الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012أزمة القيم وإشكالية التخلف الحضاري أسباب ومظاهر الأزمة
 
الأربعاء 14 نوفمبر 2012
فتح القسطنطينية


أزمة القيم وإشكالية التخلف الحضاري أسباب ومظاهر الأزمة

مالك نبي بن نبي

ظلت الأمة العربية الإسلامية متماسكة البناء الحضاري، متألقة في سماء الإبداع والعطاء، ممثلة نموذجًا فذًا للنظام الذي يحقق للإنسان إنسانيته ويحفظ له كرامته ويضمن له فعالية مطردة في مجالات التقدم، ولم يتحقق هذا إلا بفضل ذلك المنهج الحضاري الشامل، الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة مما يحتاجه الإنسان في مسيرته الحضارية إلا هيأه ووفره. وما هو قابل للاجتهاد بواسطة العقل، وضع له الضوابط الدقيقة التي تعصم العقل من الزيغ في حركته الاجتهادية، وبذلك وصلت الأمة الإسلامية قمة الازدهار وقمة العطاء... ولكن أتى عليها حين من الدهر، وجدت نفسها وقد ولى عنها ذلك المجد الزاهي، فرجعت القهقرى، وبتعبير آخر تخلفت وتأخرت، وحلت بها الأزمة.. فما هي الأسباب التي كانت وراء التخلف؟ وكيف السبيل إلى البعث الحضاري من جديد؟‏

أشير منذ البداية إلى أن هدف هذا الفصل ليس هو استعراض النظريات أو النماذج النظرية التي عالجت مشكلة التخلف -وهي كثيرة- والحلــول المقترحة من قبلها، فليـست طبيعة البحث وحجمه مما يتسع لذلك، بل كل ما سأحاول القيام به هو الإشارة إلى بعض الأسباب والآليات التي تحكمت في مسلسل التخلف حتى أحكم طوقه على العالم الإسلامي، وسأبدأ بتحديد بعض المفاهيم الأساس المستعملة في هذا الفصل:‏

مفهوم التخلف:

جاء في لسان العرب لابن منظور (مادة تخلف) ما يلي: (خلف الليث: الخلف ضد قدّام (...) وجلست خلف فلان أي بعده (...) والتخلّف: التأخر. وفي حديث ســـعد: فخلّفنا فكنا آخر الأربع أي أخّرنا ولم يُقدمنا، والحـــديث الآخر: حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم أي يتقدم عليهم ويتركهم وراءه، ومنه الحديث: (استــــووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) (أخرجه مسلم)، أي إذا تقدم بعضهم على بعض في الصفوف تأثرت قلوبهم، ونشأ بينهم الخلف،وفي الحديث: (لتسُونَّ صُفوفَكم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم) (متفق عليه)، يريد أن كلاً منهم يصرف وجهه عن الآخر ويوقع بينهم التباغض، فإن إقبال الوجه على الوجه من أثر المودة والإلفة. ‏

إن مفهوم التخلف يتضمن أو يفترض وجود نموذج يجسد التقدم وآخر متخلف عنه، فمشيت خلف فلان يعني أنني تخلفت عنه، وتخلفت عن الركب يعني أن تخلفي يقاس بالموقع الذي يحتله ذلك الركب في المسار الذي يفترض السير فيه. ومن هذا المنطلق نجد كثيرًا من الكتاب والباحثين الذين أثاروا قضية تخلف المجتمع العربي المسلم، يرون أن هذا المجتمع متخلف بالنسبة للمجتمع الغربي وقد خضعوا في نظرتهم تلك، للمقياس الذي أشاعه الغرب للتقدم والتخلف، وهو (اعتبار نموذجه ممثلاً للتقدم، واعتبار نماذج بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية نماذج التخلف، ولم يقصر ذلك على الجوانب التقنية والعلمية والصناعية ومستويات المعيشة، وإنما مدها إلى القيم والأخلاق ومكونات الشخصية، فاعتبر نموذجه معيار التقدم وأخذ يقيس عليه النماذج الأخرى، التي ستعتبر متخلفة بالضرورة ما دامت وحدة القياس هي النموذج الغربي).‏

والواقع أننا عندما نحكم على أمة بالتخلف، لابد لنا من مقياس نستند إليه في ذلك الحكم، ولكن الذي ينبغي أن ينعقد عليه يقيننا، أن ذلك المقياس ليس هو إطلاقًا نموذج الغرب وحضارته المادية، وإنما هو النموذج الإسلامي المتكامل الذي تجسد على أرض الواقع ردحًا من الزمان وأشع بأنواره على البشرية كلها، ولا يزال إلى الآن وإلى الأبد مثالاً ترنو إليه الأبصار والعقول، التي تدرك المعنى الحق للحضارة والتقدم.. والسبب في ذلك واضح، وهو أن النموذج الغربي قد قام على أساس مادي صرف وعلى رؤية مبتورة لمفهوم التقدم مشتقة من رؤيته للكون والحياة والإنسان... وهي رؤية لا تحتل منها القيم الأخلاقية والفضائل التي تسمو بحياة الإنسان وتميزه عن الحيوان حيزًا يذكر.

‏ ومن هنا، وجب تحرير عقول المسلمين من ذلك الاقتران الخطير الذي درجت على استساغته، وهو الاقتران بين التقدم ومجتمع الغرب، غافلين كل الغفلة، عن أن ذلك الطراز من التقدم إذا وضع في ميزان الإسلام، سيكون مصيره الرفض، لأنه يهتم بإشباع حاجات الإنسان المادية، ويخنق فيه حاجاته الروحية، وهو في النتيجة والمآل سينعكف على منتوجاته المادية ويدمرها تدميرًا، في غياب الحصن الأخلاقي الذي يحمي مكاسب الإنسان الحضارية ويصونها من الفساد.‏

إننا عندما نحلل مكونات الحضارة الغربية في ضوء ما سبق، ننتهي إلى وضعها في قفص الاتهام، بل إننا لا نتردد لحظة في وصمها بوصمة التخلف، لأنها بعيدة بأوضاعها وأجوائها عن الوضع الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان.فبينما وتائر الإنتاج المادي في تصاعد، إذ بالإنسان يمعن في الارتكاس حتى وصل إلى هذه الصورة البائسة التي نراه عليها اليوم من تمزق وانحلال وعبثية عمياء. ومن هنا فإننا عندما نتحدث عن التخلــــف الحضـــاري للأمــة العربـيــــة الإسلامــــية فلا يخطرن ببال أصحاب العقول الراجحة أننا نقيس الأمة الإسلامية على الحضارة الغربية، بل إننا نصف الأمة الإسلامية بالتخلف ونحن على يقين أن من أهم أسباب تخلفها الجري وراء نموذج الغرب، ومحاولة الاقتداء به والسير في ركابه ورؤية الحياة كما يراها هو، والاصطباغ بصبغته المادية التي حولت الإنسان إلى بهيمة سائمة، بل أضل سبيلاً. إن في (مجتمعنا العربي (الإسلامي) أزمة، لا بل أزمات (....) يعبر عنها في الممارسات السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والتربوية والخلقية، وتأخذ طابع الازدواجية في السلوك، والانحراف شبه الكلي عن أصالة المبادئ والقيم التي تنتمي إليها الأمة. والأزمة تلح علينا بصور عدة من زمن، ونراها تقعد وتهبط تبعًا لمؤثرات كثيرة وأحداث متلاحقة، إلا أن حدتها قد اشتدت وأصبحت تنذر بشر مستطير (....) منه تدهور الأمة وانحلالها وانعدام أثرها وفاعليتها، واختزال دورها إلى مستوى هامشي لا يعتد به). ‏

فهذه العناصر التي يتضمنها النص السابق، هي التي تشكل مظاهر الأزمة وبعض أسبابها الجوهرية.. وإذا كانت الحضارة تعرف بأنها: (ثمرة التفاعل بين الإنسان والكون والحياة) ، فإن سبب أزمة الحضارة لا بد أن يتمثل في الخلل الذي يحدث في العلاقة بين الإنسان والكون والحياة، تلك العلاقة التي تعود قواعدها وضوابطها إلى المنظور الذي ينظر من خلاله الإنسان إلى الأشياء. وفي الحالة التي نعالج الآن، وهي حالة المجتمع الإسلامي، يمكن أن نلاحظ، لدى تأملنا جيدًا، أن انفصال ذلك المجتمع عن المحرك الذي أمده بقوة الدفع، فحقق ذلك النموذج الفريد وصاغ تلك التجربة الرائعة، هو سبب هذا الركود والهمود الذي أصاب الأمة الإسلامية. وهنا أحاول أن ألمح بعض الأسباب التي انتهت بالأمة الإسلامية إلى هذا التخلف الحضاري، بعد أن عاشت مرحلة من التماسك والقوة والمنعة، أخضعت فيها العالم وانتزعت منه الإعجاب.‏

رغم الضعف الذي بدأ في أوصال الأمة الإسلامية بعد سقوط بغداد وأفول نجم الدولة العباسية، إلا أنه بفضل قدرة الإسلام على الانبعاث والتجدد، وبفضل خزان المشاعر الإيمانية والحس الإسلامي الذي كانت تنضح به قلوب المسلمين، نهضت ممالك إسلامية ردت للإسلام هيبته وأعادت له صولته من جديد... وكان آخر معقل من تلك المعاقل متمثلاً في الإمبراطورية العثمانية، التي (وقفت سورًا منيعًا في وجه أطماع الاستعمار في السيطرة على العالم طوال أربعة قرون تقريبًا، ووحّدت مناطق شاسعة من بلاد المسلمين، مما أعطى زخمًا في مقاومة الغزاة، كما كانت تشكل قوة في إبقاء راية الإسلام مرفوعة، على الرغم مما فيها من نواقص من وجهة النظر الإسلامية).‏

إلا أن هذه الإمبراطورية العنيدة أصابها الوهن ودخلها الضعف وانحرفت عن مسارها الصحيح منذ (عهد جمعية (الاتحاد والترقي) التي حكمت من 1908 وما بعد)(5). فانتهى بها الأمر إلى الهرم والسقوط من جراء الانحراف المذكور والمخطط الصهيوني الذي كان يحفر فيها بمعاوله الرهيبة، مستثمراً الحركة الطورانية الداعية إلى القومية التركية وانفصالها عن العرب.. وبعد سقوط الدولة العثمانية، وقعت الأقاليم التي كانت تنطوي تحتها، نهبًا للاستعمار، الذي اغتنم ما سمي بتركة الرجل المريض.. لقد نهض الغرب واستخدم خيرات الأمة الإسلامية وقوداً لنهضته، وحقق مكاسب وأنتج حضارة مادية براقة انبهرت لها العيون المعشاة، فكان من آثار ذلك الانبهار السقوط في مغبة التقليد والمحاكاة... فماذ كانت النتيجة بعد التجربة المريرة؟ ‏

‏(لقد أثبتت الوقائع أن الأرضية الغربية التي سادت في بلادنا تحت شعار (الحداثة) لم تأت لتحقق تقدمًا وتطويرًا، لا على المستوى المادي، ولا على المستوى الثقافي والفكري، بل دمرت عوامل التقدم والتطوير حين حطمت مصادر الاستقلالية، وحولت الوطن الواحد إلى أوصال مقطعة وملحقة وتابعة. ورغم ذلك يقال للشعب: عليكم أن تتبعوا النمط الغربي، وتروا العالم ضمن رؤاه، وتتطوروا وفق مساره وسياقه).

والنتيجة الحتمية التي كان لابد أن نحصدها من جراء هذا الدوران في فلك الغرب، هي التأرجح والمراوحة، (فلا نحن أبقينا صلاتنا المختلفة المنسجمة مع الماضي، تحت مظلة السنن الكونية للتطوير، وفي ميزان المنطق والعلم، ولا نحن حققنا شيئاً من أمنيات اللحاق بنهضة تشبه نهضة الآخرين، بل بقينا... نتهارج ونتخاصم في سجن هذا المنعطف الثقيل...). ‏

إن ما أصاب الأمة الإسلامية، فعطل طاقاتها، هو فقدانها (للجو الثقافي) -على حد تعبير مالك بن نبي- المثالي، الذي لا تتفتح الإمكانات إلا في ظله، ولا تزدهر البذور وتثمر إلا في تربته، تلك البذور هي عناصر الثقافة.. يقول مالك بن نبي، موضحًا ضرورة ذلك الجو لقيام البناء أو المنهج التربوي اللازم لقيام الحضارة: (إن عناصر الثقافة تذوب في كيان كل من المجتمع والفرد، لتطبع أسلوب حياة الأول وسلوك الثاني، اللذين يجري التفاعل فيما بينهما بحيث لا يسمح المجتمع للفرد بالنشوز ولا الفرد للمجتمع بالانحراف، وهو ما يسمى بعملية النقد الذاتي، التي يعبر عنها الإسلام بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا الوضع عندما يزول، نصبح أمام أزمة ثقافية، تعبر عن نفسها في تعذر تركيب العناصر الثقافية في منهج تربوي).‏

إن هذا التعذر في تركيب العناصر الثقافية يقع ولا شك في المرحلة الثالثة من المراحل التي يمر بها المجتمع، والتي يرى مالك بن نبي أنها تتميز بتفكك في الغرائز يعوق هذه الأخيرة عن العمل في توافق وانسجام، ويسقطها في النزعة الفردية بحيث إن كل فرد يعمل لحسابه الخاص، مما يؤول بنظام الطاقة الحيوية إلى الاختلال وفقدان قيمته الاجتماعية، ويكون ذلك علامة على انسلاخه من مراقبة نظام الأفعال المنعكسة الناشئ عن عملية التكيف. وهذا ما يؤدي إلى تفسخ شبكة العلاقات الاجتماعية نهائياً (وهو ما يطلق عليه في التاريخ، عصر الانحطاط، كذلك العصر الذي هيئ في المجتمع المسلم في ظروف القابلية للاستعمار، والاستعمار).‏

لقد استطاع الاستعمار بمكره - واستفادته من قابلية المسلمين للاستعمار- أن يفتت بنية الشبكة الاجتماعية التي تحدث عنها مالك بن نبي من خلال مجموعة من المعاول التي أعطت أكلها المسموم، من قبيل العلمانية التي أضعفت سلطان القيم الإسلامية على نفوس أفراد المسلمين، فأصبحوا يسلكون في حياتهم اليومية منسلخين من تلك القيم التي تصنع التماسك في جسم المجتمع المسلم، (فكلما ظهر الوضع المدني أو العلماني في المجتمع، كلما ضعفت روح الأصالة في نفوس أصحاب الثقافة الوطنية أو الدينية، وكلما قوي الميل لديهم إلى تقليد من عداهم. وبذلك خف وزن القيم والمبادئ الإسلامية في المجتمع، وأصبحت أمور الدنيا وحدها -وبالأخص التطلع إلى الوظائف منها -ذات الإغراء وذات التأثير عليهم، كما هي ذات تأثير على غيرهم). ‏

إن فقدان الأخلاق سلطانها على النفوس في مجتمعنا الإسلامي، كانت هي قاصمة الظهر التي أحدثت شرخًا مهولاً في البناء الاجتماعي، أي أنها علة مباشرة في التخلف الذي نعاني منه. ونضيف -ونحن بصدد الحديث عن العلمانية- أن هذه الأخيرة كانت هي أصل الانشطار إلى طوائف، الذي ضرب المجتمع الإسلامي بعنف، بحيث أصبحنا أمام مجموعة جديدة تتألف من العاملين في الإدارات والشركات والبنوك وهم الذين يطلق عليهم (العصريون)، ومجموعة قديمة تتألف من أصحاب الثقافة الدينية تربط نفسها وتقصر حياتها على العيش مع تراث الماضي بعيداً عن حركة الحياة العصرية، يضاف إلى هاتين المجموعتين جماعة أو طائفة ثالثة تتكون من خريجي المدارس الأجنبية المعادين للإسلام. ‏

إن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) وهو يتعلق بتسوية الصفوف في الصلاة، يمكن أن نستلهم منه معاني رائعة في هذا الباب الذي نتحدث فيه، وهو يتعلق بوضعية البناء الاجتماعي وما يعتريه من حالة التخلخل والضعف.. نستطيع أن نستلهم من ذلك الحديث النبوي الشريف، أن المجتمع المسلم ما لم تتوحد قلوب وأفكار أفراده حول محور واحد وقبلة واحدة، فسوف تكون قلوبهم شتى، ويحدث الله التباغض بينهم، فيضرب بعضهم وجوه بعض.‏

إن هذه الفرقة التي عصفت رياحها العاتية ببناء الأمة الإسلامية، تعود إلى غرس خبيث ألقى الاستعمار بذوره في تربة المجتمع المسلم. وهو غرس الأنانية وحب الذات، أي الاتجاه أو النزعة الفردية التي جعلت الفساد والتصدع والانفكاك يدب في أوصال المجتمع.‏

وإذا تساءلنا عن الوسائل والقنوات التي استخدمها الاستعمار لتمرير مفاهيمه وتنفيذ برنامجه التخريبي، فإن أول وسيلة أمامنا هي التعليم والإعلام، فقد عمل الاستعمار من خلال هاتين الأداتين الخطيرتين على غسل العقول وإفراغها تمامًا من شحناتها الإسلامية التي تربطها بالعقيدة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، وملئها بشحنات جديدة تقيم رباطًا مشوهًا بينها وبين حضارة الغرب، يتمخض عن نماذج بشرية غريبة.

إن جهود الاستعمار في تغيير معالم النظام التعليمي، أنتجت نظامًا تعليميًا غريبًا وعقيمًا في نفس الوقت، فعلى سبيل المثال نجد أن (النظام التعليمي السائد في مجتمعنا، في تركيبه لما يسمى (المواضيع المدرسية)، تفسير ضمني للدين ولموقع الدين، ولدوره في تربية الإنسان وحياته، كما هو أيضًا تفسير ضمني للمعرفة ولتجزئة المعرفة في عملية تحصيلها، وفي عمليات توظيفها في حياة الإنسان. فهذا النظام الذي يفصل بين الدين والعلم، ويجزئ المعرفة، نظام نشأ في حضارة تفصل بين العلم والدين، وتجزئ المعرفة.. حضارة لا يقتضي الدين فيها معرفة عالم الطبيعة (عالم الشهادة)، أو معرفة النفس على حقيقتها كأساس لمعرفة الدين، ولا يقتضي الدين فيها توظيف هذه المعرفة كأساس للإيمان أو لترويض النفس. فالعلوم الطبيعية ليست شرطًا من شروط الإيمان فيها. ولذلك كانت هذه الحضارة منطقية مع نفسها عندما فصلت الدين عن سائر العلوم والمعارف).

كما أن الدين في المجتمع الغربي لا يقوم على غير الحوافز العاطفية، ولذلك فمناهج التربية الدينية فيه، تكتفي بالإثارات الوجدانية المجردة. والإسلام خلافًا لذلك، ينبني في جملة عقائده ومبادئه على أسس ومقتضيات عقلية ثابتة، (يستنهض لفهمها المنطق والفكر. فلو استعرت للتربية الدينية عندنا تلك المناهج العاطفية المجردة، لباءت بفشل ذريع ولما أورثت نتيجة تربوية سليمة. ومعلوم أن البنية العامة لمناهج التربية الدينية عندنا مأخوذة من تلك الأسس والطرق التربوية المتبعة في الغرب).

وهكذا تمكن الاستعمار من خلال نظامه التعليمي، أن يطمس معالم الوعي الإسلامي ويبلد الحس الإسلامي في نفوس الأفراد من خلال ما يلي:‏

‏1 - إضعاف روح الاعتزاز لدى المسلم وإحلال محلها الشعور بالنقص إزاء الغرب والسعي إلى التغيير -إذا وجد هذا السعي- وفقاً للمفهوم الغربي.‏

‏2 - بث النزعة الليبرالية التي تتنافى مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أعظم ضابط لحياة المجتمع.‏

‏3 - محاولة الاستعمار إسقاط بعض القيادات الفكرية في شباكه، واتخاذها معاول لإحداث الخرق، بل لتعميقه، داخل البنيان الاجتماعي المسلم.‏

إن هذا الشر المستطير الذي اكتسح الأجيال المسلمة نتيجة للنظام التعليمي المسموم، قد عُزز أيما تعزيز من طرف وسائل الإعلام، التي تملك من أدوات السحر والإيحاء والاستقطاب ما هو كفيل باقتحام النفوس المهزوزة، وإحداث أثره الهدام وبث سمه الناقع، فالرواية والقصة والفيلم...إلخ، كلها أدوات وقنوات تتضافر لتلتف كالأفعى حول فكر المسلم ووجدانه، ولا تنفك عنه حتى تتركه كالحطام.

هذه بعض أسباب ونتائج ومظاهر أزمة التخلف الحضاري في المجتمع الإسلامي، وقد تبين لنا أن البناء الحضاري بدأ يتآكل، نتيجة لنسف أسسه العقدية وما يرتبط بها من قيم تربوية تقوم عليها الشبكة الاجتماعية المتماسكة. فما السبيل إلى إعادة نسج خيوط تلك الشبكة بما يضمن عودة الفرد المسلم والمجتمع المسلم أقوى ما يكونان وأصلب عودًا.. وبما يضمن تحصينهما من كل قوى الهدم والإفلاس؟ هذا ما سأحاول أن أجيب عليه في المحور التالي بإذن الله.‏

سبيل الخروج من أزمة التخلف

قبل أن أبرز معالم المنهج الذي يضمن الخلاص من الأزمة والانعتاق من ربقة التخلف، أشير إلى أن المجتمع المسلم لم يترك وشأنه يقرر مصيره بنفسه، ويحل مشاكله بمحض إرادته المستقلة، وإنما وقع -بفعل الإرث الثقيل الذي خلفه المستعمر وراءه -تحت طائلة الضغوظ والتأثيرات التي مارستها القوى الاستعمارية، من خلال تلامذتها الذين ربتهم على أعينها وأكلأتهم برعايتها، بحيث شكل هؤلاء قوة أو طابورًا موصولاً بمراكز القرار الاستعمارية، أقحم نفسه في عملية إيجاد الحل لمعضلة التخلف والركود التي يعاني منها المجتمع المسلم. ومن جملة الحلول التي فرضت على الأمة الإسلامية الحل الليبرالي الديمقراطي والحل الاشتراكي الماركسي، ولكن المصير الذي لاقاه كل من هذين الحلين هو الفشل، وهو أمر يتماشى مع طبيعة الأشياء وسنن التغيير.

فالحلول المطروحة، غريبة كل الغرابة عن تاريخ وكيان المجتمع المسلم، بل عن الإنسان من حيث هو إنسان وفطرته السليمة. وهي إنما طرحت لتبدد طاقة الأمة وتهدرها في التناقضات، وهي -أي الأمة- التي قام وجودها خلال التاريخ الطويل على أساس فلسفة التوحيد التي تلم الشمل وتوحد القوى في وجهة واحدة موحدة الأهداف. ‏

ومن هنا يتبين لنا أن السر في إخفاق الحلول المستوردة في المجتمع المسلم هو تلك الفجوة بل الهوة العميقة بينه وبين الغرب على المستوى النفسي والحضاري، بحيث إن الأيديولوجيات الغربية لم تستطع أن تنفذ إلى صميم أفراد المجتمع وتحرك كوامنهم، لأنها لم تخاطب الإنسان في جميع أبعاده. لقد خاطبت عقله دون أن تخاطب وجدانه وروحه، وقدمت له برامج اجتماعية دون أن تقدم له أجوبة مقنعة حول أسئلته الوجودية وأحواله الشخصية وعلاقته الأسرية والتزاماته الأخلاقية، وألزمته بالنضال الخارجي دون أن يكون لها سلطان على خلجات نفسه وأشواق روحه.

وبعد التجارب المريرة التي عرفتها الأمة العربية الإسلامية، لم يجد حاملو الفكر الغربي وممثلو أيديولوجياته في ديار المسلمين، لم يجدوا بدًا من الإقرار بإخفاق الأيديولوجيات المستوردة في نقل المجتمعات الإسلامية من حال التخلف إلى حال النهوض والتقدم، لقد قالوها صراحة بعد لأي، وبعد عهد طويل من المكابرة والمواربة، والأمثلة أكثر من أن تحصى. ‏

إن الأيديولوجيا الغربية كان لا بد أن تسقط وتلاقي الإخفاق لدى احتكاكها بالمجتمعات العربية الإسلامية لأنها تفتقد لشروط ومقومات النجاح، وهي:

أولاً: الإقناع الفكري الذي يستجيب لتطلعات الإنسان إلى المعرفة الحقة، حول القضايا الوجودية التي تقرر مصير الإنسان في الحال والمآل، والذي لن تهدأ له نفس ولن يرتاح له ضمير في ظل حرمانه من الحصول على أجوبة شافية عنها. وثانيًا: منهج تغيير اجتماعي كفيل بتحقيق متطلبات الإنسان من الحرية والعدل والمساواة والكرامة، بما يتوافق وينسجم مع الأسس العقدية المناسبة لفطرة الإنسان.‏

إن هذين الشرطين لنجاح العقيدة في استنفار طاقات الإنسان ودفعها في المسار الإيجابي، ليس لهما وجود في غير الإسلام، دين الله المنزه عن التحريف والتبديل، ففي ظل الإسلام وحده يرتبط منهج التغيير الحضاري بالعقيدة التي تأخذ بجماع كيان الإنسان، وتحول عنده مسألة الجهاد في سبيل تحقيق التقدم والازدهار إلى التزام بالعقيدة، يعتبر الإخلال به إخلالاً بمقتضياتها. إننا ندرك هذه الحقيقة أجلى ما يكون عندما نلاحظ مدى التجاوب الذي حدث بين جماهير الأمة الإسلامية وبين الحركات الإسلامية التي انبجست من داخلها، معبرة عن همومها، حاملة لقضيتها بكل إخلاص.. إن كل هذه المعطيات الفلسفية والنفســية والاجتمــاعية، تجعل من عملية البناء الحضاري في ظل مذهبية الإسلام، عملية تلقائية لا اعتساف فيها ولا تكلف ولا قسر.‏

لا بعث حضاري في غياب الإسلام:

فالذي ننتهي إليه من خلال ما سبق هو التأكيد على القناعة الراسخة في وجدان وعقل كل مسلم حق، وهي أن لا سبيل إلى البعث الحضاري المنشود في غياب المنهج الإسلامي في البناء.. فما هي -إذن- الخطوات التي لا بد من القيام بها لإعادة البناء الحضاري؟ ‏

لقد سبق لنا أن لمسنا في المحور الأول من هذا الفصل، أن المجتمع المسلم قد اعترضته حالة من التفكك أودت بشبكته الاجتماعية، فآلت به إلى الانحطاط الذي لا يزال يتخبط في حباله، ومعنى ذلك أن المجتمع المسلم مطالب بالإعداد الواسع النطاق لبناء الشبكة الاجتماعية من جديد، أي لجعله يعيش المرحلة الأولى من المراحل التي يمر بها المجتمع، التي تحدث عنها مالك بن نبي، وهي المرحلة الروحية التي تكون فيها العلاقات الاجتماعية في أكثر حالاتها كثافة، لا في أكثرها امتدادًا.. هذه الكثافة التي يعبر عنها القرآن الكريم بعبارة: (البنيان المرصوص) في قوله تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص) (الصف : 4). و(يمكننا أيضاً -يقول مالك بن نبي- أن نفسر هذه المرحلة بلغة علم النفس حين نقول إنها تتفق مع المرحلة التي يكون الفرد خلالها في أحسن ظروفه، أعني الظروف التي يكون فيها نظام أفعاله المنعكسة في أقصى' فاعليته الاجتماعية، وتكون طاقته الحيوية أيضًا في أتم حالات تنظيمها).‏

وهذه المرحلة تتميز بتوظيف جميع قوى المجتمع، وتكون هذه الأخيرة في تصاعد مستمر، وتقصي من طريق هذا المجتمع، خلال هذه المرحلة، كل عناصر التقاعس والتثبيط، وهو ما حدث في قصة (الثلاثة الذين خلفوا) المشهورة.‏

والسؤال المهم الذي يطرح نفسه علينا الآن يتعلق بالكيفية التي يتم بها بناء الشبكة الاجتماعية في المجتمع المسلم من جديد؟ يجيب مالك بن نبي عن هذا السؤال قائلاً: (إنه لكي يمكن التأثير في أسلوب الحياة في مجتمع ما، وفي سلوك نموذجه الذي يتكون منه، وبعبارة أخرى، لكي يمكن بناء نظام تربوي اجتماعي، ينبغي أن تكون لدينا أفكار جد واضحة عن العلاقات والانعكاسات التي تنظم استخدام الطاقة الحيوية في مستوى الأفراد وفي مستوى المجتمع).‏
بتعبير آخر، ينبغي معرفة العوامل والعناصر التي بمقدورها تفجير طاقات أفراد المجتمع الذي نريد أن نصل به إلى المستوى المنشود من العطاء والابتكار، ولقد تأكد لنا أن المجتمع المسلم لم تفلح في تحريكه من عثاره وإيقاظه من نومه، أي من الأيديولوجيات الدخيلة التي زادته وهنًا على وهن، وأفسدته، ثم زرعت العوائق والأشواك في طريق عمليات التغيير الموضوعية.. ولقد ثبت لكل من له عقل راجح أن الحركات التغييرية صاحبة الشرعية، والمخولة لإحداث البعث الحضاري، هي التي تتخذ الإسلام منهجًا، عن اقتناع جازم ويقين راسخ بأنه هو وحده الحل والخلاص، ولا حل ولا خلاص من دونه.‏

الخطوة الأولى في سبيل البعث الحضاري:

وإذا كنا قد وضعنا أيدينا على الداء العضال الذي يسحق نفس المسلم في هذا العصر -نتيجة المخطط الاستعماري الرهيب- وهو داء الفصام بين جانبه الروحي وجانبه الاجتماعي، فإن الخطوة الأولى التي تضع المجتمع المسلم على الطريق الصحيح، هي إزالة حالة الفصام التي تعصف بكيان المسلم.. (فالمشكلة التي نواجهها إذن ذات جانبين: جانب اجتماعي وجانب نفسي). ‏

فالمهمة الأولى: في معالجة هذا التخلف الحضاري -الذي يطبق على الأمة الإسلامية- هي تصحيح العقيدة وتقويتها في نفوس المسلمين، حتى ينتج عنها ما تقتضيه من تأثير على كل ميادين الحياة. ويرتبط بتصحيح العقيدة تبصير الإنسان المسلم والجماعة المسلمة بوظيفتهم في الحياة لكي لا تتحول حياتهم إلى عبث، ذلك أن (العالم الإسلامي اليوم إنما يعاني من وطأة تخلفه هذا، بسبب الغشاوات والحجب الكثيفة التي أسدلت على بصيرته، فأقصته عن معرفة حقيقة الإنسان والحياة التي يتمتع بها، والدنيا التي تطوف من حوله، وعن معرفة المهمة التي خلق الإنسان للنهوض بها في هذه الحياة). إن تعريف المسلم بهذه الأمور الأساسية، يجعله في منجى' من التأثيرات المدمرة، التي تنبعث، بل تتدفق كالسيل، من التيارات الأجنبية التي تتصارع من حوله، ويكسبه الميزان الدقيق الذي يزن به الغث والسمين، ويميز به بين الحق والباطل.‏

والمهمة الثانية: في طريق الخروج من التخلف، تتجسد في تصحيح القيم الخلقية التي اكتسبت خلال عصور الانحطاط طابع السلبية والتثبيط، فنتيجة لأوضاع التخلف أخرجت كثير من القيم الإسلامية عن مفهومها الحق، فالصبر وهو قيمة إسلامية عظيمة الشأن، تحول إلى دعوة للخنوع واستساغة للمذلة والطغيان، بدلاً من الصبر على مشاق العبادة والجهاد ومصاعب بناء الحياة، والصبر على الأذى في سبيل تحقيق المطامح العظيمة للمسلمين، قال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) (آل عمران : 142)، (وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين) (آل عمران : 146). وقس على ذلك مختلف القيم التربوية التي ينبغي أن تأخذ مفاهيمها الصحيحة، في ضوء الكتاب والسنة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام.

إن إنجاز هاتين المهمتين يحقق (تغييرًا يمتد إلى المساحات كافة، وسائر المكونات النفسية الأساسية: العقلية والروحية والجسدية وكل العلاقات والبنى' الداخلية مع الذات ومع الآخرين، والتي تمكن الإنسان المسلم والجماعة المسلمة من مواجهة حركة التاريخ).‏

وإذا كانت جهود المسؤولين عن قيادة عملية البعث الحضاري، مطالبة بأن تعيد العقيدة إلى موقعها اللائق في قلوب المسلمين، وأن تعيد القيم التربوية إلى معانيها الحقة والإيجابية، فإن من القضايا الأساسية التي ينبغي أن تحتل مركزًا لائقًا في اهتمام هؤلاء المسؤولين من قادة الفكر والتربية، قضية بناء العقل المسلم، بحيث يعود إلى فاعليته ونشاطه، ولا يظل حبيس التبلد والجمود الذي ران عليه خلال العصور المظلمة.. ومن مقتضى ذلك البناء، أن نعود العقل المسلم على التحليل العلمي والموضوعي للأشياء، بحيث يأخذ في اعتباره مختلف العناصر المكونة للظواهر، ويبتعد عن أساليب الإسفاف التي تنحدر إلى السب والشتم والقذف.. (إن العقلية التي أراد القرآن أن يكون جدله لبنة في بنائها وتكوينها، هي عقلية متدبرة فاحصة، تحلل بهدوء وتشرح بمرونة، تأخذ من الواقع لتغيير الواقع، وتطلب الحق بعدل في التحليل، وعدل في استمداد النتائج، وعدل في القول، مع تخلص من العبارات السحرية والكلمات المطاطة، وكل ما ينم عن فوضى في التفكير واضطراب في المنطق). ‏

إن بناء العقلية الإسلامية على أساس هذه الروح المنهجية الرصينة، كفيل بتزويدها بخاصية المرونة، وبذكاء الحس الذي يمكنها من انتقاء العنصر النافع وسط ركام من المعطيات والأوضاع المنحرفة. فالحياة المعاصرة تزخر بالبدائل والاختيارات التي تولد الحيرة لدى الإنسان، وتغذي تلك الحيرة وسائل الإعلام والدعاية التي تنفذ إلى صميم النفوس، وليس هناك من مخرج من هذه الحيرة والاضطراب إلا بعد القـــدرة على الترجــيح الصحـــيح بين الحـــالات المتعددة. هذه القدرة لا تتحقق (إلا ببث روح العلم وروح النقد وروح الاستدلال الصحيح). ولنا في القيم الإسلامية وفي العلوم الإسلامية ما يسعفنا، إن نحن أحسنا استثماره، لتحقيق هذا الهدف، وأبرز تلك العلوم في هذا المقام أصول الفقه الذي تتجمع فيه قواعد العلم والفكر والفقه، والمقصود بالفقه هنا (عموم الفهم والعلم واستقامة التفكير وسداد الرأي).‏

وتحقيق هذا الهدف يقتضي منا قبل ذلك أن نطهر أجواءنا وعلاقاتنا الاجتماعية من بعض العادات التي لا تقوم على أساس من الحق، من قبيل عادة التقليد والمحاكاة المطلقة وغير المشروطة للآباء، وهذا فهم مغلوط لمفهوم البر بالآباء، إن مثل هذه العلاقة تؤثر سلبًا على قدرة الأبناء على الابتكار والإبداع. وإذا أضفنا إلى هذه العادة سعي المجتمع لحصر سلوك الأفراد في إطار الضمير الاجتماعي ولو كان خاطئًا، إذا أضفنا هذا، أدركنا مدى الإعاقة التي يتعرض لها العقل المسلم، والضربة القوية التي تتلقاها النزعة إلى الابتكار والتجديد.‏

لا بد من إعداد يحمي المكاسب:

وإذا كانت العمليات المذكورة آنفًا تستهدف التغيير الذاتي للفرد المسلم من خلال تسليحه بالأسلحة الفكرية والمنهجية والقيمية، فإن هذه الأسلحة تحتاج إلى الحصن الذي يحميها من الصدأ والتلف. وهذا الحصن، ما هو إلا الإعداد الذي يحمي الجماعة المسلمة بالدرجة الأولى -ومن ثم الفرد المؤمن- من عمليات التضييق والحصار التي تستهدفها من طرف أعداء الإسلام. والقرآن الكريم يحث على ذلك الإعداد بقوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) (الأنفال : 60).‏

إن الأهمية القصوى' لهذا الإعداد الذاتي تتجلى لنا من خلال الآثار المدمرة التي أصابت جوّنا الحضاري بسبب فتح الأبواب على مصراعيها، لتدخل منها الرياح العاتية للغزو الثقافي الغربي التي أحالت مجتمعنا المسلم إلى هذه الصورة البائسة.‏

وغير خافٍ أن هذه الإجراءات الوقائية تؤتي أكلها وتؤدي وظيفتها بعد إعادة بناء الشبكة الاجتماعية في ضوء المنهج التربوي الإسلامي، أي بعد إخلاء النفوس من المحتويات الخبيثة التي خلفتها عهود الاستعمار، ولا تزال تتأكد وتتخذ طابعًا مأساويًا في إلحاق المسخ بالشخصية المسلمة، مع استمرار قنوات الغزو الفكري والثقافي في مهاجمة عقول ونفوس المسلمين.. إن عملية إزاحة هذا الإرث الاستعماري المتضافر مع الجمود والتحجر الفكري عند بعض شرائح المجتمع، ليست بالأمر المستحيل إذا ما خلصت النيات وصح العزم وتضافرت الجهود، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد انطلق المسلمون في عهده من نقطة الصفر.. وفي إطار الإمكان المتاح لهم في ذلك الزمن، استطاعوا أن ينجزوا مهماتهم الحضــــارية بجميع ميادينها السياســـية والاجتمــــــاعيـــة والعســــكـــرية، بــدون ضـــعف ولا عقـــد ولا مركبات مرضية، بل بحزم وعزة نفس واقتحام للعقبات.

إن القوة التي انطلق بها المسلمون في ذلك الوقت قوة هائلة، (كأنما معامل ضرب Coéfficient ‏ تدخل في فاعلية وسائلها البسيطة، فجعلها كافية لإنجاز المهمات من ناحية، وجعلها تتكتل في آن واحد من ناحية أخرى(...) فالعلاقة النسبية بين الإمكان الحضاري والإرادة الحضارية: علاقة سببية تضع (الإرادة) في رتبة السبب بالنسبة للإمكان). فما أحوجنا أن نتمثل منهج ذلك الرعيل في المواجهة والبناء والتحدي للأعداء ورد كيدهم في نحورهم، فهل نحن بهم مقتدون؟!

المصدر : الإسلام ويب

 
 
   Bookmark and Share      
  
 أزمة القيم وإشكالية التخلف الحضاري أسباب ومظاهر الأزمة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7