هو القدرة والإمكان، مع أمن المفسدة الراجحة، سواءٌ قل المؤيدون أو كثروا. وقد قال الله تعالى لنبيه: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك). وقال: (فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق).

فصاحب السلطة النافذة، القادر على إقامة الدين وإلزام الخارجين عنه بالاحتكام إليه من غير مفسدة راجحةٍ، لا يجوز له أن يتأخر في ذلك أو يتوانى، كما لا يجوز له أن ينتظر موافقة فردٍ أو جماعةٍ -قلت أو كثرت- على إقامة أمر الله وشرعه. وهذا ما فعله الصديق –رضي الله عنه- حين ارتدت قبائل العرب، فبادر إلى قتالهم وإلزامهم بإقامة الدين. وهذا ما فعله المسلمون في فتوحاتهم، حين أقاموا شرع الله في البلاد التي فتحوها، وتمكنوا منها من غير نظرٍ إلى قلةٍ أو كثرةٍ. بل ذلك ما فعله النبي –صلى الله عليه وسلم- حين أمكنه الله من مكة، فبادر لهدم الإصنام، وإقامة ملة التوحيد.

لكن لا بد أن يترافق مع إقامة الدين –عند القدرة- التوعية والنصح والإرشاد، بحيث تجتمع حجة البيان مع حجة السلطان، فلا يكتفي صاحب السلطة بالقسر والإلزام مع امتلاكه حجج القرآن والسنة التي تستجيب لها قلوب أكثر المؤمنين. فبهذا المسلك تنشرح بإقامة دين الله صدور أهل الإيمان، في حين يخضع لها راغمين أهل النفاق والطغيان.

والله أعلم.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 عن التدرج في تطبيق الشريعة ..مفهوم وضوابط ؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7