الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012من الاقتباس إلى الترجمة.. التراث الطـبي العربي في أوربا
 
الأحد 30 سبتمبر 2012
نظام البريد في ظل الخلافة الإسلا

من الاقتباس إلى الترجمة.. التراث الطـبي العربي في أوربا
بقلم / محمود فهمي حجازي


استمرت حركة استيعاب التقدم العلمي العربي في أوربا نحوثلاثة قرون, بدأت مع قسطنطين الإفريقي في القرن الخامس الهجري / الحادي عشرالميلادي, وازدهرت بعد ذلك في القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي بجهودجرهارد الكريموني, واستمرت أيضاً حتى القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي, ولكن التحوّل الكبير في اتجاه هذه الحركة كان من مرحلة الاقتباس والترجمة الجزئيةفي البداية, إلى الترجمة الكاملة , ونسبة كل عمل إلى صاحبه , والتدقيق في الترجمةومراجعتها أو صقلها أو إعادتها للحصول على النص الكامل الدقيق, وهذا التحول دلّ علىأهمية الأصالة والأمانة , وأنها من مقومات بناء الحضارة.


كانت الكتب الطبية التي أعدّها باللاتينية قسطنطينالإفريقي (المتوفى 1087) في مرحلة غريبة من التاريخ الأوربي, إنها أوربا الوسيطة, حيث شعور قوي بقوة المسلمين , وعداء متزايد تجاه التوسع الإسلامي , وإعــــداد فـــيعــدة منـــاطق من أوربــا للهجوم المضاد على شكل الحروب الصليــبية, وفــي الوقتنفسه عرف الأوربيون ملامح التقدم العلمي والطبي في الحضارة الإسلامية, وذلك من خلالالاحتكاك بمناطـق هـــذه الحضـــارة في الأندلـــس. ومن هنا كانت المشكلة في أوربا, وكان التفكير في حل عاجل.


ونفذ قسطنطين الإفريقي ذلك الحل بطريقة متسرعة بعيدة عنالأمانة واحترام الأصالة, وهذا الحل كان الاقتباس من علوم المسلمين دون الإشارةإليهم أو الاعتراف بفضلهم, مع نسبة جهودهم إلى الأطباء اليونان.


ولكنه ظل حلاً متواضعاً اقتصر على معلومات أساسية في الطب, ولم يستوعب التقدم العلمي الحقيقي في هذا المجال.


كانت المكتبة الطبية الأوربية فقيرة إلى أبعد مدى, وكانتالنصوص اللاتينية القليلة المتداولة في بداية العصور الوسطى الأوربية أقرب إلىالإرشادات الطبية, تضم بعض قواعد التشخيص , وبعض الوصفات الطبية, ولم يكن هناك تصورعلمي منهجي لما يتم في داخل جسم الإنسان من عمليات فسيولوجية.


كانت الكتب المتداولة تقدم مجموعة إجراءات ترشد المعالج, ولكنها لا تقدم تصوّرا علمياً لذلك. وهذه الكتب بعضها مؤلف بالنثر وبعضها يضممنظومات شعرية تستند إلى جهود مؤلفين أوربيين في أواخر العصور القديمة , وبعضها منمصر من عصر الإسكندرية, ألف باليونانية ثم ترجم إلى اللاتينية, وهذه الكتب فيمتناول عدد من الرهبان, ويعتمدون عليها في معالجة المرضى.


كان عمل قسطنطين الإفريقي في مدينة سالرنو في جنوبإيطاليا, وكانت مدرسة سالرنو من أهم مؤسسات التعليم في أوربا في القرون من العاشرحتى الثالث عشر للميلاد. وكانت قد بدأت فيها نهضة محدودة بعمل ترجمات عن اليونانيةمباشرة, ولم تكن اللغة اليونانية قد أخذت مكانتها - بعد - في نظام التعليم, وكانالاعتماد أساساً على اللغة اللاتينية, ولها وحدها السيادة الكاملة في التعليموالثقافة والدين.


في سالرنو ترجم معاصر لقسطنطين هو الفنوس Alfonus السالرني كتاباًطبياً عن طبيعة الإنسان لمؤلفهNemesius إلى اللاتينية, بعنوان: De natura hominis. وهذا الكتاب يتجاوز الأعراض المرضية , ووصفات العلاج إلى تناول نظري لعلم الطب فيإطار الفلسفة الطبيعية. وبذلك كان هناك تمهيد لتقبّل علم الطب على أساس علمي يتجاوزالأعراض والوصفات الطبية.


وفي هذا الإطار, قدّم قسطنطين أعماله باللاتينية, قدمكتاباً بعنوان Isagoge Iohanniti أي مدخل يوحنا. واختيار كلمة (إيساغوجي) ـ وهيكلمة يونانية الأصل ــ كان العرب قد عرّبوها بمعنى المدخل, وهي في هذا العنواناللاتيني لها إيحاؤها اليوناني الواضح. وكان كتاب إيساغوجي في المنطق لفرفوريوسالصوري من أشهر الكتب التمهيدية اليونانية المتأخرة في علم المنطق, وقد عرفه العربحق المعرفة. لقد اختار قسطنطين هذه الكلمة في عنوان كتابه اللاتيني ليعطيه طابعاًيونانياً, وكأنه اطلع وهو يؤلفه على تراث اليونان.


إنكار الفضل :


إن مشكلة المصادر العربية والمظهر اليوناني كانت واضحة فيعدة كتب, وعن هذا الخلط كتبت باحثة معاصرة هي دانيال جاكار بحثاً قيّماً في: موسوعةتاريخ العلوم العربية, أثبتت فيه اعتماد قسطنطين في كتابه (المدخل) على كتاب (مسائلفي الطب) لحنين بن إسحق, ولكنه اعتماد جزئي, فقد ترجم بعض العبارات وحذف بعضهاواختصر عدداً منها, واحتفظ بالمحتوى.


مشكلة قسطنطين الإفريقي تكمن في محاولته إبعاد المحتوىكله عن العرب , وعمّن يعيشون في إطار الحضارة العربية الإسلامية, لم يذكر اسم حنينبن إسحق صراحة, مكتفياً بأن الكلمة الثانية من عنوان كتابه هو Johanni التي تقابليوحنا أو حنين.


كتبت دانيال جاكارا: "العنوان Isagoge يحجب اسم المؤلف إسحق ولكنهيذهب إلى أبعد من ذلك, فتحت عنوان Pantegniنجد إسناداً إلى Techne لجالينوس, ولكن Pantegni ليس من حيث المحتوى سوى كتاب كامل الصناعة الطبية لعلي بن العباسالمجوسي".


إن مشكلة قسطنطين كانت في سياق تيار العداء للعرب والمسلمين في أوربا فيذلك الوقت, وكأنه ابتعد بنفسه عن هؤلاء المسلمين ,كما ابتعد عمّن يعيش بينهم من أهلالكتاب في إطار الحضارة الإسلامية, إنه يأخذ عنهم وينكر فضلهم, ولكن الغريب في هذاالصدد أنه لا يجد مشكلة في ذكر أحد الأطباء اليهود ممن عاشوا في نسق الحضارةالإسلامية, وهو إسحق بن سليمان الإسرائيلي, ويذكره صراحة Isaac Israeli.


ومع هذا فإن اعتماد قسطنطين على الكتب العربية يتضحأيضاً من الأصول العربية لبعض الكلمات التي استخدمها وتكشف صلته بمصادره, منهاالمريء mery والنخاع nucha.


ومن المفيد - في هذا الصدد - متابعة المصطلحات العربيةالمفردة والمركبة وما يقابلها عند قسطنطين باللاتينية, وكيف مهّد بهذه الترجمة لوضعمصطلحات لاتينية جديدة أو مصطلحات عربية دخلت اللاتينية ثم تداولها المترجمونوالأطباء بعد ذلك.


ولما كان الوعي الجديد في عصره هو إعادة الاعتبار للتراثاليوناني, فقد حاول إقناع نفسه ,وإقناع معاصريه بأنه إنما يقدم باللغة اللاتينيةتراث جالينوس منقولاً من الكتب العربية أو دون ذكر هذه الكتب العربية.


طور جديد :


كان لعمل قسطنطين أثر بعيد في بداية الاهتمام في أوربابعلم الطب, وأدى هذا كله إلى تصوّر جديد للطب بوصفه علماً, وتقسيمه إلى أسس نظريةوتطبيق عملي, ودفع هذا العمل إلى حركة واسعة في البحث, وإلى إعداد عدد من الشروحمهّدت لحركة ترجمة حقيقية ثم لتعليم طبي جاد.


قاد جرهارد الكريموني (المتوفى سنة 1187) في طليطلة هذهالحركة الجديدة للترجمة, وذلك في إطار اعتراف صريح بتقدم العرب الطبي , وبأهمية نقلمؤلفات الأعلام الكبار مثل ابن سينا والرازي والزهراوي من العربية إلى اللاتينية , وهذه الترجمات اللاتينية الجادّة والدقيقة ظلت موضع التقدير والاحترام عند الأطباءالأوربيين الذين أخذوا منذ منتصف القرن الثالث عشر يؤسسون للطب كليات متخصصة.


لقد استمر استخدام هذه الترجمات اللاتينية في التعليمالطبي عدة قرون, حافظت بعض كليات الطب الأوربية على كتاب القانون في الطب لابن سينافي ترجمته اللاتينية أكثر من أربعة قرون, وهذه الترجمة طبعت نحو ســتين طبــعةجـزئيـة أو كــاملــة. وأخــذ ابن سينا والرازي - على وجه الخصوص - في التعليمالطبي الأوربي مكاناً متقدماً, إلى جانب أشهر علماء الطب عند اليونان: جالينوس .


وكان الخلاف بين أساتذة الطب في أوربا مقصوراً على مدى الاختيار من كتبهم للتعليمالطبي. وهذا التحوّل الكبير من مرحلة الاقتباس إلى مرحلة الترجمة الدقيقة يعدتحولاً جاداً له أهميته في تاريخ التقدم الأوربي. وكانت مرحلة الترجمة تالية لمرحلةالاقتباس. فهل كان قسطنطين الإفريقي - على الرغم من سياق عصره - ممهداً لحركةالإفادة من التراث العربي بشكل جاد? لقد حدثت هذه الإفادة, وأصبح دارسو الطبباللاتينية يعرفون أهم الجهود العربية.


كانت حركة ترجمة الكتب الطبية العربية إلى اللاتينية فيالقرن الثاني عشر بعيدة النظر ورفيعة الطموح, لم تقتصر على كتب طبية صغيرة, لقدترجم مجهول في إيطاليا كتاب يوحنا بن ماسويه (نوادر الطب) ونسبه إليه, ثم ترجميوحنا الأشبيلي في إسبانيا (رسالة في الفـصل بين الـروح والنـفس) لقسطا بنلوقا.


ولكن التعريف القوي بتراث العرب الطبي كان بفضل جهودجرهارد الكريموني في طليطلة في القرن الثاني عشر أيضاً. وهنا نجد منظومة كاملة منالكتب العربية التي ترجمت إلى اللاتينية منها: (الصناعة الصغيرة) لعلي بن رضوان،و(الكُنّاس الصغير) ليوحنا بن سرابيون, و (رسالة في معرفة قوى الأدوية المركبة)للكندي.


ولكن اهتمام جرهارد الكريموني بكتب الرازي والزهراوي وابنسينا وابن وافد أثرى المكتبة اللاتينية بكتب من أهم كتب الطب العربية, ترجم للرازي) الكتاب المنصوري) في الطب وكتاب (تقسيم العلل), وكتاب (الأقرباذين), وكتاب (أوجاعالمفاصل). (طبعت بين عامي 1481 و1482). وترجم - أيضاً - كتاب أبي القاسم الزهراوي (التصريف لمن عجز عن التصنيف) (طبع سنة 1497) وترجم - أيضاً - كتاب (القانون) لابنسينا (طبع 1472), وكذلك ترجم كتابي (الحدود) و (الرسوم) (طبع 1515).


وكانت هذه الحركة القوية في القرن الثاني عشر موجهةلاتجاه الترجمة والتعليم الطبي, واستمرت قوية حتى القرن الرابع عشر الميلادي. وفيهذا الإطار نقل المترجمون من العربية إلى اللاتينية كتباً أخرى للرازي وابن بطلانوابن زهر وابن رشد وعلي بن عيسى , وبهذا استوعبت اللغة اللاتينية - وهي لغة العلم فيأوربا في ذلك الوقت - أهم كتب الطب العربية.


مراكز الترجمة :


إن متابعة حركة الترجمة في المجال الطبي في جنوب أوربا توضح مجموعةمن الحقائق المهمة في تاريخ العلم, فهذه الحركة لم تقتصر على مناطق حَكَمها العرب ,بل كانت في عدة أماكن لها صلة بالحضارة العربية الإسلامية, منها جنوب إيطاليا حيثكان قسطنطين الإفريقي, ومنها بادوا في إيطاليا حيث ترجم بوناكوسا Bonacosa في القرنالثالث عشر كتاب (الكليات) لابن رشد, ومنها طليطلة في إسبانيا حيث عمل جرهاردالكريموني, ومنها مرسية حيث عمل روفن Rufin وماروشينوس D.Marrochinos في القرنالثالث عشر. وكانت مونبلييه في جنوب فرنسا في القرن الثالث عشر الميلادي مركزاًمهماً لتلقي العلم العربي. وفي مونبلييه ترجمت لابن سينا (مقالة في أحكام الأدويةالقلبية), وترجم أيضاً كتاب (الأغذية) لابن زهر, وترجمت أرجوزة ابن سينا فيالطب.


وكانت صقلية مركزاً مهماً للترجمة في القرن الثالث عشرالميلادي, حيث ترجم فرج بن سالم كتاب (الحاوي) للرازي, وحيث ترجم أيضاً كتاب (تقويمالصحة) لابن بطلان. ومعنى هذا أن حركة الإفادة من العلم العربي كانت في كل دول حوضالبحر المتوسط الأوربية: إيطاليا وفرنسا وإسبانيا بهدف استيعاب العلم العربي,وتقديمه لقارئ اللاتينية, ولم تقتصر على مناطق الحكم العربي.


لقد زاد الاهتمام بالكتب العربية الطبية, وأصبح الحصولعلى ترجمة مدققة مطلباً أساسياً. ومن هنا نجد عدة ترجمات لبعض الكتب العربية, وهناكمثالان لذلك, كتاب (مسائل في الطب) لحنين بن إسحق كان قسطنطين الإفريقي قد اقتبسمنه على نحو يعد ترجمة جزئية, ولكنا نجد الترجمة اللاتينية من إعداد مارك الطليطليفي طليطلة في القرن الثاني عشر, ثم نجد ترجمة لاتينية ثالثة أعدها روفن في مرسية فيإسبانيا في القرن الثالث عشر. أما كتاب (التصريف لمن عجز عن التصنيف) للزهراوي فقدترجم مرتين, الأولى ترجمة جرهارد الكريموني في طليطلة في القرن الثاني عشر والترجمةالثانية كانت في إيطاليا في القرن الثالث عشر من إعداد Siman وAbraham Tortuensis .


وكلتاهما طبعت بعد ذلك في البندقية (1497 , 1471). وهكذاكانت الحاجة إلى ترجمة مدققة تدفع إلى تكرار العمل حتى يكون أمام القارئ نص كاملوسليم.


هكذا تصنع الشعوب :


كانت اللغة العربية واللغة اللاتينية لغتي علم في منطقةالبحر المتوسط, وعندما أيقن الأوربيون في الشمال تفوق العرب في الجنوب قاموا أولالأمر ولبعض الوقت بالنقل الجزئي عن مؤلفات عربية, ثم تحولوا بشكل قوي إلى ترجمةالعلم العربي, وسرعان ما أدركوا خطورة الملخصات والترجمات الجزئية, فأخذوا في عملترجمات كاملة للأعمال الكبرى إلى اللغة اللاتينية لغة العلم عندهم , وهذه تجربةمهمة, لم يتخلّ الأوربيون عن اللاتينية, ولم يتحوّلوا في التعليم عن اللاتينية إلىالعربية, كان هناك متخصصون في العربية نقلوا منها إلى اللاتينية ما احتاج إليهالتعليم الطبي وغيره , واحترموا لغة العلم والتعليم في أوربا, ولم يتخلوا عنها, وبعدحركة الترجمة بدأت حركة استشراق أكاديمي لدراسة اللغة والحضارة.


وفي كل هذا السياقاحتفظوا بلغتهم اللاتينية وقاموا بتنميتها, وأصبحت هذه التنمية رافداً مهماً لتكوينالمصطلحات في اللغات الأوربية الحديثة , ولم يتركوا لغتهم لأن غيرهم تقدم عليهم فيالعلم, وهكذا صنعت شعوب كثيرة في العصر الحديث, اهتمت بلغتها ونقلت إليها ونهضت منخلال ذلك .


المصدر : مجلة العربي : العدد 522, مايو 1423هـ 2002م


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 من الاقتباس إلى الترجمة.. التراث الطـبي العربي في أوربا

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7