الإثنين 24 ديسمبر 2012
فتح القسطنطينية


المغازي
ولد محمد بن عمر الواقدي الأسلميّ بالمدينة ، سنة 130 هـ ، ونشأ في طلب العلم ، ورحل لملاقاة العلماء والتلقي عنهم ، وقدم بغداد في دين لحقه سنة 180 للهجرة ، ثم خرج إلى الشام والرقة ، ثم رجع إلى بغداد ، وتولى القضاء للرشيد ، ثم للمأمون ، ولم يزل قاضياً بها حتى مات لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة 207 للهجرة .
بعض أهل العلم يوثقه وبعضهم يجرحه ، قال عنه الذهبي : ( جمع فأوعى ، وخلط الغث بالسمين ، والخرز بالدر الثمين ، فاطرحوه لذلك ، ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم ) . وقال عنه أيضاً : ( وقد تقرر أن الواقدي ضعيف يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ ، وتورد آثاره من غير احتجاج ، أما في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر ، فهذه الكتب الستة ومسند أحمد وعامة من جمع في الأحكام تراهم يترخصون في إخراج أحاديث أناس ضعفاء ، بل ومتروكين ، ومع هذا لا يخرجون لمحمد بن عمر شيئاً، مع أن وزنه عندي أنه مع ضعفه يكتب حديثه ويروى ، لأني لا أتهمه بالوضع ، وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه ، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه...إذ انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة، وأن حديثه في عداد الواهي ) .
وقال ابن كثير : ( الواقدي عنده زيادات حسنة وتاريخ محرر غالباً فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار ، وهو صدوق في نفسه مكثار ) ، وقال ابن سيد الناس : ( إن سعة العلم مظنة لكثرة الإغراب ، وكثرة الإغراب مظنة للتهمة ، والواقدي غير مدفوع عن سعة العلم فكثرت بذلك غرائبه ... وقد روينا عنه من تتبعه آثار مواضع الوقائع وسؤاله أبناء الصحابة والشهداء ومواليهم عن أحوال سلفهم ما يقتضي انفراداً بروايات وأخبار لا تدخل تحت الحصر ) .
والذي يظهر من كلام النقاد في الواقدي قبول رواياته في الأخبار والسير ، ولكن لا يعارض بها الروايات الصحيحة لأنه ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالفه غيره ممن هو أوثق منه .
وزعم ابن النديم الرافضي أن الواقدي كان يتشيع وأنه حسن المذهب يلزم التقية ، غير أن هذا كله لا يعطينا دليلاً على تشيع الواقدي لأن من عادة الروافض أن ينسبوا إلى مذاهبهم بعض المشاهير لغرض تكثير سوادهم .
أما مؤلفاته فقد ذكر ابن النديم منها قرابة ثلاثين مؤلفاً ، أغلبها في موضوعات مفردة صغيرة في التاريخ ، والحوادث ، ولا نعلم من كتبه اليوم غير المغازي ، وقد استفاد ابن سعد في كتابه الطبقات من علم شيخه الواقدي وأخذ عنه كثيراً . وكذلك فعل الإمام ابن جرير الطبري حيث استفاد من مؤلفات الواقدي في السيرة والمغازي ، والفتوح ، وتاريخ الخلافة إلى سنة 179هـ ، ونقل عنه في 371 موضعاً.
كتاب المغازي :
والذي بقي لنا من مؤلفات الواقدي : هو قسم المغازي من السيرة النبوية ، وهو يتحدث عن الغزوات التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وعن السرايا التي يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله ويؤمر عليها بعض أصحابه .
ومنهجه في هذا القسم من السيرة هو ذكر مصادر معلوماته مجموعة ، وما يسوقه من الأخبار هو مجموع ما حدثه به هؤلاء الرواة الذين ذكرهم وغيرهم ممن لم يذكرهم .
وقد سبق في مقدمة كتابه بعد ذكر الرواة الذين أخذ عنهم ، سرايا الرسول ومغازيه - منذ مقدمة المدينة إلى وفاته- مرتبة ترتيباً تاريخياً ، وحدد تاريخ حدوث كل غزوة أو سرية ، واسم أميرها ، ووجهتها ، كما اعتنى بتحديد المواقع تحديداً جغرافياً مختصراً . لم لخص هذه المعلومات بقوله:( فكانت مغازي النبي صلى الله عليه وسلم التي غزاها بنفسه سبعاً وعشرين غزوة ، وقاتل في تسع ، ثم ساقها . وكانت السرايا سبعاً وأربعين سرية ) ، ثم ذكر الذين استخلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عندما يخرج في الغزوات ، ثم ساق ما بلغه عن شعار المسلمين في كل غزوة.
وبعد هذا الإجمال شرع في التفصيل على حسب التسلسل التاريخي . ويذكر أحياناً الأسانيد مجموعة في أول كل غزوة أو سرية ، وأحياناً لا يذكرها اعتماداً على ما ذكره في أول الكتاب ، ويكتفي بقوله : قالوا . وفي بعض المواضع يسند الرواية من طريق واحد .
وللواقدي عناية بالضبط التاريخي للوقائع والغزوات ، كما أنه يعتني بذكر الرجال الذين لهم إسهامات معينة في الغزوة ، من إنفاق وبذل ، أو مشورة ورأي ، أو موقف بطولي ، ويذكر الأسرى ، وكذلك الشهداء من المسلمين ، والقتلى من الكفار ، ويرتبهم على حسب قبائلهم ، كما ذكر أسماء كل من اشترك في بدر من المسلمين إظهاراً لفضلهم ومكانتهم .
ومن الملاحظ أنه لا يعتني بالشعر كثيراً بالقياس إلى ابن إسحاق . كما يلاحظ اهتمامه بتحديد الأمكنة والمواقع الجغرافية ، حتى أنه كان يتتبع ذلك ويقف عليه بنفسه ، وإذا كانت الغزوة قد نزل فيها قرآن فإنه يذكر ذلك ويفسره مجملاً .وقد تفرد الواقديّ بزيادات في وصف المعارك ، وفي الحوادث الجانبية ، وفي السرايا ، لا توجد عند ابن إسحاق . كما أنه يبدي نقده لبعض الأخبار بعبارات موجزة كقوله : ( وهذا أثبت ) ، و ( المجمع عليه عندنا ) ، و ( كان أثبتهم عندنا ) ، و ( الثابت عندنا ) ، كما أنه يفاضل بين الأقوال مثل قوله : ( والقول الأول أثبت عندنا ) ، ( و أصحابنا جميعاً على ذلك ) ، ( ما رأيت من أصحابنا أحداً يدفعه ) في حين أنه يذكر في بعض الحالات مختلف الأقوال ولا يرجح منها شيئاً .
وقد تقدم الواقدي خطوة على منهج ابن إسحاق ، في الابتعاد عن طريقة المحدثين ، وعدم الالتزام بالأسانيد وألفاظ الرواة ، وصاغ المغازي في نسق واحد مترابط الأحداث في أسلوب قصصي واضح العبارة مما يسر حفظها على عامة الناس . وهذا المنهج جيد لو كان الواقدي نفسه من الثقات ، ولو أنه لم يخلط في مصادره بين الثقات وغيرهم .
منهج كتابة التاريخ الإسلامي ، للدكتور محمد بن صامل السلمي ، ص 437 باختصار


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المغازي

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7