الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012المنسيون في غياهب الاعتقال الصهيوني
 
الخميس 20 ديسمبر 2012
فتح القسطنطينية


المنسيون في غياهب الاعتقال الصهيوني
تعرض أكثر من 25% من الفلسطينيين للاعتقال ، وإذا استثني من هذه النسبة جملة النساء والأطفال ، فإننا دون شك أمام نسبة مهولة تؤكد أن كل بيت فلسطيني طال الاعتقال أحد أفراده ، ورغم أن كتاب "المنسيون في غياهب الاعتقال الصهيوني لمؤلفه إبراهيم أبو الهيجاء أبرز كل ذلك بتفصيل رقمي داعم لفصول الكتاب الرئيسة ، فإن الفصل الثاني ناقش قضية الأسرى في إطار تحليلي ، مركزا على أبعاد وحضور قضية المعتقلين ووزنها الكبير في إطار القضية الفلسطينية ، وموضحا كيف أن اتفاقيات التسوية قد همشتها وتناستها كما بين الكتاب في الفصل الثالث غير أن خطيئة إهمالها ولد لدى الفلسطينيين ردود فعل غاضبة ، إذ ثبت من خبر القضية الفلسطينية أنها قضية مركزية من وزن قضية الاستيطان والقدس واللاجئين ، وأن المعتقلين يعتبرون في نظر الفلسطينين أنموذج التضحية أولاً ومن النخب ثانيا ، مما جعل حضورهم الشعبي بالغ التأثير ، لدرجة أن تجاوب فعاليات المجتمع الفلسطيني مع مطالبهم بالتظاهر تجاوزت في كثير من الأحيان أولويات التنظيمات الفلسطينية وساعد توزع المعتقلين الجغرافي والجهوى ولا سيما بالمخيمات والريف الفلسطيني في انتشار ذلك التفاعل واتساع رقعته وفاعليته.


في الشكل التقريري والوضعي لقضية المعتقلين الفلسطينيين يغطي الكتاب مساحة لا بأس بها ، إذ يرى أن ثمة نقصا خطيرا في المكتبة العربية من حيث تغطية موضوع المعتقلين الفلسطينيين (حياتهم وواقعهم ، وعذاباتهم وآمالهم) ، ولذا يرسم الفصل الرابع في صورة بانورامية لمجمل المعتقلات الإسرائيلية أمثلة الرملة وعسقلان ونفخة وتلموند وشطة التي نقشت في قلوب وعقول الفلسطينيين الكثير من الأحزان والملاحم ، وبالتالي كان من الواجب التاريخي الوقوف زمانا ومكانا وحالا على أوضاعها ، مما يغني القاموس العربي الإعلامي بمصطلحات تعهد تكرارها أو سماعها دون أن يدري مضامينها.


ممارسات غير أخلاقية


اهتم الفصل الخامس برصد آليات التعذيب الإسرائيلي المتطورة والمتدرجة في شدتها ووصفها ، هادفا إلى وضع هذه القسوة في سياقها التوظيفي العلمي والعملي فهي من جهة أساليب التعذيب تتسم بمنهجية إسرائيلية نفسية وجسدية تهدف بالأساس إلى التحطيم.


ولعل النموذج الأكثر بشاعة الذي يقف عنده الكتاب بكثير من التفصيل هو تلك الممارسات الطبية التي يمارسها الأطباء الإسرائيليون أثناء التحقيقات ، فبدلا من أن يؤدوا مهنتهم "بالأخلاقية" المتعارف عليها ، نرى الجانب الطبي يستخدم كمورد مهم ، ليس فقط في الإهمال الطبي المعتمد الذي أدى إلى استشهاد العديد من المعتقلين الفلسطينيين ، بل إن خطورته تجلت في اشتراك الأطباء في التعذيب والتحقيق ، بل والأكثر بشاعة أنهم جعلوا المعتقلين حقولا لاختبار أدوية إسرائيلية تحت التجربة ، الأمر الذي تسبب في إحداث الكثير من الأعراض والمضاعفات الغريبة في صفوف المعتقلين التي أدت لاحقا إلى استشهاد بعضهم أو تعايش بعضهم الآخر معها أبد الحياة وحتى الآن.


خبرة في أساليب الاعتقال


في الفصل السادس يقدم الكتاب خبرات فلسطينية جديرة بالبحث والتعمق ، وأهمها الخبرة الأمنية المتحصلة لدى الفلسطينيين في كيفيات مقاومة هذه الأساليب النفسية والجسدية.


طبعا لا يكتفي الكتاب بإبراز الأحوال الإنسانية والخبرات الاعتقالية ، بل ينتقل في الفصل الثامن إلى فحص حالة افتراق واقتراب هذه الأوضاع الاعتقالية ليس فقط مع القانون العام وإنما أيضاً مع القانون الإسرائيلي ، فمتطلبات القانون الدولي على إشكالياتها المليئة بالازدواجية ، إلا أنه من الضروي محاكمة النصوص النظرية التي تجعل من أولى المتطلبات هو الحق في الحياة والحرية والتنمية والتعليم ... إلخ.


والغريب فعلا في استقرائنا لكل هذه الوقائع القانونية الاستنتاج أن إسرائيل لا تريد أن تتصرف كقوة محتلة عليها التزامات ، أو كقوة دولية لديها سكان لهم حقوق ، وكأن لسان حالها يقول : "نريد أن نقول ما نشاء ، ونفعل بهم ما نشاء ، ونتصرف في الوقت ذاته وكأننا دولة لها أخلاق وتحترم المواثيق الدولية".


ولعل المفزع هو المرور على قتل الفلسطينيين من قبل المستوطنين مرور الكرام كنموذج للعاملين خارج نطاق التبرير السياسي الذي تدعمه دولة وجيش إسرائيل ، وفي الكتاب الكثير من الشواهد التي تثبت تورط واحد أو مجموعة من المستوطنين في قتل واحد أو مجموعة من الفلسطينيين ، وفي إطار خارج عن أي أحداث أو صدامات ، ولكن جهات القضاء والشركة الإسرائيلية المعنية – نظريا – بمعالجة ذلك ، إما أن تقفل التحقيق تحت حجج عدم كفاية الأدلة ، أو يحاكم المستوطن لمدة أشهر أو يفرج عنه بكفالة لا تتعدى بضعة شيكلات في بعض الأحيان ، وحتى لو كانت المحاكم الإسرائيلية مضطرة لاتخاذ حكم قانوني نتيجة الضغوط الإعلامية ، فالغالب أنه لا ينفذ الحكم بالشكل المطلوب ، ويجري تخفيفه بدعوى وجود ثغرات كثيرة أما باستئناف جديد أو إعادة محاكمة أو تخفيف مدته بعد أن يتبين للجهات فجأة أن سلوك الجاني قد تحسن.


الأطفال والنساء أسرى


يبقى نموذجان كان من الواجب تسليط الضوء عليهما وإبراز مأساتهما وهما الأطفال والنساء من المعتقلين . ورغم أن سياق الفصول تطرق بوجه عام لآلام وآمال المعتقلين ، فإن الفصل التاسع قد تعرض بتفصيل لتعذيب الأطفال الفلسطينيين وتحديداً ما دون سن 16 الذين يعتبرون في عرف المواثيق الدولية والمحلية قاصرين يجب إعفاؤهم من الأحكام القانونية الفعلية حسب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل ، والتي تعتبر أن من المصلحة في حالات الأطفال عدم الاعتداء على حرياتهم أو سجنهم إلا في أضيق الأحوال ، وإن حدث ففي أقل مدة إلا أن إسرائيل تعامل الأطفال بنفس المستوى الذي تعامل به الكبار من حيث أساليب التعذيب وإجراءات الاعتقال.


وتحاول إسرائيل من خلال اللجوء إلى المحاكم العسكرية التهرب من التساؤلات الأخلاقية والقانونية ، وقد برز لدينا أثناء متابعات المؤسسات القانونية أنموذج الطفلة سناء عمرو (14 سنة) التي حكم عليها بأربع سنوات سجناً بحجة أنها حاولت طعن جندي.


وحتى عندما لا تجد المحاكم الإسرائيلية حيلة للسجن وتمديد الاعتقال ، فإنها تلجأ إلى تحميل الأهالي مسؤولية مالية من خلال فرض غرامات باهظة يضطرون لدفعها، وإلا بقي أبناؤهم الصغار عرضة لأساليب التحايل القانوني الذي يمدد تحت حجج استكمال التحقيق ، أو بادعاء ورود معلومات جديدة.


ثم يتناول مؤلف الكتاب في الفصل العاشر تجربة النساء الأسيرات ، وهي فعلا تجربة جديرة بالتوقف والمزيد من البحث والتوسع ، لأنها مميزة من جهتين : الأولى : الصلابة والجلد والنضال التي أبدتها الأسيرات الفلسطينيات بشكل أفضل من الرجال وخاصة بالإضرابات وما يطلق عليها فلسطينياً "معركة الأمعاء الخاوية" وخاصة عندما وقعت اتفاقية أوسلو وحاولت إسرائيل التلاعب والتجزئة بشكل الإفراجات الثانية تجاوزت الأسيرة الفلسطينية حاجز الخوف لأسباب اجتماعية تراعى عند الحديث عن نساء من مجتمع مسلم له ضوابطه ، وعربي له مخاوفه وهواجسه ، ومحاولة الاحتلال اللعب على ذلك إغراء وإشاعة ، ولكن ثبات المعتقلات وتجلي تجربتهن المتراكم مع رصيدهن النضالي الشريك مع الرجل في المقاومة ضمن الحدود الممكنة ، جعل المرأة الفلسطينية تتجاوز بأسرع من المتوقع أساليب الاحتلال الممعنة في استخدام كل ما لديها من قهر.


وفي آخر الكتاب يوضع القارئ بصورة تفصيلية أمام الواقع الرقمي والتوزيعي للمعتقلين والمعتقلات من حيث فئاتهم التي تغلب عليها الفتوة من 18 إلى 30 سنة بنسبة 48% من المجموع.


ومن حيث التوزيعات الجغرافية يلاحظ أن محافظات الخليل ونابلس ورام الله تتقدم عن غيرها ، متوافقة بذلك مع حجمها السكاني الأكثر قياساً ببقية المحافظات، أما في التوزيعات الاجتماعية فإن الغلبة للمعتقلين المتزوجين بنسبة 68%.


ومن حيث توزيعات تواجد المعتقلين يبرز سجنا مجدو والنقب كأكبر المعتقلات ، إذ يحتويان على أكثر من 1000 معتقل فلسطيني من أصل 7000 ، منهم 200 طفل و60 أسيرة ، ومن بينهم 300 محكوم عليهم بالمؤبد ، وأكثر من 300 بالسجن لأكثر من 15 عاماً ، وأكثر من 3500 موقوف دون محاكمة (المعروف أن هذه الأرقام في تصاعد مستمر).


يمكن القول : إن كتاب "المنسيون في غياهب الاعتقال الصهيوني" هو محاولة لاستقراء تجارب مأساوية قائمة بقصد إنعاش ما تبقى من ذاكرة فلسطينية مصابة بالتخمة من كثرة ما تختزنه من ويلات وتضحيات.


مجلة الكوثر ، العدد 57 ، يوليو 2004م


اضفها لمفضلتك بالموقع

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المنسيون في غياهب الاعتقال الصهيوني

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7