الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012الفكر التربوي وتنشئة الأولاد عند المسلمين الأوائل
 
الأربعاء 17 أكتوبر 2012
فتح القسطنطينية


الفكر التربوي وتنشئة الأولاد عند المسلمين الأوائل
يأخذ البعض على المكتبة العربية الحديثة والمعاصرة قلة أعداد الكتب التي تعنىبالتربية كعلم متخصص له سماته الخاصة ، وتلبي حاجة المربي وولي الأمر ، وتواجه النظرياتالتربوية الحديثة في الغرب ، والتي حمل معظمها معاول الهدمـ عن قصد وسوء نيةـ لتهدم القيم والمثل التي جاءبها الإسلام ، وبنى حضارة زاهرة صمدت قرونا عديدة، وقد ساهمت الحركات المشبوهة في طرحأفكار تربوية تصل بالشباب إلى مهاوي الردى ؛ لتسهل السيطرة على الأمة واستنزافطاقاتها وقدراتها وخيراتها وتسخيرها لخدمة أغراضهم، إلا أنه في الآونة الأخيرة ظهرتكتب عربية تصدت لهذه الموجة الهدامة ، واستعانت بتلك الكنوز التي يزخر بها القرآنالكريم والسنة النبوية المطهرة كأتم نظريات تربوية تلبي حاجات الإنسان الجسمية،والعقلية، والنفسية، والاجتماعية، والانفعالية.
والواقع أنه لا أحد يستطيع أن ينكر أن التربية الإسلامية هي الأساس المتين الذيقامت عليه حضارة المسلمين ، والتي استمرت في تفوقها ثمانية قرون لا منافس لها، فقدقدس الإسلام العلم والعلماء ، وسما بالعلم إلى درجة العبادة ، وعني بالتربية الروحيةوالدينية والخلقية.
أصالة التربيةالإسلامية:
وما التربية الغربية الحديثة التي نادى بها الغرب في أوائل هذا القرن إلا بعضمما نفذته التربية الإسلامية ، وطبقته بكل مثالياتها كالتربية الاستقلالية، والاعتمادعلى النفس في التعلم، ونظام التعلم الفردي، ومراعاة الفروق الفردية، وملاحظة الميولوالاستعدادات الفطرية، وتشجيع الرحلات العلمية وغيرها.
وقد أدرك المسلمون الأوائل أن التربية هي أداة الحضارة ووسيلتها في تخليد ذاتهاوضمان انسيابها وتناقلها عبر الأجيال، ويكون فعل التربية في الحضارة هو رسم هذاالفعل وتحديد مداه والتأثير في سلوك الفرد الإنساني حتى ينسجم مع الأنماطالاجتماعية السائدة، وهذا ما أدركه أيضا الصينيون القدماء والاسبرطيون والأثينيونفي أهمية التربية في تحديد سلوك حضارتهم.
التربية في الإسلام :
بنظرة سريعة للتربية في صدر الإسلام نجد أن تربية الطفل كانت تبدأ في الوسطالعائلي بالممارسة واهم ما تسعى إليه الأسرة هو تعليم الطفل أن "لا إله إلا اللهـ محمد رسولالله" ثم تعليمه الصلاة في سن السابعة، وبعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم)بوقت قصير ظهرت المدارس بمفهومهاالحالي، وتزايدت مع انتشار الإسلام، وكانت البداية أما المسجد نفسه أو مكانا مجاوراله، وكان القرآن هو الكتاب التربوي الأساسي عند المسلمين في كل الأزمان.
وقد كان للمساجد فيما بعد دورها الهام في الحفاظ على التراث الإسلامي ، وكانتبمنزلة الجامعات في الوقت الحاضر ، كما اقتبست جامعات أوروبا الحديثة والعريقةأكسفوردـ كمبردجـ السوربونـ بعض أنظمتها وطرق التدريس فيها من الجامع الأزهر وجامعالزيتونة في تونس.
في عهد الأمويينوالعباسيين:
وفي عصر الدولتين الأموية والعباسية حين بدأ التمايز الطبقي(الاقتصاديـ الاجتماعي)يظهر في المجتمع الإسلامي اختلفت أغراض التربية وأهدافهاباختلاف الطبقة الاجتماعية، وقد تميزت في ذلك العصر ثلاث طبقات اجتماعية:
1 ـ الطبقة الوسطى وسواد الشعب:
يقوم بتعليمهم معلمو الكتاتيب، وأساس التربية عندهم القرآن الكريم وبعض العلومالدنيوية كالشعر والحساب والأحكام الشرعية.
2 ـ طبقة الأمراء والوزراء والأغنياء:
يقوم بتعليم أبنائهم المؤدبون، ومنهج التربية عندهم القرآن الكريم، الآداب،الحكمة، التفسير، علم الكلام، الشعر، المنطق، الفلسفة.
3 ـ أبناء الخلفاء:
وهؤلاء يعدون إعدادا خاصا يتناسب وأهمية وعظم المكانة التي سيحتلونها ، ويقوم علىتربيتهم كبار المؤدبين.
ولعل في الوصية التي بعث بها الخليفة هارون الرشيد إلى الكسائي مؤدب ابنه مايلقي الضوء على طبيعة المنهج الذي يسعى الخلفاء إلى تربية أولادهم عليه:
"أقرئه القرآن، وعرفه الآثار، وروه الأشعار، وعلمهالسنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيممشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرن بكساعة إلا وأنت مغتنم منها فائدة تفيده إياها من غير أن تخرق به فتميت ذهنه، ولاتمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإنأبى فعليك بالشدة والغلظة".
إنه منهج متكامل للتربية الأرستقراطية في أوج الحضارة الإسلامية يؤكد علىالعلوم الدينية بالدرجة الأولى، ثم التاريخ، الأدب، الأحكام الشرعية واللغة، احترامالرابطة العائلية، احترام رصيده العسكري من القادة، كما يؤكد على أهمية الزمن وعدمإضاعته، وعدم الكبت والتشدد مع الأبناء، وأخيرا مبدأ الثواب والعقاب.
إذن فالحقبة الممتدة بين الهجرة النبوية وتدوين الحديث في القرن الثالث الهجريتميزتـ تربوياـ بالوضوحوالاستقرار والبعد عن التنظير، وظلت كذلك حتى بدء المرحلة الثانية من مراحل تطورالفكر التربوي الإسلامي نتيجة للفتوحات شرقا وغربا ، واتساع العمران وارتفاع شأنالحضارة ؛ مما أدى إلى تنظيم أمر التربية التي خرجت من نطاق البيت والمسجد إلى مجالالمدرسة ، حيث يقوم على أمر التربية معلمون احترفوا هذه الحرفة ، واختصوا بهذه الصناعة،ونشأت بذلك ثلاثة أنواع من المؤسسات التربوية: الكتابـ المسجدـ المدرسة، يقومبالتعليم فيها معلمون على درجات متباينة، منهم كبار المؤدبين لأبناء الخلفاءوالأمراء، ثم المؤدبون في المساجد الكبيرة، ثم معلمو الكتاتيب.
في العصورالوسطى :
ولما كان العلماء في العصور الوسطى يحرصون على الإلمام بجميع فروع المعرفة ­ فيذلك الوقت ­ ليتميزوا عن غيرهم وهو ما يعرف بـ:" العالمالشامل" أو ما يسمى اليوم العالم الموسوعة، فقد كانتالتربية آخر العلوم التي كتبوا فيها، ولعل ذلك يرجع إلى المكانة الاجتماعيةالمتدنية التي كان يحتلها معلمو الكتاتيب في ذلك الزمان.
فالشيخ الرئيسـ ابن سيناـ الذي اشتهر أمره في الطب كان يضرب في كل فروع المعرفة ­ فهو الحكيمالنطاسي، العالم النفسي، اللغوي الناجح والمربي الكبير، بل لم تخل مؤلفاته من الخوضفي الموسيقى وفنونها.
أعلام التربية:
عند المسلمين الأوائل بدأ الاهتمام بالتربية الإسلامية كعلم له خصوصياته منذفترة مبكرة في عهد الدولة الإسلامية، واحتلت نظريات التربية جانبا مهما من كتبومصنفات كبار العلماء المسلمين، بالإضافة إلى اهتماماتهم ببقية فروع المعرفة منعلوم دينية وتاريخ وفلك وكيمياء ورياضيات وغيرها.
ومن هؤلاء الأعلام:
1 ـ أسد بن الفرات بن سنان(ت 213 هـ)هو الأمير القاضي السمحتلميذ مالك بن انس.
2 ـ ابن مسكويه(ت 241هـ/ 855م)الشيخ أبو علي أحمدبن محمد.
3 ـ ابن سحنون(ت 256هـ/ 869م)محمد بن سحنون بن سعيدالتنوخي.
4 ـ القابسي(ت 324هـ/ 935م)أبو الحسن علي بن محمد المعافريوهو تلميذ ابن سحنون.
5 ـ ابن جماعة(ت 373هـ/ 983م)عاش معظم عمره في الأندلس.
6 ـ ابن سينا(ت 370هـ/ 980م)الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بنعبد الله بن الحسن بن علي بن سينا.
7 ـ الغزالي(ت 505هـ/ 1111م)الإمام أبو حامد محمد بن محمدالغزالي الفيلسوف المتصوف.
8 ـ ابن خلدون(ت 809هـ/ 1406م)الوزير، السفير، القاضيعبد الرحمن بن خلدون صاحب المقدمة الشهيرة ومؤسس علم الاجتماع الحديث.
محمد بن سحنون :
صاحب كتاب "آداب المعلمين" هومحمد بن عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، لقب بسحنون لشدة ذكائه، ولد ابن سحنونسنة 203 هـ بمدينة القيروان التونسية، كان أبوه سحنون تلميذا لأسد بن الفرات، تفقهمحمد على يدي أبيه وحفظ القرآن الكريم وكعادة علماء عصره كان ابن سحنون كثير الوضعللكتب غزير التأليف، الف في جميع فنون العلوم كتبا تنتهي إلى المائتي كتاب، ولعلأشهرها مخطوطاته آداب المعلمين ،والتي قام بتحقيقها أكثر من باحث ، منهم الدكتور محمدعبد المولى في كتابه آداب المعلمين، تونس 1969 .
وهذه أهم آراء ابن سحنون في تربية المتعلمين:
ـ الأولوية لتعليم القرآن الكريم وحث المعلمين علىالعمل بما جاء فيه.
ـ العدل بين الصبيان وعدم التمييز بينهم(الفقير والغني)وهذا ما فطنت إليهالنظريات التربوية الحديثة.
ـ جواز تأديب الصبية إذا ما خالفوا وفق شروط محددة(مبدأ الثواب والعقاب) .
ـ لا يشغل المعلم وقته بغير تعليم الصبية الوقتالمحدد للتعليم ولا يعمل عملا آخر.
ـ لا يجوز الجمع بين الذكور والإناث في التعليم فيمكان واحد.
القابسي (ت 324هـ / 935م) .
صاحب الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين والمعلمين، ولد في القيروان بتونس، واخذالكثير عن ابن سحنون وترك الكثير من المؤلفات والمخطوطات أشهرها الرسالة المفصلةلأحوال المتعلمين ، ومما نادى به القابسي في الميدان التربوي:
ـ الغرض من تعليم الصبيان هو معرفة الدين علما وعملاوتعليم الدين لا يتيسر إلا بمعرفة المبادئ التي تكتسب بالتعليم كالقرآن والكتابة،ومن هنا اتصل التعليم عند القابسي بالدين اتصال الوسيلة بالغرض.
ـ نادى بإلزامية التعليم أخذا بالحديث النبوي "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" رواهالبخاري.
وساعده في ذلك تطوع الأمراء والأغنياء في زمانهبالإنفاق على الكتاتيب وإجراء الأموال عليها لتستمر في الحياة.
ـ وجوب التعليم للجميع (أولاد وبنات) لأن المؤمنين والمؤمناتمكلفون جميعا بنص القرآن.
ـ عدم الجمع بين البنين والبنات في فصل واحد "من صلاحهم ومن حسن النظر لهم لا يخلط بين الذكور والإناث" وهو بذلك متأثر بأستاذه سحنون الذي قال أكره للمعلم أن يعلمالجواري ويخلطهن مع الغلمان لأن ذلك فساد لهن".
ـ التعطيل يوم الجمعة والأعياد: إن إجازة الأولاد يوم الجمعة أمر مستحب ؛ لأن ذلك سنة المعلمينمنذ كانوا، أما بطالة الأولاد يوم الخميس فهذا بعيد، وكذلك بطالة الأعياد على العرفالمشتهر المتواطأ عليه ثلاثة أيام في الفطر وخمسة أيام في الأضحى.
ـ عقاب التلميذ: يرى القابسيأن الضرب إنما يكون من المعلم الجافي الجاهل ، وهو ينهى عن الضرب والمعلم غضبان،والضرب على التعليم إنما هو عن كثرة الخطأ من الصبيان.
وهكذا نرى أن القابسي حصر الغرض من التعليم في معرفة الدين علما وعملا دونالنظر إلى النواحي المعيشة، وهذا ما يتعذر قبوله في الوقت الحاضر، حيث هذا الكمالهائل من المعرفة التي تتضاعف كل فترة وهذه الأدوات والآلات التي تشاركنا حياتناومعاشنا، بل تشاركنا أجسادنا أحيانا، مما يتوجب معه الإلمام بكل الوسائل والتقنياتالتي نحيا بفضلها، كما أصبح ينظر للتربية على أنها عملية استثمارية ذات مردود ، فمعارتفاع تكاليف التعليم ينظر أولو الأمر إلى استرداد هذه الأموال من عائدات ونتائجهذا التعليم.
" ابن سينا" (ت 370هـ/ 980م)ولد أبو علي الحسين عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا في إحدىمدن خراسان ، حيث كان والده عاملا على بعض جهاتها، وكان يعقد في بيتهم ندوات لصفوةالعلماء المفكرين، فكان يستمع إليهم وهم يتذاكرون ويتنافسون ويتنقلون من الدين إلىالفلسفة، ومن الفلسفة إلى الحكمة، ومن الحكمة إلى المنطق، وكان أبوه من الإسماعيليةله تعلق بالفلسفة.
درس الطب في سن مبكرة ونبغ فيه ولا يطلب عليه أجرا، كما تفوق في الفلسفةوالمنطق والهندسة والجغرافيا، تنقل ابن سينا من بخارى الى خوارزم إلى الري ثم إلىهمذان ومنها إلى أصفهان، وتولى عدة مناصب مهمة كوزير لشمس الدولة صاحب همذان وعملمستشارا للأمير جعفر أمير أصفهان ونديما له.
ألف ابن سينا مائتين وستة وسبعين كتابا أشهرها على الإطلاق كتاب القانونفيالطب، وكتاب الشفاء في المنطق والطبيعيات والفلسفة، وتراجم آراء أرسطو وأفلاطون،وكتاب السياسة في التربية.
اتصل ابن سينا بكثير من علماء عصره ابن نسكويه "البيروني"، وأبو الفرج الأصفهاني صاحبكتاب الأغاني، يقولون الحكماء أربعة: اثنان قبل الإسلاموهما أفلاطون وأرسطو واثنان في الإسلام أبو نصر الفارابي وأبو علي بن سينا.
آراؤه في التربية:
ـ أن يكون التعليم جميعا في المدارس لا فرديا؛لأن انفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب لضجرهما، ولأن الصبي عنالصبي ألقن وهو منه آخذ وبه آنس، ولأن التعليم الجمعي من أسباب المباراة والمساجلةوالمحاكاة.
ـ تبدأ تربية الصبي منذ نعومة إظفاره؛ إذا فطم من الرضاع بدئ بتأديبه ورياضة أخلاقه، قبل أن تهجمعليه الأخلاق اللئيمة.
ـ أول ما يتعلم الصبي، إذا اشتدت مفاصله واستوى لسانهوتهيأ للتلقين: القرآن الكريم لما فيه من صور الحروف،معالم الدين، القصص الخلقية والأحكام.
ـ مسايرة ميول الصبي وتوجيهه إلى الصناعة والمهنةالتي تتفق مع ميوله، "ينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيارالصناعة أن يزن أولا طبع الصبي ويسبر قريحته ويختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسبذلك". وهذا ما يعمل في الدول المتقدمة في الوقت الحاضر ، حيثتجرى للأولاد اختبارات الذكاء واختبارات الميول والقدرات وحسب احتياجات الدولة منمهنيين وفنيين وفق خطط مرسومة مدروسة.
ـ مبدأ الثواب والعقاب: ويكون ذلك بالترغيب والترهيب، والإيناس والايحاش، والحمد مرة والتوبيخ مرة أخرى،والضرب بعد الترهيب.
صفات المعلم عند ابن سينا:
ينبغي أن يكون مؤدب الصبي عاقلا ذا دين، بصيرا برياضة الأخلاق، صادقا بتخريجالصبيان، وقورا رزينا بعيدا عن الخفة والسخف، لبيبا قليل التبذل والاسترسال بحضرةالصبي، ذا مروءة ونظافة ونزاهة، فالمؤدب قدوة يقتدى به.
هذا ما رآه الشيخ الرئيس ابن سينا أحد أئمة الفكر والتربية في الإسلام وعلم منأعلام المجتمع الإسلامي في القرن الرابع الهجري.
التربية عند ابن خلدون:
ولد عبد الرحمن بن خلدون في تونس في غرة رمضان سنة 732 هـ الموافق 27 مايو 1322موتوفي سنة 1406م عن 74 سنة، نشأ بين أسرة عريقة في الشرف والرياسة والعلم والسياسة،أجاد أصول الفقه على مذهب مالك وتعمق في الفلسفة والمنطق، ونبغ في كل ما تعلمه وهولم يبلغ العشرين، حتى اقر له أساتذته بالعبقرية.
تولى عدة مناصب سياسية في تونس ثم رحل إلى تلمسان ومنها إلى المغرب والأندلسعند بني الأحمر ملوك غرناطة، وضع مقدمته الشهيرة أثناء إقامته في المغرب وله مؤلفاتأخرى كثيرة، قام بالتدريس في الأزهر أثناء إقامته في مصر وكان قاضيا للمالكيين فيمصر.
وصفه معاصره الأديب الوزير لسان الدين بن الخطيب فيقول: كان ابن خلدون رجلا فاضلا، حسن الخلق، جم الفضائل، ظاهرالحياء، عزوفا عن الضيم، صعب المقادة، سديد البحث، كثير التحفظ وبارع الخط.
ـ التربية تستهدف غرضين: غرضديني ويقصد به العمل للآخرة حتى يلقى العبد ربه، وغرض دنيوي والهدف منه نفعي منالدنيا.
ـ العلوم عنده قسمان: علومدنيوية تتخذ آلة للمهارة في العلوم السابقة كالمنطق والحساب، بالإضافة إلى العلومالعقلية كالطب والكيمياء والفلك.
ـ ينبغي أن يراعى في التدريس التدرج والتكرار والإجمالفي البدء ثم التفصيل.
ـ الانتفاع بوسائل الإيضاح والرحلات في تبسيطالدروس.
ـ تجنب المختصرات في التعليم لأن في ذلك إفساداوإخلالا وتضييعا للمتعلم وهي ترهق العقل وتشوش نظامه، كما أن هذه الطريقة تنفرالمتعلمين من البحث والتنقيب وتبعدهم عن الرغبة في القراءة والاطلاع.
ـ عدم الخلط بين علمين في وقت واحد.
ـ ضرورة الاتصال بمجالس العلم.
ـ استعمال الشفقة في معاملة الأطفال أثناءتهذيبهم.
ـ تقوية الصلة بين الأساتذة والتلاميذ: كصلة الآباء بأبنائهم ولا يكون ذلك إلا إذا أحب تلاميذه ودرسغرائزهم وميولهم.
ـ أن يكون المربي قدوة حسنة: لا يستحق لقب "معلم" إلا الرجلالكامل الذي يترفع عن الدنايا ويربأ بنفسه عن فعل القبيح لأن عليه النهوض برجالالغد.
ـ تدريس العلوم باللغة الأصلية: وقد كثرت مراكز الترجمة في عهد ابن خلدون التي ترجمت الكثير مناللغات الهندية والفارسية والرومانية إلى العربية ، وقد ساعد على ذلك أن اللغةالعربية لغة مرنة غنية بالمفردات تستطيع أن تستوعب كل مصادر الثقافة من طب وصيدلةوكيمياء واقتصاد وفلسفة.
دارالحكمة :
ولو قارنا هذه المبادئ بالنظريات التربوية الحديثة لوجدنا تطابقا في كثير منالآراء.
ونحن نصل إلى نهاية القرن الرابع الهجري، فلن ننسى الدور الكبير الذي قامت به "دار الحكمة" التي أسسها الخليفة العباسي المأمون (217هـ/ 832م) وأثرها على الفكر التربوي عند المسلمين بما جلبته من علماء ومترجمين من "اديسا" و"نصيبين" و"جنديسابور" في مجالات الطب والرياضياتوالفلسفة وغيرها، وكانت مكتبة دار الحكمة تحوي آلاف المخطوطات، حركة الترجمة هذه قدبدأت منذ عهد الخليفة خالد بن يزيد بن معاوية المعروف بحكيم آل مروان.
ثم حلت محلها المدرسة النظامية في مراحل لاحقة 1067م وهي تمثل ظاهرة جديدة فيالعلاقة بين الدولة والتعليم، فقد كانت المدرسة النظامية نموذجا للمؤسسة التربويةالموضوعة في خدمة الدولة والموجهة أصلا لخدمة أغراضها السياسية ، وكان من أشهر أساتذة المدرسة النظامية الإمام أبو حامدالغزالي.
وقد قسم علماء التربية المحدثون الفكر التربوي الإسلامي من هجرة الرسول حتىالقرن الرابع الهجري إلى ثلاثة تيارات هي:
1 ـ التيار المحافظ: وهويقوم العلوم تقويما دينيا محضا وقد مثل هذا التيار الإمام الغزالي، والشيخ الطوسي،وابن جماعة الأندلسي.
2 ـ التيار المنفتح على الفكر الإغريقي: ومثل هذا التيار جماعة إخوان الصفا وابن مسكويه.
3 ـ التيار الذرائعي: وهوالهدف الذي يتوسل به إلى بلوغ شيء آخر وتزعم هذا التيار المفكر المسلم ابنخلدون.
علينا أن ننظر إلى أفكار هؤلاء العلماء جميعا بمنظار العصر الذي عاشوا فيه،وأنهم بذلك الطلائع التربوية التي تقتحم مجاهل الطريق وأنهم اتفقوا جميعا على أنالأسس النفسية للتعلم في التربية الإسلامية تتشعب إلى ثلاثة اتجاهات منفصلة هي:
أولا: أركان عملية التعلم: ومنها التهيؤ النفسي للتحصيل، والإدراك، والخبرة، ومرحلة النمو والقدرة على التعلمأي مراعاة سن المتعلم، ثم اللغة ودورها كوسيلة تربوية.
ثانيا: طريقة التعليم: (أول من تنبه لها ابن خلدون)تقريبالمعرفة إلى إدراك المتعلم مع الأخذ بعين الاعتبار علم المتعلم ونضجه اللغويوالعقلي، واستعمال أسلوب المطارحة والمناظرة والمحاورة لأنها تهيئ للمتعلم فرصالجرأة والثقة بالنفس.
ثالثا: المهنة التعليمية: نادوا بمعرفة طبيعة الطفل وإمكاناته للتعلم، كما حددوا مسؤولية المعلم وفرقوا بينالتربية والتعليم وعرفوا أن التربية اكبر من التعليم واشمل منه، لذلك لا بد أن يضافللعلم فن التربية، وقرروا أن السن المناسبة لبدء التعليم هي سن السادسة، وأدركواأهمية اللعب والترويح عن النفس بين المعلم والتلميذ ، وهذه المبادئ هي التي تنادي بهاالتربية الحديثة.
مسئوليات تربية الأبناءفي القرن العشرين :
في أكثر من مؤتمر وفي أكثر من لقاء أجمع كثير من المربين وعلماء المسلمين علىمسؤوليات تربية الأبناء وتعليمهم لمواجهة تحديات العصر ومطالب الحياة والتقدمالعلمي والتكنولوجيا ومواجهة الاتهامات التي يبثها أعداء الإسلام الذين يتربصونبنا.
ولقد تم ترتيب هذه المسؤوليات كالتالي:
1 ـ مسئولية التربية الإيمانية: ومطالبها: الإيمان بالله وملائكتهوكتبه ورسله، واليوم الآخر، البعث، الحساب، الجنة والنار، وأركان الإسلام، ومبادئالشريعة الإسلامية، وتقع مسؤوليتها على دروس التربية الإسلامية في المدارسوالمساجد.
2 ـ مسؤولية التربية الخلقية: ومطالبها: تخليق الأولاد منذ الصغرعلى الصدق، الأمانة، الاستقامة، الإيثار، احترام الكبير، احترام الجار، وغيرها منالقيم الإسلامية السامية، وتنزيه الألسن عن السباب ومحاربة ظواهر الكذب، السرقة،الميوعة والانحلال.
3 ـ مسؤولية التربية الجسمية: ومطالبها: أن ينفق الآباء على أولادهموان يتبعوا القواعد الصحية في المأكل والمشرب والنوم، ومعالجة المرض بالتداوي،وألعاب الفروسية، وممارسة الرياضة، تعويدهم على حيادة الجد والرجولة، ومحاربة ظواهرالتدخين والمسكرات، المخدرات، الزنا واللواط، وتقع مسؤوليتها على الأسرة والمدرسةوالمسجد ووسائل الاعلام من صحف ومجلات وتلفزيون.
4 ـ مسؤولية التربية العقلية: ومطالبها: تعليم العلوم الدينيةوالشرعية والحياتية، والعلوم العقلية كالحساب والتاريخ والكيمياء والفيزياء، تحديثالمدارس لتشمل مرافق تخدم هذه العلوم.
5 ـ مسئولية التربية النفسية: ومطالبها: تنمية القيم الايجابية التيتساعد على خلق المواطن الصالح مثل الجرأة، الصراحة، الشجاعة، حب الخير للآخرين،الانضباط عند الغضب، تحرير الأولاد من مظاهر الخجل، الخوف، الشعور بالنقص وظاهرةالحسد ... الخ.
6 ـ مسؤولية التربية المهنية: ومطالبها: التوسع في إنشاء المدارسالمهنية مثل الزراعية، التجارية، الصناعية والتكنولوجية لمواجهة تحديات العصروحاجات المجتمع، كذلك إجراء اختبارات القدرات والمهارات والاستعدادات والميول، وقدأصبح للتوجيه الفني والمهني أسسه وقواعده كعلم مستقل يلبي مطالب الفرد وحاجاتالمجتمع ويوجهها الوجهة الصحيحة.
كلمة أخيرة :
مهما يكن من أمر ، ومهما يكن من اختلاف بين المذاهب التربوية فهناك حقيقة أنالإسلام وحده هو القوة المنسقة والمقربة بين أفكار المربين الإسلاميين، وأن الإسلاموحده هو المسئول عن التشابه العظيم الذي كاد أن يكون تطابقا في الأهداف التي توخوهاوفي طرق التعلم التي مارسوها.
وعلينا أن نكون حذرين من أولئك الذين يحملون معاول الهدم ، ويضربون بها أسسحضارتنا تحت شعارات مكافحة الأصولية والعنصرية، بل وما يدعون إنه إرهابا ، ويمارسونأبشع ألوان العنصرية والاضطهاد باسم الديموقراطية والعولمة وحقوق المرأة التيأعطاها الإسلام أكثر بكثير مما يدعون أنهم أعطوه لها.
الخوف كل الخوف من أولئك المتنطعين الذين يتغنون بالحضارة الغربية ورموزها ، ولايرون إلا حضارة البعد عن القيم والمشاعر.
وان سألت من هؤلاء؟ نقول: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم "هم دعاة علىأبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها" فقالوا: من هم يا رسول الله؟ فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا" رواه البخاري.
فالتربية الإسلامية عملية إعداد للإنسان بتثقيفه ورعايته وإصلاح شأنهوتعهده.
من أقوالهم :
قال الرسول(صلى الله عليه وسلم( لأن يؤدب الرجل ولدهخير له من أن يتصدق بصاع" رواهالترمذي.
ـ "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقاإلى الجنة" رواه مسلم عن أبيهريرة.
ـ "يجب مراعاة التدرجوالتكرار في التدريس"ـ "لابد من دراسة نفسية الأطفال ومعرفة درجةاستعدادهم"ابن خلدون
ـ" يجب مراعاة الفروق الفردية بين الأفراد في التعليمومسايرة ميول الصبي وتوجيهه إلى الصناعة أو المهنة التي تتفق مع ميوله"الشيخ الرئيس ابن سينا
ـ" التعليم للجميع البنين والبنات، لأن المؤمنينوالمؤمنات مكلفون جميعا حسب نص القرآن"القابسي
ـ" العدل بين الصبيان وعدم التمييز بينهم الفقيروالغني، الأمير والأجير في قاعات الدروس"ابن سحنون
ـ" لا يكتسب المتعلم شيئا لا يفهمه"، "مطالعة ساعة خير من تكرار شهر"الطوسي
ـ" لقد كان دين محمد موضع تقدير سام، لما ينطوي عليه منحيوية مدهشة ، وأنه الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة، أرىواجبا أن يدعى محمد منقذ الإنسانية، وأن رجلا على شاكلته لو تولى زعامة العالمالحديث لنجح في حل مشاكله".
المصدر : مجلة الوعي ـ العدد 519


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الفكر التربوي وتنشئة الأولاد عند المسلمين الأوائل

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7