الخميس 27 ديسمبر 2012
فتح القسطنطينية


الأموال
المؤلف:
هو الإمام الحافظ المجتهد أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله ، ولد بهراة من أعمال خراسان سنة 157هـ ، وكان والده مملوكاً رومياً لرجل من أهل هراة وتعلم القرآن في كتابها ، ولما شب رحل في طلب العلم إلى البصرة وإلى الكوفة ، هناك التقى بكبار علماء العربية في عصره ، فأخذ قراءة القرآن عن أبي الحسن الكسائي ، وأخذ العربية عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ، وأبي زيد الأنصاري وغيرهما.
ثم رجع إلى خراسان وعمل مؤدباً لأولاد هرثمة بن أعين، أحد قادة هارون الرشيد ثم تحول منها إلى مرو ، وأخذ يواصل عمله في التأديب والتعليم ، وشاء الله أن يمر بهذه المدينة طاهر بن الحسين وهو في طريقة إلى خراسان ، فطلب رجلاً يحدثه ليلة فقيل : ما ها هنا إلا رجل مؤدب. فأدخل أبو عبيد عليه، فلما حادثه وجده أعلم الناس بالأيام والنحو واللغة والفقه. فقال له: من المظالم تركك بهذا البلد ، ودفع إليه ألف دينار ، وقال له : أنا متوجه إلى خراسان في حرب ولست أحب استصحابك خوفاً عليك فأنفق من هذا المال حتى أعود إليك ، فألف أبو عبيد في هذه الفترة كتابه غريب المصنف ، فلما عاد طاهر حمله معه إلى (سر من رأى) ثم شاء الله أن يتعرف عليه ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي ، فأخذه مؤدباً لأولاده ، لما تولى طرسوس حمل معه أبا عبيد وولاه القضاء بها ، وبقي قاضياً بتلك البلدة ثمانية عشر عاماً ، ثم ترك القضاء ورحل إلى مصر ، ثم عاد إلى بغداد واستقر بها ، وأخذ يصنف ، ثم قدم مكة حاجاً وبقي بها إلى أن توفي سنة 224هـ.
وقد أخذ العلم عن خلق كثير في العربية والأدب والفقه والحديث، فمن شيوخه: إسماعيل بن جعفر ، وشريك بن عبد الله ، وسفيان بن عيينة ، ويحيى القطان ، وابن المهدي ، ويزيد بن هارون ، وخلق كثير.
وقد حدث عنه أبو بكر الصاغاني، وأحمد بن يوسف ، وأبو بكر بن أبي الدنيا ، وعلي بن عبد العزيز البغوي ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، وعباس الدروي ، وأحمد بن يحيى البلاذري ، وغيرهم.
وقد أثنى العلماء على أبي عبيد فقال ابن سعد: ( كان مؤدباً صاحب نحو وعربية وطلب للحديث والفقه). وقال الإمام أحمد: أبو عبيد أستاذ ، ولما عرض عليه كتاب (غريب الحديث) لأبي عبيد استحسنه وقال : جزاه الله خيراً. وقيل إنه استنسخه بيده ، وقال ابن معين : ثقة ، وقال الآجري : عن أبي داود ، ثقة مأمون. وقال الدارقطني: ثقة إمام جبل. وقال الحاكم: هو الإمام المقبول عند الكل. وقال إبراهيم الحربي: أدركت ثلاثة لن ترى مثلهم أبداً ، تعجز النساء أن يلدن مثلهم ، رأيت أبا عبيد ما مثلته إلا بجبل نفخ فيه الروح. وقال أيضاً : كان يحسن كل شيء إلا الحديث فإنها صناعة أحمد ، ويحيى. وقال إسحاق بن راهويه: - الحق يحبه الله - أبو عبيد أفقه مني وأعلم مني) ، وكان يقرن في الفقه والاجتهاد بالإمامين الشافعي ، وأحمد بن حنبل.
وقال ابن درستويه النحوي: ( وكان أبو عبيد ذا دين وفضل وستر ومذهب حسن ، روى الناس من كتبه المصنفة في القرآن ، والفقه ، والغريب ، والأمثال ، وغير ذلك بضعاً وعشرين كتاباً ، وكتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد).
وقال ابن أبي حاتم : (سألت أبي عنه فقال : كنت أراه في مسجده وقد أحدق به قوم معلمون ، ولم أر عنده أهل الحديث فلم أكتب عنه ، وهو صدوق).
وقال ابن حبان في الثقات: كان أحد أئمة الدنيا ، صاحب حديث وفقه ، ودين وورع ومعرفة بالأدب وأيام الناس. جمع وصنف واختار ، وذب عن الحديث ونصره وقمع من خالفه. قال الذهبي: ولم يتفق وقوع رواية لأبي عبيد في الكتب الستة. وعلق على ذلك الشيخ ناصر الدين الألباني بقوله : ( وذلك من الأدلة الكثيرة على أنهم لم يخرجوا لجميع رواة الحديث الثقات).
وأبو عبيد واسع الثقافة متعدد الاختصاصات فشارك كل قوم في عملهم ، ورضيه الجميع كما قال الحاكم ، ولذلك جاءت مؤلفاته في نواحي متعددة من العلم. وأشهرها كتابه (غريب الحديث) ، وقد مكث في تصنيفه أربعين سنة ، وكتاب الغريب المصنف في اللغة ، وكتاب الأمثال ، وكتاب فضائل القرآن ، وكتاب الأموال ، وهو من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده ، وقد انتقد الخطيب البغدادي هذا الكتاب بقوله : ( إن أضعف كتب أبي عبيد كتاب الأموال يجيء إلى باب فيه ثلاثون حديثاً وخمسون أصلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فيجيء يحدث بحديثين يجمعهما من حديث الشام ويتكلم من ألفاظهما) ، ووجه انتقاد الخطيب على كتاب الأموال ، أنه لم يحصر الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في الباب الذي يبحثه ، ومن المعلوم أن أبا عبيد قليل الرواية للحديث كما قال الحربي ، وإلا فإنه قد امتدح هذا الكتاب في نفس ترجمة أبي عبيد وذلك بقوله : ( وكتابه في الأموال من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده).
منهج أبي عبيد في كتاب الأموال:
يشمل هذا الكتاب مجموعة من المباحث الفقهية المتعلقة بالأموال وجباية موارد الدولة الإسلامية ، والوجوه الشرعية لنفقاتها.
وقد قسمه إلى ثمانية كتب ، والكتاب ينقسم إلى مجموعة من الأبواب ، وقد مهد لهذه الكتب ببعض المباحث التي تعتبر بمثابة مدخل أو مقدمة إلى موضوعات الكتاب ، مثل حق الإمام على الرعية ، وحق الرعية على الإمام ، وصنوف الأموال التي يليها الأئمة للرعية.
وموضوعات الكتاب الرئيسية هي:
1- كتاب الفيء ووجوهه وسبله.
2- كتاب سنن الفيء والخمس ، والصدقة ، وهي الأموال التي تليها الأئمة للرعية.
3- كتاب فتوح الأرضين صلحاً وسننها.
4- كتاب فتوح الأرضين صلحاً وأحكامها وسننها وهي من الفيء.
6- كتاب مخارج الفيء في إقطاعها وأحيائها وحماها ومياهها.
7- كتاب الخمس وأحكمه وسننه.
8- كتاب الصدقة وأحكامه وسننها.
ويلاحظ أن بين بعض هذه الكتب تداخلاً في العناوين ، ومن الممكن ضم بعضها إلى بعض ، وطريقة أبي عبيد في تنسيق المادة العلمية أن يضع عنوان الكتاب أو الباب ثم يبدأ بعده بسرد الأحاديث والآثار عن الصحابة والخلفاء الراشدين بأسانيدها ، ويعقب على الأخبار بإيضاح مدلولها ، ويشرح ما فيها من الغريب ، ويورد مذاهب الفقهاء في القضية موضوع البحث ، ويستدل لهم ويرد عليهم حتى يقرر المسألة ويقطع فيها برأي محدد ، وبعض الأحيان يقدم بعد وضع اسم الكتاب أو الباب الحكم الذي يذهب إليه ، ثم يورد الأدلة على ذلك الحكم من القرآن ومن السنة ، وبقضايات الخلفاء الراشدين والصحابة ، وبقضايا عمر بن عبد العزيز ، وبأقوال العلماء وفتاواهم ويبين وجوه الأدلة ويعللها ، ويتعقب الأقوال ، ويرجح بعضها ، وينقد الأسانيد ويبين عللها ، ويستعمل النظر ويرجع له لكنه يقدم النص عليه ، ويحافظ على نصوص الأحاديث والآثار ، فإذا شك في كلمة قال : أو شبهها ، وإذا كان الشك منه قال : شك أبو عبيد ، وإذا كان من غيره يسميه ، وإذا كان النص طويلاً فإنه يقتصر على موضع الشاهد ويشير إلى أنه اقتصر على جز منه بقوله. ثم ذكر حديثاً طويلاً ، وإذا لم يورد الكلام بنصه يوضح بذلك بقوله : كلام هذا معناه . ويرجع إلى بعض الوثائق والسجلات ، وبعض الأحاديث والأقوال يمليها من حفظه ويبين ذلك ، ويتعذر عنها إذا نسيها ، وهذا يدل على مبلغ تقدمه في التصنيف ، ودقته في نقل الأقوال والأحاديث.
وأسانيده التي روى عن طريقها الأحاديث النبوية ، والآثار عن الصحابة والخلفاء الراشدين ، مثل أسانيد غيره من الفقهاء وأصحاب السير تحتاج إلى دراسة وتدقيق لمعرفة أحوال رجالها ، ومدى اتصالها من عدمه ، لأن غالب أسانيد الفقهاء وأصحاب السير مرسلة وموقوفة ومعضلة.
والجديد في منهج أبي عبيد هو بروز شخصيته وبيان رأيه وتأويله للنصوص التي تخالفه ، ومناقشته للعلماء والرد عليهم ، وترجيحه للمسائل ، وقوة استدلاله مما كان يفتقد عند كثير من معاصريه ، إذ يختفون وراء الأسانيد ويكتفون بإيرادها دون التدخل في مناقشتها والترجيح بينهما.
فهو أوضح من أبي يوسف ، رغم أن أبا يوسف من مدرسة الرأي ، وموضوع كتابي أبي يوسف وأبي عبيد واحد ، إلا أن طريقة المعالجة تختلف ، فأبو يوسف كان مع بيانه للموارد المالية للدولة الإسلامية ، يركز على الوسائل التي تساعد على استقرار النظام المالي ، مثل إقامة العدل من أخذ الأموال من حقها وصرفها في مستحقها ، وتنفيذ الحدود الشرعية ، أما أبو عبيد فإنه ركز على بيان الأحكام الشرعية في جباية موارد الدولة الإسلامية ومصارفها دون أن يجعل نصب عينيه انحرافاً معيناً يريد علاجه.
وما قلناه عن كتاب الخراج وأثره في الكتابة التاريخية يمكن أن يقال هنا عن كتاب الأموال لأبي عبيد.
منهج كتابة التاريخ الإسلامي، للدكتور محمد صامل السلمي، ص506


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الأموال

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7