الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012نظرات في العصر الأموي(8)
 
الأحد 2 سبتمبر 2012
كيف اختار المنصور موقع بغداد  سل

نظرات في العصر الأموي(8)
د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، وبعد ..

فقد ذكرت في الحلقة السابقة أن سياسة عمر بن عبد العزيز كانت تقوم على الإصلاحات والإعمار ، وأنه قد نظر فوجد الدولة الإسلامية قد صارت مترامية الأطراف بفضل اتساع الفتوحات شرقا وغربا ، فأراد أن يوقف حركة الجهاد والفتح قليلا حتى يتمكن من إعادة ترتيب الدولة وصبغ البلاد المفتوحة بالصبغة الإسلامية بتكثيف حركة الدعوة بها ، فأرسل إلى مسلمة يأمره بفك الحصار عن القسطنطينية وأن يعود بجيشه إليه ..

ثم كتب إلى أمرائه يحثهم على الانشغال بطلب العلم وتعلمه وتعليمه وأن يقرنوا ذلك بعملهم ، من ذلك رسالته إلى عبد الرحمن بن نعيم التي قال فيها : إن العمل والعلم قريبان، فكن عالماً بالله عاملا له، فإن أقواماً علموا ولم يعملوا، فكان علمهم عليهم وبالاً.

كما كتب إليهم يأمرهم بالاهتمام بالعمران ، من ذلك رسالته إلى سليمان بن أبي السرة التي قال فيها : أن اعمل خانات ( فنادق ) في بلادك ، فمن مر بك من المسلمين فقروهم يوماً وليلة، وتعهدوا دوابهم، فمن كانت به علة فقروه يومين وليلتين، فإن كان منقطعاً به فقووه بما يصل به إلى بلده ..

كما فتح بابه لتلقي شكاوي الرعية فأتاه وفد من أهل سمرقند يقولون: إن قتيبة غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا ، فكتب لهم عمر إلى سليمان ابن أبي السرة: إن أهل سمرقند قد شكوا إلي ظلماً أصابهم ، وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا ، وكنتم قبل أن يظهر عليهم قتيبة.

فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي الناجي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء، فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة، فقال أهل السغد: بل نرضى بما كان، ولا نجدد حرباً ، فتراضوا بذلك، فقال أهل الرأي: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم وآمنونا وأمناهم، فإن حكم لنا عدنا إلى الحرب ولا ندري لمن يكون الظفر ، وإن لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازع ، فتركوا الأمر على ما كان، ورضوا ولم ينازعوا.

وكتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم يأمره بإقفال من وراء النهر من المسلمين بذراريهم ، فأبوا وقالوا: لا يسعنا مرو، فكتب إلي عمر بذلك، فكتب إليه اللهم إني قد قضيت الذي علي، فلا تغز بالمسلمين ، فحسبهم الذي قد فتح الله عليهم.

وكتب إلى عقبة بن زرعة الطائي - وكان قد ولاه الخراج: إن للسلطان أركاناً لا يثبت إلا بها، فالوالي ركن، والقاضي ركن ، وصاحب بيت المال ركن ،والركن الرابع أنا، وليس من ثغور المسلمين ثغر أهم إلي، ولا أعظم عندي من ثغر خراسان، فاستوعب الخراج وأحرز في غير ظلم، فإن يك كفافاً لأعطياتهم فسبيل ذلك، وإلا فاكتب إلي حتى أحمل إليك الأموال فتوفر لهم أعطياتهم، فقدم عقبة فوجد خراجهم يفضل عن أعطياتهم، فكتب إلى عمر فأعلمه، فكتب إليه عمر: أن اقسم الفضل في أهل الحاجة.

وكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامل العراق ، سلام عليك؛ أما بعد؛ فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة استنهى عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك؛ فإنه لا قليل من الإثم ، ولا تحمل خراباً على عامر، ولا عامراً على خراب، انظر الخراب فخذ منه ما أطاق ، وأصلحه حتى يعمر ، ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذن في الخراج إلا وزن سبعة ليس لها آيين ولا أجور الضرابين، ولا هدية النيروز والمهرجان ، ولا ثمن الصحف، ولا أجور الفيوج، ولا أجور البيوت ، ولا دراهم النكاح، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض؛ فاتبع في ذلك أمري؛ فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني الله، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب؛ حتى تراجعني فيه ، وانظر من أراد من الذرية أن يحج، فعجل له مائتي يحج بها، والسلام...

وألحق ذراري الرجال الذين في العطايا ، وأقرع بينهم، فمن أصابته القرعة فاجعله في المائة، ومن لم تصبه القرعة فاجعله في الأربعين، وقسم في فقراء أهل البصرة كل إنسان ثلاثة دراهم ؛ فأعطى الزمني خمسين خمسين ، وأراه رزق الفطم.

لكن سياسة الإصلاحات الداخلية لم تشغله عن حماية الثغور من المتربصين بها ، فقد حاول الترك أن يستغلوا فترة مسالمته وأغاروا على أذربيجان، فقتلوا من المسلمين جماعة، ونالوا منهم، فوجه إليهم جيشا كثيفا ، فلم يفلت منهم إلا اليسير.

كما حاول الخوارج أن يستغلوا مسالمته أيضا فخرجوا عليه بالعراق ، فكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامل العراق يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلما أعذر في دعائهم بعث إليهم عبد الحميد جيشاً فهزموه ، فبلغ عمر ذلك فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام جهزهم من الرقة، وكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء، وقد بعثت مسلمة بن عبد الملك، فخل بينه وبينهم ، فلقيهم مسلمة في أهل الشام، فلم ينشب أن أظهره الله عليهم.

ثم استأنف بعد ذلك حركة الجهاد والفتوحات من جديد فبعث في عهده موسى بن نصير العساكر فافتتحوا مدنا كثيرة من جزيرة الأندلس منها قرطبة وطنجة، ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس فافتتح مدينة باجة والمدينة البيضاء وغيرهما من المدن الكبار والأقاليم، وكان لا يأتي مدينة فيبرح عنها حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه، وجهز البعوث والسرايا غربا وشرقا وشمالا، فجعلوا يفتتحون المغرب بلدا بلدا...

وإلى لقاء آخر إن شاء الله

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

المصدر : موقع التاريخ


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 نظرات في العصر الأموي(8)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7