الرئيسة في دائرة الضوءردع الكراهية بالرعب
 
الثلاثاء 6 أبريل 2010
 
نادر كاظم

كانت استجابات المسلمين الغاضبة التي استهدفت خطاب البابا بندكت السادس عشر درسا مهما، إلا أنه درس متأخر، فقبل عام واحد فقط اندلعت أزمة الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية حين قامت صحيفة «يولاندس- بوستن» الدنماركية في 30 سبتمبر/ أيلول 2005 بنشر 12 رسما كاريكاتوريا مسيئا للرسول. وكان وقع هذه الأزمة خطيرا في مختلف أنحاء العالم، وذلك بسبب ما أثارته من إدانات واحتجاجات صاخبة وأعمال شغب وعنف في كل من نيجيريا وليبيا وأفغانستان ونيروبي (كينيا). كما جرى تنظيم حملات واسعة رسمية وشعبية تطالب بمقاطعة جميع السلع الدنماركية، وألغيت وجُمّدت عقود تجارية بين الدنمارك وبعض الدول الإسلامية. وفي العام 2006 نشطت حركة سحب السفراء العرب من الدنمارك بحجة التشاور، وفي دمشق أضرمت النيران في المبنى الذي يضم سفارتي الدنمارك والنرويج في 4 فبراير/ شباط 2006، وبعد يوم واحد من هذه الحادثة أحرقت القنصلية الدنماركية في بيروت، وأغلقت السفارات والقنصليات الدنماركية في باكستان وإيران وأندونيسيا وليبيا وغيرها. وبقي أصحاب الرسوم أنفسهم مهددين في حياتهم وتحت حماية الشرطة والمخابرات الدنماركية مباشرة، وقد تعرّض بعضهم لأكثر من محاولة اغتيال. أليس هذا درسا كافيا لاستخلاص العبر؟

وقبل أزمة الصور المسيئة بعام واحد كان الإعلامي والمخرج الهولندي ثيو فان غوخ قد اغتيل في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2004 على يد مسلم من أصل مغربي، وذلك كرد فعل على قيام غوخ بإخراج فيلم «الخضوع»، وهو فيلم قصير (حوالي 10 دقائق) يصور فيه العنف وسوء معاملة المرأة في الإسلام ويربط ذلك بنصوص من القرآن. اعتبر هذا الفيلم مسيئا للإسلام ومهينا للمسلمين، ولم يتأخّر الرد. عُرض الفيلم في أمستردام في29 أغسطس/ آب 2004 وما هي إلا أسابيع حتى اغتيل الرجل وقُتِل بطريقة بشعة حيث جرى رميه بـ 8 رصاصات، وطُعن في صدره بسكين، وقطعت رقبته، وبالسكين ذاتها قام القاتل بتثبيت بيان من 5 صفحات على صدر غوخ يتضمّن تهديدا للغرب ولكاتبة سيناريو الفيلم الصومالية الأصل أيان هيرسي علي.

إلا أن الدرس الأهم والأول والذي كان على هؤلاء جميعا أن يستوعبوه جيدا، إنما يأتي من أزمة رواية «آيات شيطانية» لسلمان رشدي. صحيح أن هذه لم تكن هي المرة الأولى التي يصدر فيها كتاب يعتبره عموم المسلمين مسيئا بحقهم وحق نبيهم ودينهم، كما أنها لم تكن المرة الأولى التي تصدر فيها فتوى تكفّر أحدا وتهدر دمه، بدليل أن قبل هذه الحادثة صدرت كتب كثيرة وفتاوى تكفير كثيرة. لكن الصحيح كذلك أن الظروف المصاحبة لصدور «آيات شيطانية» وصدور الفتوى قد تغيّرت. صدرت الرواية وفتوى الردة الشهيرة في وقت كان العالم آخذا في التعولم، وأطرافه تتقارب، ومسافاته تتقلّص شيئا فشيئا ليصبح «قرية كونية». وصار بإمكان خبر الرواية والفتوى أن ينتقل سريعا (بل بصورة فورية) حول العالم/ القرية، وأن يستثير، كذلك، انعكاسات سريعة ومضخّمة وعلى نطاق عالمي. كل هذا لم يكن بإمكان أعظم مخيلة بشرية أن تتصوره لو أن الرواية صدرت في العام 1700م (في هذا العام وصلت أول مجموعة كبيرة من المسلمين الهنود إلى بريطانيا كعمال مستأجرين لدى شركة الهند الشرقية). فلو أن الرواية صدرت آنذاك لما أثارت كل هذه الضجة، ولكانت فتوى الردة ذهبت مع التاريخ كحال سابقاتها. إلا أن الظروف تغيّرت، وتقدمت وسائل الإعلام والاتصالات بصورة مذهلة، فصارت الأفكار والفتاوى تنتقل بسرعة البرق. والأهم أن العزلة التي كانت تطبع التاريخ البشري كله قد بدأت تتزعزع وبخاصة بعد التحركات والهجرات الكبرى التي بدأت مع حركة الاستعمار، ولاحقا مع حركة تفكيك الاستعمار. لم يعد ثمة موقع أو ثقافة حصينة لم يجر اختراقها من قبل البشر «الدخلاء» المختلفين، ومن قبل قوى العولمة التي ربطت البشر بشبكة واسعة من شبكات الاتصال والإعلام. لقد انكسرت الجرّة وخرجت عفاريتها وصار من المتعذر إرجاع الأمور إلى ما كانت عليه.

حينما كان العالم يعيش في عزلته التاريخية القديمة، كان صدور فتوى في طهران بردة كاتب ما وإهدار دمه وهو يقيم في لندن أمرا ليس مستحيلا بالتأكيد، إلا أن انعكاساته لن تكون خطيرة ولا يمكن أن تخرج عن السيطرة. لا أريد أن أقول إنها ستكون فتوى عديمة القيمة وبلا جدوى، ولكنها لن تكون بعيدة كثيرا عن هذا التوصيف؛ لأنها، وببساطة شديدة، لن تجد من ينفّذها هناك ليحوّلها من فتوى إلى فعل على الأرض. كانت هذه العزلة وهذه الظروف كفيلة بأن تجعل من لندن مكانا آمنا لكاتب مثل سلمان رشدي لو أنه كان واحدا من أولئك المسلمين الهنود الذين وصلوا إلى شواطئ بريطانيا في العام 1700م على ظهر إحدى السفن التجارية التابعة لشركة الهند الشرقية. كان عدد المسلمين ضئيلا، وربما كان عدد المتدينين المتحمسين بين هؤلاء أقلّ، وربما كانوا يعدّون على أصابع اليدين. آنذاك لم يكن لفتوى تصدر من طهران أو من أي مكان في العالم أن تحرّك شعرة واحدة من بدن سلمان رشدي، وآنذاك، كذلك، لم تكن كتابة سلمان رشدي لتجد من يصفها بالجرأة أو الشجاعة، فالجرأة تتطلب إقداما ومخاطرة، في حين لم يكن ثمة أية مخاطرة في كتابة استفزازية تصدر في مكان آمن في عاصمة أكبر امبراطورية استعمارية عرفها القرنان 18م و19م. قد تكون هذه كتابة استفزازية لكنها لا يمكن أن توصف بالجرأة، وقديما قيل في أمثال العرب «إن الذِّيخُ (ذكر الضِّباع) في خلوته مثل الأسد»! إلا أنه حين يغادر خلوته لن يكون أكثر من ضبع.

تغيّر الحال في العام 1988، وزالت الخلوات، وشرعت العولمة في تقليص المسافات بين القارات، وما كان يتحقّق في قرون وسنوات صار لا يتطلب أكثر من أيام وساعات. وقبل هذا كانت حركات الهجرات الكبرى المصاحبة للاستعمار وتفكيك الاستعمار قد زرعت المسلمين من آسيا وإفريقيا في قلب العواصم الغربية الاستعمارية وغير الاستعمارية حتى وصل عددهم في العام 2007 (هذا إن صحّت إحصاءات Central Institute Islam Archive في ألمانيا) إلى حوالي 53 مليون مسلم موزعين على كامل أوروبا، وفي بريطانيا وحدها وصل العدد إلى مليون ونصف يتركز معظمهم في لندن وبرادفورد. وفي هذه الظروف، لم يكن بإمكان هؤلاء المسلمين في بريطانيا أن يقوموا بالتظاهرات الغاضبة فقط، أو بإحراق أعداد كبيرة من رواية «آيات شيطانية» في برادفورد في يناير 1989 فحسب، بل كان بإمكانهم تحويل حياة سلمان رشدي إلى كابوس بعد صدور فتوى الإمام الخميني بإهدار دم الكاتب وناشري الرواية في 14 فبراير/ شباط 1989. ومنذ تلك الفتوى أصبح سلمان رشدي يعيش في الخفاء وتحت حماية خاصة من الشرطة البريطانية، وفي العام 1991 اغتيل مترجم الرواية إلى اليابانية، وتعرّض مترجمها الإيطالي للطعن بالسكين.

كثيرون انتقدوا استجابات المسلمين الغاضبة، واعتبروها غير مبررة وغير مشروعة على الإطلاق، وذهب آخرون إلى أنها لا تخدم أغراضها أصلا، بل إنها قد تأتي بنتائج عكسية، لأنه قد يُفهم من ذلك أن المسلمين «يسعون عن طريق العنف للدفاع عن فكرة أن الإسلام ليس عنيفا بجوهره». يمكننا، بالطبع، أن نتفق مع هذا التحليل ونتائجه، إلا أن علينا أن نكون أكثر وضوحا في هذه النقطة، فهذا التحليل يؤسس صوابيته على أهداف افتراضية هي من وضع أصحاب التحليل أنفسهم، فهؤلاء يفترضون أن ردود فعل المسلمين الغاضبة إنما تسعى وراء هدف أساسي وهو أن تبرهن للآخرين (الغربيين هنا) أن الإسلام ليس عنيفا في جوهره، وأن المسلمين ليسوا إرهابيين بطبعهم. وبناء على هذا الافتراض يصحّ أن نقول إن استجابات المسلمين الغاضبة لم تكن مبررة وأنها تأتي بنتائج عكسية. إلا أن هذا ليس سوى مستوى واحد فقط من مستويات التحليل الممكنة لهذه الاستجابات، لأن هناك مستوى آخر من التحليل ينطلق من افتراض آخر، وهو أن الغاية التي كانت ترمي إليها هذه الاستجابات الغاضبة ليست البرهنة للآخرين على مدى سلمية الإسلام وعقلانية أتباعه، بل ردع هؤلاء الآخرين عن كراهيتهم وإساءاتهم المستفزة.

لن أقول إن «آيات شيطانية» كانت تستهدف إشهار كراهيتها تجاه الإسلام ونبيه وبصورة قصدية، ولن أقول إن البابا كان يقصد إهانة المسلمين في خطابه، إلا أن عموم المسلمين استقبلوا ذلك على أنه خطاب كراهية يستهدفهم، وتصرّفوا مع تفاعلاته على أنها خطاب كراهية ينبغي صدّه ورد ضربته على أصحابه، وردع هؤلاء وإيقافهم عند حدّهم، وليكونوا عبرة لغيرهم. كان قصد فتوى آية الله الخميني هو خلق هذا التوازن في الرعب كأسلوب ردع كيلا يتجرأ أحد على الإساءة إلى الإسلام وإهانة نبيه بعد اليوم، وكان هذا قصد الحملة الإسلامية الواسعة التي استهدفت الدنمارك بعد أزمة الصور المسيئة للرسول، واستهدفت بابا الفاتيكان بعد خطابه المشهور. إلا أن ما يميّز أسلوب الردع الحالي عن استراتيجيات الردع المعروفة في عالم الحروب هو أن هذه الاستراتيجيات الأخيرة تسعى إلى تحقيق غرضها بتهديد لا تنفّذه في العادة، وهي تستمد قوتها الردعية من عدم تنفيذ هذا التهديد، في حين أن الأولى تسعى إلى تحقيق غرضها بتهديد قابل للتنفيذ في أية لحظة، بل يتسابق الكثيرون للتضحية بحياتهم من أجل تنفيذه. حصل هذا حين قام محمد بويري باغتيال ثيو فان غوخ، وحصل حينما اغتيل مترجم رواية «آيات شيطانية» إلى اليابانية، وطُعن مترجمها إلى الإيطالية، وحصل، كذلك، حين اضطرّ سلمان رشدي وأصحاب الرسوم الكريكاتورية المسيئة للرسول إلى الاختفاء والبقاء تحت الحماية الخاصة ليكونوا بعيدين عن دائرة الاستهداف وتنفيذ التهديد بالاغتيال. والثابت أن هذا الردع يحقق غرضه في معظم هذه الحالات؛ بدليل أن سلمان رشدي اختفى عن الأنظار وكفّ قلمه عن كتابة ما يعتبره المسلمون إساءة بحقهم، كما أن اغتيال ثيو فان غوخ كان له وقع مشلّ على بعض أصحاب الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول، فبعضهم انسحب من هذه المغامرة، فيما ذهب الآخرون في مغامرتهم وهم على ترددهم وخوفهم. فذكرى الاغتيال مازالت طرية وحاضرة في الأذهان بقوة. ويبدو أن من قام بالاغتيال كان يريد أن يبقى هذا الحدث حاضرا بقوة في الذاكرة على أمل أن تقوم ذكرى العنف بوظيفة شلّ حركة المغامرين الجدد في المستقبل. إلا أن المغامرين، بعد غوخ، لم يرتدعوا، بل مضوا في مغامرتهم، فكان لا بد من ردّ أشدّ عنفا وضخامة. وقد جاء هذا الرد بعد أزمة الرسوم المسيئة، ويبدو أنه فعل فعله. ذلك، على الأقل، ما يمكن استنتاجه من آخر استطلاع للرأي أجراه معهد رامبول للتحليل ونشرت نتائجه في صحيفة «يولاندس - بوستن» الدنماركية بتاريخ 19 يناير/ كانون الثاني 2010، حيث جاء في نتائج الاستطلاع أن غالبية كبرى من الدنماركيين (84.2 %) عارضت إعادة نشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد. ويمكن قراءة هذه المعارضة الواسعة على أنها تعبير عن نجاح استراتيجيات الردع السابقة؛ لأن الدنماركيين باتوا «يعتبرون أن التهديدات بالقيام بأعمال عنف وأعمال انتقامية والاعتداء على كورت فسترغارد (تهديدات) فعلية» وجدية، الأمر الذي حملهم على معارضة إعادة نشر هذه الرسوم مرة أخرى.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 ردع الكراهية بالرعب

محمد - مصر الأربعاء 2 يونيو 2010 13:37:49 بتوقيت مكة
   أية الله الخمينى
السلام عليكم
وجدت فى هذا المقال بعض العبارات التى تذكر الخمينى ( جزاه الله بما فعل ) هذا الرجل وأن كان لا يضمه الى فئه الرجال ألا لحيته فأنى أنبه على أنه قد نال من عرض النبى ونال من شخص النبى صلى الله عليه وسلم مالم يناله سلمان رشدى ولا غيره فأرجو من أخى الفاضل كاتب المقال أن يكون هناك تبين للقارئ حتى لا يلتبس الامر وأعلم أن هذا المقال ليس مستطرداً لهذا الموضوع ولكن ليكن هناك تنبيه ولو بسيط حتى يلتبس بعض العامه
وأنا لا أقول ذلك من باب التعديل ولكن من باب التذكير فنحن أخوه فى الله وما جعلنى أذكر ذلك ألى حبى لكم فى الله وأسأل الله أن يسدد خطاكم
وأشكركم على تقبل ردى
أخوكم فى الله محمد وهيب
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7