الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012الماء والحياة في حضارة الإسلام
 
الثلاثاء 30 أكتوبر 2012
فتح القسطنطينية


الماء والحياة في حضارة الإسلام

د / بركات محمد مراد

قد لا نعجب للاهتمام البالغ الذي تستأثر به قضية تآكل الأوزون في طبقات الجو العليا وتزايد درجة الحرارة في المناخ العالمي، أو ظاهرة "البيت الزجاجي" المترتبة على تراكم غاز ثاني أكسيد الكربون في جو الأرض ، فهاتان هما القضيتان الكبريان بين قضايا البيئة في الوقت الحاضر، ولكننا نعجب أشد العجب لعدم تركيز الاهتمام على قضية أخرى ستصبح عما قريب قضية البيئة الأولى، أعني أزمة الماء، وهو ما يؤكده كثير من العلماء والخبراء الآن؛ مثل "أسيت بواس" رئيس اتحاد موارد المياه العالمي في ولاية "إلينوى" الأمريكية بالقول: "الماء ثروة محدودة، وسكان الأرض في تكاثر غير محدود تقريبًا، ولعل اليوم الذي تتقلص فيه تلك الثروة وتشح إلى درجة النضوب، سيكون في أواسط القرن الواحد والعشرين إن لم نقل في أوائله".
ويقول "إلياس سلامة": "ستتضاعف حاجتنا إلى الماء ضعفين سنة 2020، وعندها سيصبح الماء لا النفط، هو المورد الأول الذي يتحكم بمصائر العباد في شتى البلاد وبمستقبل منطقة الشرق الأوسط".

وقد تناقلت وكالات الأنباء وأجهزة الإعلام المحلية والدولية أخبار الجفاف في شرق إفريقيا الذي استفحل في الآونة الأخيرة بعد أن حرمت من الأمطار منذ عدة سنوات، مما نجم عنه نفوق الحيوانات وهي المصدر الرئيسي لغذاء الإنسان، ثم موت الآلاف من البشر حيث لم يجدوا ما يقيم أودهم، وهاجر العديد من الآلاف إلى المناطق المجاورة بحثًا عن الماء مصدر الحياة ، وما زالت المشاكل المترتبة على نقصه تتفاقم، مما يجعلنا ندرك مدى أهميته بالنسبة للحياة عامة وحياة الإنسان على وجه الخصوص ، ولذلك يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾(الأنبياء:30).

الماء مصدر الحياة

وقال المفسرون: إن ما تعنيه هذه الآية الكريمة هو أن الماء سبب حياة كل شيء حي في الأرض،وقد أثبت علم الخلية أن الماء هو المكون الهام في تركيب مادة الخلية، وهو وحدة البناء في كل كائن حي نباتًا كان أم حيوانًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾(الأنعام:99). والماء هو بيئة كثير من المخلوقات والكائنات الحية: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾(النحل:14)، أي جعل مياهه صالحة لحياة الأحياء البحرية التي يتغذى عليها الإنسان، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾(المائدة: 96)، والمقصود بالبحر في هذه الآية: كل ماء يوجد فيه صيد بحري وإن كان نهرًا أو غديرًا، وقد وردت كلمة الماء في القرآن ثلاثًا وستين مرة، وورد معناها في مواضع شتى: الغيث والمطر والبحار والأنهار وغير ذلك لأهميته القصوى.

وغالب ورودها بمعنى "النعمة"، وكونه ضرورة للحياة والأحياء والتي لا تقوم الحياة إلا به، تخضر الأرض بعد أن كانت جرزًا، وتحيا بعد همود وخشوع: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾(الحج:5)، وهو قوام الحياة لأنه يخرج مكنونات الأرض مما يتغذى عليه الحيوان والإنسان لتحقيق خلافة البشر على الأرض كما أرادها الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(النحل:10-11)، وهو قوام الحياة لأنه أصل كل دابة: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾(النور:45) وهي كلها مسخرة لخدمة الإنسان وغذائه وكسائه وترحاله.

ولما كان للماء هذه الأهمية القصوى، فقد نبه الله سبحانه وتعالى كثيرًا على معرفة هذه النعمة وغيرها، وأمر بشكر صاحبها فقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾(الواقعة:68-70).

كما يتحدى القادرُ عبادَه البشرَ حتى لا يغتروا بعلمهم فيضلوا السبيل فيقول عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾(الملك:30). وإذا استطاع الإنسان أن يتحكم في وقت إنزال المطر ومكانه، فلينظر أولاً من أين جاء السحاب الذي يفجره، فهو لم ينشئه من عدم وإنما أنشأه الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾(الرعد:12). ولما كانت للماء هذه المنزلة الكبرى، كان من الطبيعي أن تتوقف عجلة الحياة عن الدوران إذا نضب الماء أو ندر، ولهذا تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية في الحث على المحافظة على موارد المياه وعلى حماية الماء من كل العوامل التي تسبب فساده وتلوثه.

النهي عن الإسراف في الماء

كان النبي صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنى والقدوة المثلى في مجال المحافظة على الماء من الضياع هدرًا. فقد أخرج مسلم من حديث أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمدِّ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد.

والرسول صلى الله عليه وسلم أول من دعا الناس إلى عدم الإسراف في استهلاك الماء فقال: "كلوا واشربوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة" (رواه ابن ماجة)، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسراف في استخدام الماء في أغراض الوضوء أو الاغتسال، فقد روى عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما هذا الإسراف؟" فقال رضي الله عنه: أفي الوضوء إسراف؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم، وإن كنت على نهر جار" (رواه ابن ماجة)، ولذلك كان يقال: من قلة فقه الرجل ولوعه بالماء.

وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم ما نهى عنه على نفسه وعلى أهل بيته؛ فعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بثلثي مد. وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك.
وروي أن قومًا سألوا جابرًا عن الغسل فقال: يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفي، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى شعرًا منك وخير منك؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم. (متفق عليه)
وتوضح لنا كتب الفقه اهتمام المسلمين القدامى بعدم الإسراف في استخدام الماء في الوضوء والاغتسال، وإذا كان الحرص على عدم الإسراف في استعمال الماء في الوضوء والاغتسال شديدًا، فإنه فيما عدا ذلك يجب أن يكون أشد. وقد انتهج الخلفاء الراشدون نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وساروا على منواله، فاهتموا بمصادر المياه وعملوا على تخزينها والمحافظة عليها لحين الحاجة إليها، كما اعتنوا بترشيد استخدام الماء. ولذلك عندما فتح المسلمون الشام والعراق ومصر، اتجهوا إلى تحسين أحوال هذه البلاد وبخاصة فيما يتعلق بالزراعة واستغلال المياه، فبنوا السدود وأقاموا الجسور وشقوا القنوات والترع. وتذكر لنا كتب التاريخ الإسلامي أن عمرو بن العاص لمّا فتح مصر، وفي أثناء ولايته عليها، استخدم نحو مئة ألف عامل في إصلاح طرق الري في مصر صيفًا وشتاءً.

المصدر : مجلة حراء

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الماء والحياة في حضارة الإسلام

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7