الرئيسة في دائرة الضوءصفحات من معركة المناهج الرموز
 
الثلاثاء 26 فبراير 2013

تمهيد

في هذا المقال بأجزائه التي لم تنشر بعد أرصد تجربة نادرة لم أقرء أو أسمع عنها لكني عايشتها بنفسي ولم أفهمها حتى وقت قريب.

إنها أخطر معارك أمريكا مع التيارات الاسلامية و التي تقوم على فكرة شيطانية تستخدم الرموز في تحطيم المناهج بعد أن تزيل الفوراق بينهما.

وقد وجدت صعوبة في كتابة هذه التجربة ليس لأنها ستغضب البعض وحسب ولكن لأنها نكأت جراحا عميقة تسكن في نفسي. ويُفترض أن هذا مقال واحد لكن لطوله سأنشره على عدة أجزاء كلها ضرورية القراءة والمناقشة حيث سنحاول تتبع هذه القاعدة الامريكية الشيطانية على بعض الحركات الإسلامية الأخرى.

بسم الله:

مثّل اعتزاز المسلمين بدينهم وقودا تاريخياً لكل حركاتهم وشواغلهم الفكرية وحين ينجح بعضهم في وضع تصور واقعي مستمد من الاسلام يعبد الناس لربهم ويحقق مقاصد الرسالة الخاتمة عبر وسائلها المشروعة يُسمى هذا التصور بـــ "المنهج" ومنذ سقوط الخلافة اسمًا ورسماً .. انبرت مجموعات إسلامية عدة في وضع مناهج واقعية لإعادة الخلافة مرة أخرى ليس بإعتبارها نظاماً للحكم ولكن بكونها الصورة الكاملة لسيادة الاسلام.

وأعداء الاسلام –سياسيا أو عقدياً – وأن حاربوه في الكتب والمصاحف إلا ان الحرب الضروس كانت على المناهج الواقعية العملية صحيحة الانتساب للإسلام والتي تطرح بديلاً حضارياً لكل النظم الأخرى السائدة.

واتخذت هذه الحرب أساليب شتى أو بالأحرى شتى الأساليب بدءً من السخرية والتهديد والتعذيب والاعتقال والنفي والقتل وإفراغ المضامين وتجفيف المنابع والاختراق والإختلاق وتشويه الصورة وتلطيخ السيرة والمعارك الجانبية والأهداف الزائفة والمناهج المضادة.

لكني هنا أسعى ان أرصد - من خلال معايشتي - طريقة من أخبث الطرق وأنكي الحيل في محاربة الحركة الإسلامية وهي "ترميز المناهج".

كانت الجماعة الاسلامية المصرية هي أكبر وأكثر الجماعات الاسلامية تأثيراً وزخماً في الواقع المصري على مدار عقدين كاملين منذ الثمانينات وحتى بداية الالفية الثانية ولهذا تعرضت هذه الجماعة إلى جميع صنوف المحاربة التي مرت على الحركة الاسلامية منذ نشأتها ولهذا أعتبرها هنا النموذج الاوضح لاستقراء هذا الاسلوب في الحرب على المناهج

فحين تعرضت الجماعة الإسلامية لإعتداء من أجهزة الأمن يهدف لإرهابها وتقيد حركتها قامت بالرد الفوري عليه وهو ما أدخل الجماعة في صدام طويل مع نظام مبارك قتل فيها المئات من الطرفين وحاول نظام مبارك وقتها التفاوض مع الجماعة أكثر من مرة لكن الجماعة كانت متمسكة بشروط قاسية اعتبرها النظام تستهدف بقاءه

حتى كان عام 1993 حيت تمكنت الأجهزة الأمنية من قتل "طلعت ياسين همام" المسؤل العسكري للجماعة وأخر رجالها الاقوياء خارج السجون

بعدها بدء النظام المصري في خطة لتفكيك الجماعة التي يقبع أكثر من 99% من أعضائها داخل المعتقلات .

وما أقوله هنا ليس تحليلا سياسيا بل معلومات دقيقة .

فقد سافرت نخبة -تقدر بعشرين ضابط - من ضباط أمن الدولة والعمليات الخاصة والسجون والمخابرات إلى الولايات المتحدة حيث تم تدريبهم على تطبيق نظرية طورتها الاستخبارات الامريكية للتعامل مع الجماعة الاسلامية في السجون حيث كانت القراءة الامريكية للجماعة أن أغلب أعضائها "صبية" أعمارهم مابين الثامنة عشر والسابعة والعشرون من العمر وهم من طبقات اجتماعية فقيرة والكثير منهم لم يكمل تعليمه بسبب المطاردات الامنية

لذلك كانت الخطة الأمريكية تقوم بالأساس على فصل قيادات الجماعة عن قاعدتها الشابة فينفك ارتباطها التنظيمي ثم اخضاع القاعدة لتجربة قاسية تفكك ارتباطها الفكري بها .

وفي هذا الصدد طورت المخابرات الامريكية نظريتها من احدى قوانين "بافلوف" حول الارتباط الشرطي حيث تم حبس فأر في قفص به ممر يصله إلى قطعة من الجبن وفى منتصف هذا الممر حديدة زرقاء موصل بها تيار كهرباء ...

ما حدث للفأر وكيف اسقط النظام هذه التجربة على الاف المعتقلين وما تبع هذا من احداث جسام سنذكره في الجزء الثاني باذن الله.

"صفحات من معركة المناهج الرموز "2

الجزء الثاني

بقلم خالد حربي

كانت الخطة الأمريكية تقوم بالأساس على فصل قيادات الجماعة عن قاعدتها الشابة فينفك ارتباطها التنظيمي ثم اخضاع القاعدة لتجربة قاسية تفكك ارتباطها الفكري بها .

وفي هذا الصدد طورت المخابرات الامريكية نظريتها من احدى قوانين "بافلوف" حول الارتباط الشرطي حيث تم حبس فأر في قفص به ممر يصله إلى قطعة من الجبن وفى منتصف هذا الممر حديدة زرقاء موصل بها تيار كهربائي عالي فكان الفأر كلما شعر بالجوع اجتاز الممر إلى قطعة الجبن فيصعقه التيار عند الحديدة الزرقاء فيعود ادراجه إلى القفص ثم يدفعه الجوع مرة اخرى إلى الممر فيصعقه التيار الكهربائي عند الحديدة الزرقاء وبعد عدة محاولات مشابهة من الفأر تم فصل التيار الكهربائي واجتاز الفأر الممر إلى قطعة الجبن لكنه حين وصل للحديدة الزرقاء صعق أيضا مع عدم وجود التيار الكهربائي نتيجة للارتباط الشرطي الذي تكون في ذهنه بين الحديدة الزرقاء وبين التيار الكهربائي .

وعليه قامت النظرية الامريكية بحبس شباب الجماعة في زنازين صغيرة بأعداد كبيرة وفي أجواء صعبة وغير أدمية وصب العذاب عليهم ليل نهار لفترة قدرت بستة أشهر مع التذكير الدائم أن هذا التعذيب بسبب التمرد على النظام والانصياع وراء قادة الجماعة ثم فجأة يتم فتح مخرج وحيد من هذا العذاب بكتابة إقرار توبة عن الانتماء للجماعة واعتناق افكارها والخروج السريع للاصطدام بالواقع بدون مرحلة تأهيلية تسمح للسجين باستعادة توازنه ثم تكثف الرقابة والمضايقة الامينة عليه في الخارج

وبالفعل عادت الفرقة المكلفة بتنفيذ هذا المشروع وشرعت في ترحيل المعتقلين لسجون جديدة منعزلة ومظلمة وهي أشبه بالمقابر من أي شيئ أخر وتم عزل القيادات والشخصيات المؤثرة في سجن ببطن الصحراء في الوادي الجديد

أما الشباب فبعد ترحيلهم للمعتقلات الجديدة تم تجرديهم من كل شيئ حتى ملابسهم وحلق رؤوسهم ولحاهم وعزلهم عن العالم الخارجي تماماً بحيث منعت عنهم كل مصادر المعرفة او حتى الذكر حتى المصاحف والمسابح .

وصب عليهم العذاب الشديد والنكال المهول والإهانة والإذلال ليل نهار حتى صار بقائهم على قيد الحياة أمراً يتعجب منه حرس المعتقلات .

ثم جاءت ساعة قطف الثمار فأعلن النظام لهؤلاء "الصبية" أن من يخط بيده سطراً واحداً لن يوقف عنه هذه العذاب فحسب بل ستفتح له أبواب السجون فينفذ منها فورا إلى الدنيا والواسعة كأنه أستيقظ من كابوس مفزع . سطرا واحد لن يكلف شيئا يقول فيه :أخطأت وتبت وأتعهد بعدم العودة مرة أخرى .

وكانت المفاجأة .. لا أحد تقدم لكتابة هذا الورقة ...فضل الشباب الصغير او "الصبية" -كما قالوا عليهم – فضلوا التعفن في المعتقلات والتقلب تحت سياط العذاب على التخلي عن مبادئهم ومنهجهم

صعق الطغاة من النتيجة المخيبة وراحوا يتقاذفون التهم فيما بينهم بالإهمال وعدم الجدية وبعث جهاز أمن الدولة بمذكرة شهيرة للرئاسة يؤكد فيها ضرورة سيطرته الكاملة على قطاع مصلحة السجون وبالفعل أطلقت يد الجهاز في الإشراف على قطاع السجون والمعتقلات وتم تعين ضابط امن دولة في كل سجن ومعتقل كمشرف وحاكم له ..وبدأت دورة جديدة من تطبيق النظرية الامريكية تحت قيادة مباشرة من جاهز أمن الدولة الذي افتتحها بتغريب المعتقلين إلى معتقلات اخرى وتطبيق أساليب أكثر وحشية ودموية في العزل والتعذيب الاذلال ولفترات أطول وبدأت أعداد القتلي والعجزة في السجون تتزايد

وأقسم بالله العظيم أني خرجت يوما إلى مستشفي سجن الفيوم بعد يوم طويل من التعذيب الجماعي فشاهدت بعيني ستة من الشباب مصابون بشلل كامل ناتج عن كسر في العمود الفقري من التعذيب في هذا اليوم فقط

وحين جاءت اللحظة التي رأي النظام أنها ساعة إغلاق الستار وإعلان نجاح النظرية الامريكية في تفكيك أكبر الجماعات الاسلامية وفتح باب " "التوبة" أمام "الصبية" كانت النتيجة أسوء مما سبق ..الجميع استقبل هذه العرض المغري بـ "التوبة" بالقليل من السخرية والكثير الصمود .

بلا شك كان يخرج شخصيات معدودة لا تتجاوز العشرات من اجمالي 15 الف معتقل لكنهم في الغالب كانوا معتقلين عن طريق الخطأ ولم يكن منهم شخصيات منتمية بصورة حقيقية للجماعة حتى كانت الجولة الثالثة من التجربة الشيطانية حين رضخ للتجربة أحد اعضاء الجماعة المعروفين وهو "فريد كدواني " من محافظة المنيا ووقتها حاول أمن الدولة استثمار هذا الحدث للدلالة أن هناك أمل في نجاح التجربة لكنهم جميعا اسقط في يديهم حين أكتشفوا ان كدواني خرج لينتقم ..فبعد خروجه مباشرة قام كدواني بتشكيل وحدة عسكرية للثأر مما يحدث للمعتقلين في سجون مبارك وكان من أبرز اعماله استهداف الأفواج والمنشئات السياحة في الصعيد .

عندها ادرك الجميع فشل التجربة وأغلق ملفها تماما مع توصية باستمرار المعاملة الوحشية للمعتقلين حتى لا يشعروا بالنصر .والبحث عن طريقة جديدة لمعالجة الأزمة

وتبدأ هنا خطة جديدة من المكر وهذا ما سنعرضه في الحلقة المقبلة بإذن الله.

"صفحات من معركة المناهج الرموز "3

الجزء الثالث

بقلم خالد حربي

كانت المخابرات الامريكية بمكتبها الفخم الملاصق لمكتب وزير الداخلية في الطابق الرابع بالوزارة والمسمى حركيا باسم "مكتب الخبراء" تدرك أن الشباب في المعتقلات يمتلئ بشحنة من الغل والانتقام ولا توجد طريقة لتفريغ هذه الشحنة التي حولت كل معتقل إلى قنبلة موقوتة تفيض بالغضب وتنتظر لحظة مواتية للانتقام سوى الاستعانة بالقيادات التاريخية للجماعة في هذا الشأن وفتح حوار معهم حول مستقبل الالاف الشباب القابعين منذ سنوات في المعتقلات بلا داعي والذي حولتهم السياسيات المجرمة إلى عناصر انتقامية

بالفعل بدء حوار مع القادة وبعد عدة جلسات تم اكتشاف الحل الذهبي لهذه المعضلة فالتحليل والجلسات المصورة لبعض القيادات أظهرت مرونة شديدة لم يكن يتوقعها النظام منهم كما ظهر جليا انهم يميلون لإغلاق الملف حيث احترقت تقريبا كل أوراقهم التي يناورون بها ولم يتبقى لديهم سوى الحوار وحسب .

حاول النظام من قبل أن يستخدم بعض القيادات " الزائفة" لخلخلة أفكار الشباب حيث تم اعتقال بعض الشخصيات المشهورة التي سرعان ما اعلنت عن توبتها وتراجعها عن أفكارها وراحت تبث هذا في جلسات تلفزيونية مصورة وكان من أبرز هؤلاء الدكتور عبد الله بدر

لكن هذا أيضاً لم ينطلي على الشباب .

ووجدت المخابرات الامريكية المعادلة السحرية في نبرة اليأس الخفية التي تخرج من أفواه بعض القيادات التاريخية للجماعة

كانت المعادلة بسيطة وواضحة تقول: لماذا نبحث عن قيادات زائفة تخلخل القاعدة الشابة إذا كان يمكننا فعل هذا بقياداتهم الحقيقية فبعض القيادات التاريخية لديها القابلية لبعض التنازلات التي ستقودهم حتماً إلى كل التنازلات .

كانت النظام يدرك أن الجماعة الإسلامية كيان مغلق ثقافياً وفكرياً يعتمد على وحدة التلقي من مشايخه فقط دون الإنفتاح على غيرهم من مفكري وعلماء الاسلام

وطبيعة كيان كهذا أن تكون قاعدته مسطحة فكرياً وعلمياً و منساقة تماماً بلا أدني تردد وراء القادة الذين أصبحوا امام القاعدة تجسيداً كاملاً لكل ما يعرفونه وبالتالي فان سقوط هؤلاء القادة سيسقط بلاشك المنهج نفسه

في شهر سبتمبر من عام 1996 ألقي القبض عليَّ مع مجموعة من الشباب وتم اقتيادنا لمقر جهاز أمن الدولة بالجيزة المعروف باسم "جابر بن حيان" وهناك وجدتني أمام أحد القيادات التاريخية الذي قضى 15 عاما في السجن بتهمة اغتيال السادات وبعد انتهاء فترة العقوبة تم ترحيله لمقر أمن الدولة لينظر هل سيفرج عنه أم سيتم اعتقاله

بعد عدة أيام قضيناها مع هذا الرجل الفاضل شعر خلالها أن ليّ سلطة ومكانة وسط باقي إخواني فأسر لي بأمر هام شكل لي وقتها صدمة عنيفة

قال : لقد كانت هناك نقاشات ولقاءات مع أطراف سياسية وأمنية بالدولة خلال الأشهر الماضية انتهت إلى إبرام اتفاق بين القيادات التاريخية بليمان طرة وجهاز أمن الدولة يقضي بالإفراج عن الصف الثاني من القيادات والذين انتهت محكوميتهم على أن يقوم هؤلاء بتهدئة الاوضاع في الخارج والاتفاق مع باقي القيادات الصغرى المتناثرة في سجون مصر الكثيرة وتسليم العناصر المسلحة الهاربة من الجماعة إلى المحاكمة في مقابل الافراج عن أعضاء الجماعة والسماح لهم بممارسة الدعوة بما لا يخالف القوانين وربما يسمح لنا بعد هذا بإنشاء حزب سياسي !

لم أكن مدركا وقتها لما تعنيه هذه الكلمات لكني فهمت أن دوري هو المساعدة في هذا لا سيما وهذه القيادات التي سيفرج عنها لا تعرف شيئ عن مصر منذ 15 عام وأكثرهم لايستطيع أن يستدل على منزله القديم بعد خروجه .

في يوم 4 أكتوبر من نفس العام تم اقتيادي إلى مقر إدارة امن الدولة الكائن وقتها بالدور الرابع بلاظوغلي حيث تم التحقيق معي في تهمة ملفقة بمحاولة اغتيال أحد القيادات الامنية وبعد 9 أيام أعادوني مرة أخرى إلى مقر الجهاز بالجيزة لأجد ذلك الشخص المنوط به تنفيذ البند الاول من الاتفاق لم يخرج كما كان متوقعا بل صدر قرار باعتقاله بسجن الوادي الجديد

وبعد يومين دخل علينا أحد القيادات الأخرى الذي أنهى فترة العقوبة وحين سألته عن مصيره ومصير الاتفاق مع النظام قال إن اللواء صلاح سلامه رئيس جهاز أمن الدولة وقتها أبلغ منتصر الزيات محامي ان الاتفاق كان سيتم كما هو لكن في الدقائق الاخيرة صدر قرار من الرئاسة بالغاء الاتفاق وإعادة اعتقال كل من ينهى فترة العقوبة من القيادات وأنه شخصيا لا يعلم أكثر من هذا .

كنت أرى حالة من اليأس والغضب تخيم على هذه القيادات التي ستعود مرة أخرى للمعتقل بلا تهمة بعد قضاء 15 عام فيه .

وفي يوم 13 اكتوبر 1996 صدر قرار باعتقالي أنا وثلاثة من رفاقي وترحيلنا إلى معتقل الفيوم الصحراوي ..وهناك بدء فصل جديد من معركة المناهج الرموز.

"صفحات من معركة المناهج الرموز "4

الجزء الرابع

بقلم خالد حربي

بعد قرار الرئاسة المفاجئ بالغاء الاتفاق بين القيادات ووزارة الداخلية تم توزيع بعض القيادات التاريخية للجماعة والتي كانت منعزلة عن الشباب طيلة عمرها في سجن ليمان طرة - حيث كانوا يعاملون معاملة كريمة جدا بالمقارنة مع غيرهم- تم توزيعهم على كل السجون الملتهبة بالقتل والتعذيب لمدة شهرين فقط بعدها تم تجميعهم مرة أخرى في ليمان طرة مع قيادات الصف الاول ليقصوا عليهم ما مر بهم من أهوال تفوق الخيال وتتصاغر أمامها جرائم عبد الناصر وصلاح نصر والنازي وستالين ،

كان الشباب من قبل يرسلون بشكواهم إلى القيادات وكان القادة يصبرون الشباب برسائل تقص عليهم مواقف زينب الغزالي والاخوان في سجون عبد الناصر لكن ليس الخبر كالمعاينة فبعدما عاشوا في هذا الجحيم لمدة شهرين فقط أدركوا أن سجن الباستيل وكتابات زينب الغزالي ليست سوى تجربة فندقية اذا قورنت بما يعانيه الشباب منذ سنوات في المعتقلات .

كانت القيادات التاريخية تشعر بانسداد الافق عليها وليست بحاجة لهذه الهزة العنيفة التي أشعرتها بمسؤوليتها المباشرة عما يلاقيه هؤلاء الشباب ولم تجد أمامها سوى البدء بتقديم تنازلات صغيرة للنظام كي يفتح ملف الحوار بينهما مرة أخرى ..وقد كان بالفعل

في البدء أعتبر النظام هذه التنازلات تافهة وغير ذات قيمة بل أن وزير الداخلية وقتها اللواء حسن الألفي قال لأحد هذه القيادات " أنتم شلتوا سلاح وقتلتوا وزراء ولواءات وضربتوا السياحة وأنا عرفت امسككم وأحطكم في السجن أول عن أخر ..ممكن تقولي بقه ايه الي يخليني اطلعكم تاني من السجن ؟!"

كانت هذه الكلمات غير عفوية فقد أعدت بعناية شديدة حيث قرعت في أذهان القادة نقطة عميقة يشعرون بها لكنهم لا يجرون على الحديث عنها أنهم لا يفاوضون النظام بل يشترون حريتهم وأنفسهم منه وإن الثمن لابد أن يرضى النظام وهذا سيكون حتما فادحا ومؤلما أبعد مما تصورته أنفسهم ..كان القادة يظنون أنهم حين يعلنون موافقتهم على القاء السلاح ونبذ العنف والتحول للعمل الدعوى القانوني والبرلماني سيتنفس النظام الصعداء بعد أن كانوا صداعاً في رأسه لسنوات طويلة ...وبسبب السجن الطويل لم يكن هؤلاء يدركون حجم التغير الحادث في مصر سياسياً واجتماعياً وثقافياً أيضاً

تخلى القادة عن فكرة التفاوض بعدما ايقنوا أن النظام ليس بحاجة للتفاوض معهم واقترحوا "المبادرة" كفكرة بديلة تقول للنظام أننا سنبادر من أنفسنا ونعلن عن تغيرات جذرية في فكر الجماعة وسلوكها مقابل الافراج عن المعتقلين وتقين أوضاع الجماعة ...

وانقسم النظام تجاه هذا الطرح الجديد حيث رأي أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس أن يقبل النظام هذه الخطوة ويبني عليه ..بينما رأي حسن الألفي وزير الداخلية وقتها أن يتجاهل المبادرة وينتظر التنازل القادم .

لكن النظام في النهاية استطاع أن يكون رأي واحد يجمع وجهتى النظر فيتم ابلاغ القادة برفض المبادرة مع تشجيعهم – بصورة غير رسمية- على تطوريها وإعادة طرحها مرة أخرى

كان القادة يدركون أن لا سبيل أمامهم سوى هذا كما كانوا يدركون أن هذا لن يكون نهاية التنازلات .

وهنا أنبه على شيء هام ..فهذا الوضع السيئ للجماعة والمجازر التي تقع لأفرادها ليس مفاجئاً ولا جديداً على قادتها وقواعدها بل هو مستمر منذ سنوات ..ربما الجديد فيه أن الشباب اعتاد على هذا وبدء يبتكر أليات للتعايش معه وتقليل أضراره

السؤال الان : إذا ما الجديد الذي دفع بالقادة إلى هذا التنازل للنظام ؟

الجديد أن الناس كانوا لا يفكرون قبل الحوار مع النظام سوى في الثبات والصمود ويستحضرون المُثل العليا لهذا الثبات كأصحاب الاخدود وصحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ورمضاء مكة وشعب أبي طالب وماشطة بنت فرعون وسيد قطب وشهداء الجماعة

لكن بعد الحوار مع النظام وحين لاحت للنفوس ثغرة إلى الحرية أطلقت الشمس على وجوههم تحول تفكيرهم من الثبات إلى التململ ومن الصمود على المبادئ إلى التفاوض مع النظام ومن استحضار اصحاب الاخدود إلى استحضار الاهل والولد والمستقبل ويغلف كل هذا بأماني النفس عن العودة للمساجد والمنابر -في حدود المسموح به من النظام- وهنا بلا شك تتغير النفوس وتتعلق القلوب بغير الله فينزع منا الصبر وتصبح القضية نزاع حول الحرية لا صراعا بين الحق والباطل .

ونعود إلى السرد حيث قرر قادة الجماعة أن يلقوا بورقتهم الاخيرة عبر إحراج النظام بأن يذيعوا على الشعب مبادرتهم فيتنفس الشعب الصعداء ويجد النظام حرجاً من رفضها وبالفعل تم إعلان المبادرة على وسائل الاعلام يوم 5 يوليو 1997 خلال جلسة عسكرية لمحاكمة أعضاء الجماعة المتهمين بقتل اللواء رؤوف خيرت مسئول القسم الديني بجهاز أمن الدولة في القضية رقم 235

وعلى الفور أعلن حسن الالفي وزير الداخلية رفض النظام لهذه المبادرة مؤكداً أنها غير صادقة ولا تعدوا كونها محاولة للإفلات من العقاب وأكد انه لن يسمح بعودة الإرهاب مرة أخرى .

بقدر ما كان رد الالفي عنيفا وصادماً للقادة كانت صدمة المبادرة نفسها أكثر عنفاً وتأثيراً على للقاعدة الشابة التي فوجئت بتراجع القيادة لمسافة كبيرة ولاحظتُ وقتها أن إرتباكاً شديداً بين الشباب بدء بالتكذيب ثم الصمت ثم نشر شائعات أن النظام هو من يتوسل للقادة نتيجة الضغط عليه .

بقايا المسلحين في جبال الصعيد أدركوا أن القادة تخلوا عنهم بهذه المبادرة فقرروا هدم المعبد على رؤوس الجميع وفي الصباح استيقظ الجميع على مذبحة الاقصر التي قتل فيها 70 سائحاً غربياً

وأعلنت الجماعة وقتها تبرها من المذبحة واتهمت الموساد بارتكابها بقصد إفساد المبادرة واستمرار الصراع بين الجماعة الدولة

أطاحت المذبحة بحسن الالفي بسبب إهماله الجسيم في حماية المزارات السياحية وجاءت باللواء حبيب العادلي رئيس جهاز أمن الدولة كأول ضابط من الجهاز يتولي وزارة الداخلية

وعلى عكس الالفي الذي كان مغرورا وصلفا مع الجميع بما فيهم مكتب المخابرات الامريكية كان العادلي يدرك أهمية وعمق النظرية الامريكية فقام بتكليف اللواء أحمد رأفت الشهير ب " الحاج مصطفي رفعت" مسئول القسم الديني في الجهاز بمتابعة ملف المبادرة وفق التصور الامريكي له

وعلى مدار ثلاث سنوات أستطاع مصطفي رفعت أن يسحب قادة الجماعة من التفاوض إلى الحوار ومن الحوار إلى مبادرة وقف العنف ومن المبادرة إلى المراجعات الفكرية التي يشرف عليها لجنة من الازهر ومن المرجعات إلى التراجع التام عن أفكار الجماعة بل عن الجماعة نفسها

كانت التراجع يحدث بصورة درامية وفقا للقاعدة الشهيرة "بطيئ لكنه أكيد" وعلى عكس العصا التي كان يرفعها حسن الالفي كان مصطفي رفعت يرفع الجزرة وقد سمعته بأذني يوماً وهو يتحدث يأتيني صوته في مكبرات الصوت بينما أنا في زنزانتي في عنبر 3 بمعتقل دمنهور الذي كان يحتجز فيه الرافضين للمبادرة وكان الحرس يسمونه وقتها "عنبر تورا بورا" سمعته يقول لهم أن جهاز امن الدولة يسيطر على مفاصل البلد كلها وأنا أريد ان اعطيكم القنوات الفضائية وأعيدكم لمنابركم ومساجدكم فالبلد فيها أفكار ضالة لن يصلحها غيركم ..هل سمعتم عن عبدة الشياطين ؟

هذا حال شباب البلد لذلك نتمني أن تخرجوا لتردوا هؤلاء الشباب لدينهم وتعرفوهم على الاسلام بالموعظة الحسنة -طبعا - بعد أن يراجع الازهر افكاركم الجديدة السمحة .

في البداية كتب قادة الجماعة كتابات نمطية مثل "يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم " وشروح لصلح الحديبية ومرحلة الاستضعاف

لكنها رفضت جميعاً حيث لم يعد النظام يقبل بهذا النمط من التفكير فليس ثمة مسلمون وكفار ولا صراع بين طائفتين

أوضح مصطفى رفعت للقادة أن النظام لا يعبأ بمن يحملون السلاح إنما بالفكر الذي دفعهم لحمل السلاح وهو غير مستعد لأي تفاهم مع من يحملون هذه الافكار الخمسة :

الحاكمية – الجهاد- الامر بالمعروف والنهى عن المنكر – التكفير –الخروج على الحاكم .

كان مصطفي رفعت يقول لهم دائماً إنه يغامر بمستقبله معهم فما أسهل أن يغلق الملف ويتركهم يموتون في السجون لكنه يخاف أن يسأله الله لماذا لم يساعدهم على إصلاح أنفسهم ليعودوا للحياة مرة أخرى !!

وكان يردد علي مسامعهم دائما أن الرئيس اتصل به يستفهم عن ما يفعله وعندما شرح له الوضع قال له ما تفعله يا مصطفي سيرفعكم جميعا أو يخسف بك وبهم الارض .

بدء القادة يقلبون كتب التراث بحثا عن ثغرات تضفى الشرعية على ما يقومون به من هدم لمنهجهم القديم وظلت كتاباتهم في سجال بين الازهر والمخابرات والأمريكان حتى انتهت إلى الصيغة التي تهدم الجماعة تماماً كأنها لم تكن يوماً حتى أني سمعت بأذني احد القادة يشرح للشباب تصورهم الجديد عن قضية الامر بالمعروف فقال نصا: النهى عن المنكر باليد هو من اختصاص الحاكم فقط مهما كان الامر حتى لو رأيت شخص يغتصب امرأة في الشارع فلا يجوز لك أن تستخدم القوة في هذا بل عليك ابلاغ السلطات فحسب ".!!

من القواعد الامريكية في التفاوض أن لا تقول " لا " مطلقا لخصمك ولكن قل "نعم ..ولكن" بمعني لا ترفض ما يعطيك وأن كان صغيراً وغير مرضى بل تأخذ أي تنازل صغير ثم تبني عليه جهود ومحفزات ومخاطر وضغوط حتى تحصل على جزء أخر وهكذا حتى تحصل على جميع ما تريد لأنه ما من أحد مستعد أن يتنازل من أول مرة عن كل شيء

وهذا ما طبقه مصطفى رفعت وخبراء CIA مع قادة الجماعة

ولعلمه بحجم الصدمة الي أحدثتها المبادرة في صفوف القاعدة الشابة تكتم مصطفي رفعت طيلة ثلاث سنوات عن مضمون المراجعات ورفض أن يخرج شيئ منها إلى القاعدة إلا بعد ان يتلقى هؤلاء القادة بالشباب ويقعوا تحت سحرهم ثم تقدم لهم امتيازات خاصة في المعتقل ..وبالفعل تم فرز السجن فوضع اعضاء الجماعة في عنابر خاصة بهم بينما وضع أمثالنا من المعترضين وغير المنتمين للجماعة في عنابر أخرى ثم فتح على شباب الجماعة ما كان الحلم به في المعتقل ضربا من الخيال الجامح فمنع التعذيب أو الاهانة بكل صورها ودخل التلفزيون والجرائد والمجلات وفتحت الزنازين عليهم ليل نهار وأقيمت ملاعب الكرة وسمح بزيارة الاهل لساعات طويلة مباشرة بدون سلك يفصل بينهم وأتيحت الفرصة لمن يريد استكمال دراسته أن يكملها من الداخل وحيث بات العدو لعم ان السراء أشد وأنكي علينا من الضراء

ثم بدأت الأنباء تتولي عن زيارة قريبة لقادة الجماعة الذين يمثلون الاسطورة الساحرة لشبابها وبعد أيام قليلة ربط في ساحة السجن أتوبيس سياحي مكيف يحمل قادة الجماعة والتف حولهم الشباب مأخوذين بهم كملائكة هبطت على الارض ولمدة أسبوع كامل عاش هؤلاء الملائكة بين الشباب يطعمونهم ويداوون جراحاتهم ويقصون عليه العبر والقصص

ثم اقيم سرادق ضخم في ساحة المعتقل وخرج شباب الجماعة ليتحدث اليهم القادة من فوق المنصبة التي يجلس عليها بجوارهم "الحاج مصطفى رفعت ويحيط بها لفيف من ضباط أمن الدولة وبدؤوا يهصرون الأستار عن العالم الموعود، وتطلّعت القاعدة إلى مشارق الوحي في هذه الوجوه القدسية، فإذا اللحى تتساقط، والمسابح تنفرط، والمسوح تُنتهك؛ الكلمات تترادفُ على معنى واحد : أن ما أضعتم فيه اعماركم وبذلتم له الدموع والدماء وتصبرتم عليه تحت العذاب المهين لم يكن سوى اجتهادات خاطئة أفسدت البلاد والعباد ..وهاكم الافكار الجديدة التي سبق وتعلمت منا أنها شبهات ضالة تجيدون الرد عليها !!

يمكنكم ان ترفضوها ويومها لن نكون مسئولون عنكم أمام الدولة وعليكم ان تواجهوا مصيركم وتنخلعوا مما تنعمتم به وتعودوا إلى السجن القديم حيث الموت والعذاب ..أو تقبلوها وتخرجوا للحياة مرة أخرى من هذه المقابر حيث تجدون العمل والزواج والدراسة والأهل .

بعض الشباب وترك السرادق وبعضهم قام يصرخ في وجوه القوم بعضهم اجهش بالبكاء حين تذكر رفاقه الذين استشهدوا داخل الزنازين لكن الغالبية صعقتهم المفاجأة وهالهم الموقف فجلسوا كأن على رؤوسهم الطير

وفي الصباح أدرك الجميع أن اللعبة انتهت وبعضهم حاول أن يوهم نفسه بصحة ما يقوله القادة وبعضهم سخر من لحيته وتسائل عن قيمتها الان والكثير منهم صمت لكنهم جميعاً اتفقوا أن لا قيمة لبقائهم في السجون بعدما انتهت اللعبة فليغلق كل شخص فمه وقلبه على ما يعتقد ويسير خلف القطيع حتى أبواب المعتقل وفي دنيا الله الواسعة سيكون هناك فسحة للتفكير .

وتنفس القادة الصعداء من موقف الشباب لكنهم ظلوا يرسلون الجواسيس والعيون بين الشباب تبحث عن من يعترض أو يجاهر برفض الافكار الجديدة ليتم عزله في عنابر "تورا بورا" التي نظرت يوما من بين قضبانها فرأيت شيخ الجماعة كرم زهدي يتأبط زراع الحاج مصطفى رفعت ويسير في طريق سحلت عليه من قبل جثث مئات الشهداء وشباب الجماعة مصطفون على جنباته يتغنون بالسلام الوطني .

وحين كان الشباب يسألون القادة عن المستقبل كان الجواب النمطي سنعطيكم ثلاث سنوات بعد الخروج لا تتصل فيها بأحد بل تعكف على أمور دنياك فتصلحها ثم سنتصل بكم لنحدد معالم تحركاتنا الدعوية المقبلة .

كان الجميع يدرك أن القادة يُسّرحون الأعضاء ويحلون الجماعة ويغلقون ملفها إلى الأبد لتحتل المرتبة الاولى في الحركات الاسلامية التي هُدمت مناهجها على يد رموزها .. وبعدما نجحت التجربة نجاحاً باهرًا شرعت أمريكا في استنساخها على حركات أسلامية أخرى وهذا هو موضوعنا في الحلقة الخامسة والأخيرة بإذن الله

ومن الإنصاف أن أقول أن شباب الجماعة قاموا بعد الثورة بطرد القادة الذين لعبوا هذا الدور مع مصطفى رفعت من الجماعة وأعادوها للعمل بقيادات أخرى.

"صفحات من معركة المناهج الرموز "5

الجزء الخامس

بقلم خالد حربي

كان يفترض ان تكون هذه الحلقة هي الخاتمة لهذه الدراسة لكني رأيت ان اتوسع فيها – نسبيا- حتى أعطي صورة عامة للمشهد الإسلامي

بعد نجاح السياسية الشيطانية مع الجماعة الاسلامية سارعت الانظمة العربية بتبني هذه السياسة وكأن الشيطان قد نطق للتو في دار الندورة بالحل السحري

فرحنا نسمع عن مبادرات في الجزائر والمغرب والعراق وافغانستان وجرت محاولات مصرية لتدمير جماعة الجهاد عن طريق بعض رموزها بنفس الخطة لكن لم يكتب لها النجاح بسبب طبيعة هذه الجماعات التي تختلف كليا في تركبها وثقافتها عن الجماعة الإسلامية حيث الولاء المطلق للفكرة وليس للرمز كذلك تتمتع هذه الجماعات بانفتاح ثقافي وعلمي على مصادر ومشارب عملية وفكرة عدة لذلك لم تؤثر تراجعات بعض القادة على افكار هذه الجماعات

كما حاولت امريكا استغلال قيادات الجماعة الإسلامية المنتكسة في حربها على القاعدة فوظفتها في نقد فكر القاعدة على طريقة " الحاج مصطفى رفعت " وبالطبع لم يكن لنقدهم أثر يذكر

وبات واضحا للغرب ان خدمات هذه القيادات لن تثمر خارج جماعتهم وبالتالي بدء البحث عمن يقدم خدماته داخل التيار الجهادي العالمي بشرط ان يكون فعليا من القادة الفكرين او التاريخيين للتيار حتى تتكرر تجربة الجماعة بنفس نسبة النجاح وبذات القدر من الأثر .

وبالفعل بدء البحث عن رموز السلفية الجهادية في السجون ودراسة حالتهم الفكرية والنفسية لإيجاد ثغرات يمكن اقتناصها منهم وأسفرت هذه الدراسة عن اصطياد الجماعة الاسلامية المقاتلة في ليبيا والتي انتهت إلى مئات المعتقلين الكهول الذين يبحثون عن منفذ من معتقلات القذافي الدامية .

كذلك تم اصطياد القيادي المغربي محمد الفزازي بعدما تم ترميزه على قناة الجزيرة عبر برنامجها الشهير الإتجاه المعاكس ثم اعتقاله ثم اعلانه التراجع عن افكاره وكذلك تكرر الامر مع قيادات أخرى كالحدوشي والكتاني وأبو حفص المغربي لكن تراجعاتهم لم تحدث دويّ يذكر داخل التيار لان هؤلاء لم يكونوا منظرين او منتجين للفكر وليس لديهم رصيد تنظيري أو حركي كما كان قيادات الجماعة الاسلامية .

التجربة الوحيدة التي كانت تمثل بلا شك خطورة كانت في الاردن

حيث لا تزال الاردن هي المختبر الاستخباراتي للسلفية الجهادية وفيها الرمز المؤثر لهذا التيار وهو "الشيخ أبو محمد المقدسي " وقد ظهر وقتها خلاف بين المقدسي القابع في السجون وبين أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله الذي أصبح أيقونة الجهاد ضد الأمريكان

واستغلت المخابرات الاردنية النشطة هذا الخلاف الذي طرحه المقدسي في رسالته الشهيرة "مناصرة ومناصحة " والتي أنتقد فيها بعض استراتيجيات تنظيم القاعدة في العراق وهي الانتقادات التي تشابهت وقتها مع ما يطرحه ويضخمه الاعلام الموالي لأمريكا عن التنظيم .

وبدء الامريكان وحلفائهم في استنساخ تجربة الجماعة الإسلامية على أحد أهم رموز السلفية الجهادية وهو الشيخ المقدسي .

كانت الثغرة التي عملت عليها المخابرات هي العلاقة بين المقدسي المعلم الشهير وتلميذه الزرقاوي الذي بات صيته أكبر من معلمه بل أكبر من القائد التاريخي للقاعدة الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله .

كانت الخطة تهدف لتحويل الخلاف بين الزرقاوي والمقدسي إلى صراع شخصي ينجر فيه المقدسي لنقد القاعدة كتيار جهادي ثم يتم تطوير هذا النقد بحيث يؤل إلى اسقاط التيار كله .

وكانت الخطوات هي إعادة ترميز المقدسي إعلاميًا بإلقاء الضوء على تاريخيه ومكانته وأثره في السلفية الجهادية بحيث يحدث تراجعه أكبر أثر ممكن

كذلك تحول الخلاف بينه وبين المجاهدين في العراق إلى صراع مشتعل عن طريق طرحه وتداوله من قبل مندسين في المنتديات الجهادية المشحونة بأنصار الشيخين وبالتالي يُشخصن الصراع بين المقدسي الزرقاوي ثم يتم الإفراج عن المقدسي وتوظيف جهوده في الرد على المجاهدين في العراق .

وبالفعل بدء الخطوة الأولى وأصبح المقدسي محور الحديث الاعلامي عن القاعدة باعتباره أكبر المنظرين لها وأكثر المؤثرين في التيار الجهادي كله .

وأوقفت المخابرات الاردنية عملائها المندسين الذين كانت مهمتهم التشغب على المقدسي في التجمعات الالكترونية على الانترنت

بل قامت بضرب وإرهاب بعض عناصر السلفية الجهادية بالأردن والذين كانوا يهاجمون المقدسي علناً لاختلافهم معه في بعض الافكار ومنعتهم من التعرض أو التعريض بالمقدسي

كان المقدسي في السجن وقتها ولا يعلم شيئا عن هذه الخطة الخبيثة وحين بات الواقع مهيئا لصراع بين المقدسي والزرقاوي أُفرج عن المقدسي وهرعت إليه كاميرا الفضائيات الدولية في ليلة خروجه لتسأله عن موقفه من قاعدة العراق بعدما كتب لها مناصحًا في السجن واختار المقدسي قناة الجزيرة ليجري معها حوارًا حول هذه القضية .

وحبس الجميع أنفاسه ترقبا لما سيعلنه المقدسي بعد الهجوم الضاري على شخصه من قبل المندسين في المنتديات الجهادية الذين يرتدون عباءة مناصري الزرقاوي

كان أبو محمد المقدسي من الفطنة بحيث ادرك ما يحاك به وبالتيار كله ورغم أنه أصر على مأخذه على قاعدة العراق إلا أنه لم يعطي الامريكان والأردنيين ما طمعوا فيه فكانت أرائه تقيما ودفعا للقاعدة وليس قطعا وطعنا فيها وهو ما أغضب المخابرات بشدة حتى أنهم أقتحموا عليه منزله أثناء التصوير واقتادوه إلى السجن مرة أخرى .

رابط لقاء المقدسي مع الجزيرة

https://www.youtube.com/watch?v=U9eaOJSmh7w

بات واضحا أن تجربة مماثلة لتجربة الجماعة الاسلامية لن تنجح إلا في بيئة مماثلة للجماعة وهي بيئة يصعب تماثلها إلا في بعض المدارس السلفية لتي لا يعرف اعضائها سوى "الشيخ" .

لكن في التيار السلفي الجهادي حيث الفكرة لا التنظيم هي الرابط بين أعضائه لم يعد ممكنا استنساخ هذا النموذج الماكر .

وبما أن المعركة لن تتوقف و خطة "أسقاط المناهج على يد الرموز" ما تزال متقدة وفاعلة فقد تطور الامريكان النظرية بحيث تبدء من زرع الرمز على المدى الطويل ثم استغلاله فيما بعد في اسقاط المناهج

وهذا بالفعل ما يتم تطبيقه الان في الاردن حيث بات الإعلام يختار أكثر أنصار التيار الجهادي جهلاً وغباءً وأقلهم علماً وتديناً ويتم تسويقه إعلامياً ليصبح مع الوقت رمزاً لهذا التيار .

ولا يمكن أن نتصور اقتصار هذا التطور على السلفية الجهادية فحسب بل سيتعداه بالتأكيد إلى غيره من التيارات الاسلامية

حيث لم يعد لدى أمريكا شك أن التأثير على الرموز أيسر وأسرع من التأثير على القواعد حتى لو أضطرت لصناعة هذه الرموز .

أما كيف تواجه الحركة الاسلامية هذه الخطة الأمريكية الخبيثة ؟

هذا ما سنطرحه في الحلقة السادسة بإذن الله.

"صفحات من معركة المناهج الرموز "6

الجزء السادس

بقلم خالد حربي

أختمت الحلقة الخامسة بأن أمريكا لم يعد لديها شك في أن الرموز هي الكفيلة وحدها بهدم المناهج والتأثير على القواعد ولو اضطرت إلى صناعة هذه الرموز .

وقضية صناعة الرموز ليست فرضية ذهنية فحسب بل هي واقع ممارس طورته امريكا خلال حربها مع جماعات الزنوج المقاومة للعنصرية البيضاء وهي أيضا نظرية أمنية عربية ترى أن لكل فعل رد فعل عشوائي اذا تم كتمه يؤدي لإنفجار لذلك يجب استباق رد الفعل العشوائي بأخر مصطنع والسيطرة عليه وتفريغه من مضمونه .

فمثلا عندما غزت أمريكا العراق في عام 2003 كان النظام المصري يتحسب لمظاهرات شعبية عارمة ستتهم النظام بالسلبية وربما التواطؤ في الغزو الصليبي على بغداد فما كان من النظام إلا ان نظم هو نفسه مظاهرة شعبية في استاد القاهرة قادها جمال مبارك وعادل أمام والكثير من الشخصيات العامة للتنديد بغزو العراق !

وبصورة أكثر عميقاً عندما أرادت الادارة الأمريكية في عهد جورج بوش إلهاء الشباب عن الغزو الامريكي للعالم الاسلامي بعد أحداث 11 سبتمبر قامت بتوجيه شبكات التنصير الدولية لمصر والعالم العربي لتبدء حرب سافرة على مقدسات الإسلام تستهدف اشغال الشباب واستقطاب جهوده في ثقب أسود بعيدا عن ساحة الصراع الحقيقة .

وكانت الأنظمة العربية تدرك أن لهذه الهجمة التنصيرية رد.

فعل وأرادت ألا يخرج هذا عن السيطرة فأوعزت لبعض عملائها المندسين منذ سنوات داخل الصف الإسلامي بتصدر هذا المشهد وبالفعل كان هؤلاء لفترة مركز مقاومة التنصير حتى اكتشف الشباب حقيقتهم .

هذه النظرية استخدمتها أمريكا في أزمتها العنصرية في منتصف القرن الماضي حين انتفض السود تجاه الممارسات العنصرية ضدهم وكان الحاج مالك الشهباز "مالكم أكس" هو الصورة الحقيقة لهذا الإنتفاضة وقتها صعدت أمريكا "مارتن لوثر كينج" لينحرف بهذه الانتفاضة عن مسارها الحقيقة لتتحول من ثورة على العبودية إلى ثورة لتحسين شروط العبودية -كما وصفها مالكوم اكس نفسه .

وإمعانا في صناعة الرمز وتعمية على حقيقة الصراع أمام الأجيال القادمة قامت امريكا باغتيال الاثنين "مالكوم إكس" و"مارتن لوثر كينج" لكنها جعلت مقتل الاول جريمة جنائية بينا حولت مصرع الثاني لاستشهاد من اجل القضية ومع مرور الوقت أصبح مارتن لوثر كينج رمزا للنضال ضد العنصرية بينما بات مالكوم إكس رجل مات في مشاجرة !!

وبالعودة إلى الحركة الإسلامية نجد أن صناعة الرموز على هذا النسق ظاهرة في تاريخ الحركة حيث تم تصعيد الرموز الفكرية على حساب الرموز التنظرية فأوجد هذا فكر بلا واقع ثم تصعيد الرموز الحركية على حساب الرموز التنظرية والتربوية فأوجد هذا حركة بلا رؤية وبلا ضوابط ثم تصعيد الرموز العلمية فأوجد هذا إنسحاباً من الواقع ثم تصعيد "الدعاة الجدد" فحدث تحريفاً كاملاً للعلم والفكر والحركة الناتجة عنهما .

حتى في الكيانات والتي يصعب السيطرة عليها يتعمد الاعداء تلميع القادة الذين يعرف ثغراتهم النفسية ومواطن ضعفهم بحيث يسهل له في وقت ما النفاذ اليهم من هذه الثغرات .

وقبل ان ننتهي إلى سبل علاج هذه هذه الإشكالية لابد أن نقول إن جدلية الرمز والمنهج أخذت صورا عدة داخل الكيانات الإسلامية بلا استثناء وساعد على هذا التصور الفلكوري للتاريخ الإسلامي الذي يحصر الفاعلية في شخصية القائد او الرمز فينسب لصلاح الدين وحده تحرير القدس ولقطز وحده هزيمة التتار ولمحمد الفاتح وحده فتح القسطنطية وهي نظرة خاطئة وضارة بلا شك سنكتب عنها بشكل منفصل باذن الله.

وبالطواف السريع على جدلية الرمز والمنهج دخل كيانات الحركة الإسلامية نجد – مثلا- في المدارس السلفية العلمية يصبح الشيخ هو" الرمز المنهج" لكنه علاقته الادبية بتلامذته اضعفت من تأثيره- طول المدي عليهم – لذلك ظهرت الإشكالية بوضوح في المدارس السلفية التي طورت مفهوم العمل الجماعي على نسق الجماعات الإسلامية

حيث كان عليها أن تدفع كلفة العمل التنظيمي على حساب المنهج العلمي وهو ما أوقعها في الأخطاء التي أطاحت من قبل بالجماعة الإسلامية عندما عثرت قياداتها .

فالأعراض الجانبية للعمل التنظيمي تحمل بين مفرداتها التنافس مع الأقران والتعصب للجماعة وضيق الرؤية وانغلاقها بحيث تختزل المعاني الشرعية العامة للأمة داخل حدود الجماعة وحسب .

هذه الأعراض عندما تسللت لمدارس يفترض أن جهدها الأساسي عملي دعوي وقائمة على نظرية الشيخ والتلميذ حولت رموزها إلى أنبياء معصومين بحيث صار نقدهم هو نقد للدين وهدم لمقدساته .

وهو ما لم يقف أثره على القاعدة الشابة فقط بل تخطاه إلى الرموز ذاتها حين نظرت لنفسها باعتبارها المنهج ذاته وتقمصت دور" دابة الله " في أخر الزمان فراحت تسم الناس على جباههم هذا سلفي وهذا غير سلفي بناءً على قربهم أو بعده من عمله التنظيمي أو رؤيته السياسية

وبدت الصورة صادمة حين استغل هذا في الصراع السياسي فخرج أحد الرموز السلفية ليشرح للعامة معني السلفية بأنه اتباع الكتاب والسنة بفهم الصحابة فقال إن كل المسلمين بمصر سلفيين حتى قيادات المجلس العسكري .

وحين اختلف هذا الرمز ذاته مع الرؤية السياسية لقناة الحكمة من أحداث "محمد محمود" خرج يعلن أمام تلامذته أن موقف هذه القناة غير سلفي وأيضا غير إسلامي !!

وهنا يتضح خطورة استيعاب هذه الرموز أو احتوائها من قبل اعداء الإسلام كما يتضح كلفة التصدي لها حيث يتهم منتقديها بأنه عدو المنهج السلفي الذي هو الإسلام نفسه في المحصلة الاخيرة ؟

لأنه بقدر فاعلية هذه السلاح في الحشد والتجيش بقدر الأضرار الناتجة عن استخدامه لأنه في نهاية المطاف لن يصغ الناس لسيف الترهيب بعصمة المنهج وسينقلبون حتماً ليس على الرموز فحسب بل على المنهج بأسره .

بقي في الحركة الإسلامية نموذج أخر فريد تحول فيه الرمز إلى منهج بوضوح تام نظراً لشدة فاعليته هو ما حدث في التيار القطبي قديما وحازمون حالياً.

فحين تحولت رؤية سيد قطب بعد استشهاده لمنهج كامل وقع صاحبه بالدماء على صدقه واستقامته بدت خطورة استغلال الرمز هنا منعدمة لرحيله إلا إنها لن تفلت من الأثار العرضية لترمز الشخصيات حيث سيبقى نتاج هذا الرمز مهما كان أهميته لبنة واحدة فقط في جدار الإسلام وبالتالي التوقف عنده بلا شك اعاقة للمسير الصحيح.

بالإضافة إلى الاختلاف على تفسير تراثه ومواقفه حيث دائما الصراع على امتلاك او احتكار الرمزي يغلف بالخلاف على فهم ثراه ومواقفه .

وهي ثغرة نفذ منها أيضا الاعداء في محاولة لاستثمار الرمز بعد وفاته أو على الاقل التشويش عليه وإبطال مفعوله في نفوسه متبعيه.

و نذكر هنا أن المفكر العلماني "نصر حامد أبو زيد " طرح في سنواته الأخيرة مشروع خبيث لإعادة قراءة "ابن تيمية" وهو مشروع هدفه تخريب بيت الخصم- الحركة الاسلامية - من الداخل وهو ما ألهم العلمانية لتدشين مشروع إعادة شرح التراث الإسلامي بحيث ينتج هو العلمانية عن طريق الرموز الإسلامية العريقة عوضاً عن الدخول في صراع مفتوح معها.

والعلمانية بهذا تستثمر الميل الطبيعي للشعوب ناحية التراث والحضور الطاغي لرموزه القديمة في نفوس الشباب لينتج به "قيم علمانية ذات أصل إسلامي تراثي مختلق".

أما حازمون -وما يشابهها – فمع حضور الرمز يصعب تحرف أو توجيه أفكاره لكنه أيضا يمنع من الإطمئنان لرمزيته بلا شك حيث أن الحى لا يُؤمن عليه الفتنة وسيُعرض لما يتعرض أمثاله من الرموز السابق ذكرها باستثناء كونه رمز لفكرته هو لا رمزا لمذهب أو فكر عامة أو تنظيم جماعي .

بهذا نكون طوفنا سريعا على الحركة الإسلامية بين مناهج الحركة ورموزها لنتحدث في الحلقة الأخيرة عن كيفية مواجهة هذا المخطط في ظل تنافسي اسلامي على التصدر والترميز واستغلال الاعداء لهذه الثغرة. والله المستعان .

 
 
   Bookmark and Share      
  
 صفحات من معركة المناهج الرموز

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7