الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012المسيري .. قراءة في نبوغ مثقف
 
الأحد 16 ديسمبر 2012
فتح القسطنطينية


المسيري .. قراءة في نبوغ مثقف
بقلم / د /عادل بن أحمد باناعمة
لست أريد هنا أن أدبّج بكائيةً في رثاء المسيري وإن كان يستحق.. ولكنني أحاولُ تشبهاً به أن أنهج منهجه في الكتابة العقلية التحليلية.. من باب: (فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم).
في ظني أن المسيري – رحمه الله – قد استجمع أربع خلالٍ باجتماعها يكون المرءُ مفكراً عظيماً قادراً على إحداث التغييرات الكبرى..

عملُ العقل ...

الخَلَّةُ الأولى : الطاقة العقلية الفذة. وتتجلى هذه الطاقة لدى المسيري في ثلاثة جوانب:
الأول: تطويره النماذج الإدراكية التحليلية، وهي عبارة عن رؤى أو خرائط معرفية “ يجردها عقل الإنسان من الوقائع والأحداث التي تقع له، والظواهر التي يرصدها، والدراسات التي يقرؤها”. وقد استطاع المسيري عبر نماذجه التي طورها أن يقدّم لنا الواقع الذي نعرفه بشكل لا نعرفه ! وحسبك أن تنظر إلى موسوعته الشهيرة باعتبارها تطبيقاً عملياً لإعمال النماذج الإدراكية في تحليل الواقع بحيث تتجلى الصهيونية لقارئها بصورة أخرى مختلفة تماماً عن الصورة السطحية التي تتلقاها عقولنا ، واستطاع كذلك عبر هذه النماذج أن يكشف لنا عن خبايا عميقة في تصرفاتنا اليومية المعتادة ، وحسبك كذلك أن تقرأ – على سبيل المثال- تحليلاته اللطيفة للأعراس، والجنائز، وألعاب الأطفال، ونكتة الشعب المصري، وفضّ غلاف الهدايا، و”ما تخلّي يا بيه”! واقرأ إن شئت رحلته الفكرية لتشاهد عشرات المواقف اليومية البسيطة وهي تنسلكُ في إطار منظومة فكرية متناغمة فإذا هي تنشأ خلقاً آخر.
ومما هو لاحقٌ بهذا المسار سكُّ المصطلحات الجديدة المعبّرة، كالمجتمع التعاقدي، والمجتمع التراحمي، والحوسلة (تحويل الإنسان إلى وسيلة)، ومفهوم إعادة الزواج، والحب الزمني واللازمني.. إلى غير ذلك من الاصطلاحات (المسيرية).
الثاني : قدرته على زعزعة ما يظنه المتلقي (مسلّماً) :
ولم أر في ذلك أوضح من كتابه عن بروتوكولات حكماء صهيون، فقد استطاع بكل براعةٍ أن (ينسف) تلك البروتوكولات التي سيطرت على الفكر الإسلامي زمناً طويلاً. أمثِّلُ على ذلك أيضاً بمحاولته نقض فكرة المعاداة المطلقة بين العلمانية والإسلام عبر نظريته الشهيرة في التفريق بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.
وعلى حين يستقر في أذهان المثقفين أن الحضارة الغربية حضارة (فردية)، وأن الإنسان الأمريكي (إنسان فردي) يذهب الدكتور المسيري قائماً بحجتِهِ إلى أنّ الأمريكي أبعد ما يكون عن الفردانية، وأنه عبدٌ لا حرّ!!
والنرجسيةُ التي يكاد يتفق الجميع على ذمها هي عند المسيري ضرورة للكاتب لابد منها حين يغيب المتلقّي !!
ويزداد المثقف دهشاً حين يقرأ قول المسيري عن دراسات جارودي في الصراع العربي الإسرائيلي : إنها دراسات معلوماتية صدامية ، الهدف منها هو إثارة قضية سياسية، ومن ثم فهو لا يصل قط إلى أي أبعاد معرفية، ولا يربط بين نسقه الفكري وتفكيره السياسي!! ولا تعجل بالغضب من المسيري .. ولكن تابع تفصيل رأيه لتجد أنه قد أسقط في يديك !!
الثالث : القدرة على تقديم التفسيرات الذكية :
كتفسيره عجز الغرب عن فهم قضية حق العودة للفلسطينيين بهيمنة العقل المادّي المحايد الذي لا علاقة له بالأخلاق أو المعاني الروحية أو الارتباطات التاريخية والدينية والنّسبيّة ، وتفسيره لانتشار العبادات الجديدة المخترعة في المجتمع الأمريكي بأنه محاولةٌ للاحتجاج على الروح التعاقدية، ومحاولة لخلق جيب تراحمي داخل هذا المجتمع التعاقدي الصارم.

حافظةٌ تسنُدُ التحليل :

الخلةُ الثانية: الحافظة المميزة. وقد تجلى ذلك بوضوح في تملّكه ناصية اللغة الإنجليزية بشكل مدهش خلال شهر واحد!! وفي حفظِهِ لجميع ما يلقى في المحاضرات الجامعية بمجرد السماع! وفي عدم استخدامِهِ أثناء كتابة الدكتوراه لكروت البحث المعتادة رغم اقتباسه من عشرات المراجع ! وذلك لأنه كان يحفظ الاقتباسات والصفحات التي وردت فيها !!
وقد حرصتُ على الإشارة لهذه الخلةِ لأنَّ البعض يحلو له أن يعتبر صاحب الحافظة (مجرد مسجل) وأن المفكّر الحقيقيّ يُعمل العقل فقط.. وليس من مهمتِهِ أن يحتفظ بالمعلومة!!
وتجلى أثر هذه الحافظة المدهشة في (الموسوعية) التي اعترف بها كل من لقي المسيري أو سمع له، وفي التدفق السلس للأفكار والمعاني والدلائل عندما يتحدث أو يكتبُ.

جَلَدُ الثقةِ :

الخلةُ الثالثة: الجدّ والدّأب والجَلَدُ في التحصيل والتعليم، في الإفادة والاستفادة.
وللدكتور رحمه الله في هذا الباب عجائبُ وغرائبُ تكشفُ زيفَ دعاةَ الثقافة الطبوليين الذين ليس لهم إلا لوك الكلام وزخرفة العبارات، وكثرة الثرثرة في المقاهي والمناسبات.
أين تجد رجلاً كالمسيري يجلس على كتابٍ واحدٍ ثلاثة أيامٍ متواصلةٍ بلا نوم ليتمَّه كوحدةٍ واحدةٍ غير مفككة ؟ وأين تجد رجلاً كالمسيري يحبس نفسه في غرفة شهراً كاملاً لا يخرج منها ليتقن الإنجليزية؟ وأين تجد رجلاً كالمسيري يعكفُ على مشروعه العلمي (الموسوعة) ثلاثين حولاً يجعلها طعامه وشرابه ونَفَسَهُ !
ومن طرائفه في هذا قوله: أعرف شباباً في الأسرة كانوا يسألونني عن الموسوعة وكنت أُدهش لأنني أعرف أنهم ليسوا ذوي اهتمامات فكرية، ثم يزول دهشي حين أعرفُ أنهم وُلِدوا وهم يسمعون عن الموسوعة!! كان المسيري يستيقظ قبل السادسة ويكتب كتابة متواصلة حتى الثانية عشرة مساءً لا يتوقف إلا للأكل ولنوم ساعة الظهيرة !!

صدقوا ما عاهدوا الله عليه :

الخلة الرابعة: الصدق والإخلاص والثبات والاستعداد للتضحية. ومصداق ذلك تراه في ثلاثِ نواحٍ :
أولاها: حرصه الشديد على ألا يكتب إلا ما يعتقد أنه صوابٌ، واستعداده لأن يهدم كل ما بناه إذا وقف على معلومة تفضي إلى خلخلة بنيان الفكرة التي شيّدها ، وما زلت أعجبُ مما حدث به عن نفسه أنه في عام 1984 وقد أوشك أن يخرج الموسوعة في صورتها النهائية وقف على معلومة خلاصتها أن معظم يهود أوروبا يرجعون إلى بولندا.. فتوقف أشهراً يقرأ عن بولندا وتاريخها واقتضاه ذلك أن يعيد بناء نماذجه التحليلية وبالتالي تأخر خروج الموسوعة أكثر من عشر سنوات!! .
ثانيها: إصراره على رأيه التحليلي وإن كانت ظواهر الأحداث كلها تسير ضده!:
ففي مطالع الثمانينات بينما كانت كل المؤشرات الظاهرة تدل على غلبةِ التطبيع وقيام حالة السلام الدائم أصدر المسيري كتابه : (الأيديولوجية الصهيونية) ليثبت بعقلانية وهدوء استحالة قيام هذا السلام، ثم تكفلت بعد ذلك (صبرا وشاتيلا) بتصديق عمليّ لما قاله رحمه الله.
ثالثها: نزوله إلى الميدانِ في سبيل الدفاع عن مبادئه، وجهره بما يراه حقاً في وجه السلطة :
وكل متابع يعرف موقف المسيري وجهوده في كفاية وما تعرض له من ضرب وإيذاءٍ، إضافة إلى ما يعاني منه من أمراض، وإصراره مع كل ذلك إلى آخر أيام حياته على مبادئه التي عاش وفياً لها.
وبعد .. لم يكن المسيري إلا بشراً يصيبُ ويخطئُ، يعرف منه الناس وينكرون، ولكنه كان طرازاً فريداً من البشر في عقله وعلمه وصبره وجهادِهِ .. وفي (رحلته الفكرية) الفذّة.
رحمك الله أيها المسيري .. ورزقنا من يكمل المسيرة من بعدك .
المصدر : موقع التاريخ


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المسيري .. قراءة في نبوغ مثقف

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7