الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012نظرات في العصر الأموي(7)
 
الخميس 30 أغسطس 2012
كيف اختار المنصور موقع بغداد  سل

نظرات في العصر الأموي(7)
د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، وبعد ..

فقد تحدثت في الحلقة السابقة عن الإنجازات والفتوحات التي تمت في عهد الوليد بن عبد الملك بن مروان ، وأكمل حديثي اليوم فأقول : إن سليمان بن عبد الملك تولى الخلافة بعده ، وكان أول ما افتتح به عمله أنه جهز الجيوش إلى القسطنطينية سعيا لفتحها ونشر الإسلام بها ، وقد جعل أخاه مسلمة بن عبد الملك قائدا لهذا الجيش وأمره إذا جاءها أن يقيم عليها حتى يفتحها أو يأتيه لمساندته ، فسار مسلمة حتى إذا دنا من مدينة قسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل على عجز فرسه مديين من طعام حتى يأتي به القسطنطينية، وكان مسلمة هذا اقتصاديا في أموره فأراد أن يصنع ما يشبه الاكتفاء الذاتي لجيشه ، فأمر بالطعام فألقي في ناحية مثل الجبال، ثم قال لجيوشه : لا تأكلوا منه شيئاً، أغيروا في أرضهم، وازدرعوا ، ثم عمل بيوتاً من خشب، فشتا فيها هو وجيشه ، واشتغل بعض أفراد الجيش بزرع المنطقة التي نزلوا فيها ، فأكلوا من هذا الزرع مع ما كانوا يغنمونه في غاراتهم على أطراف القسطنطينية فترة حصارهم لها ..

وفي تلك الأثناء كان سليمان قد نزل بناحة " دابق " وأعطى الله عهداً ألا ينصرف حتى يدخل جيشه الذي أرسله مع مسلمة إلى القسطنطينية ، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يكن أذن بمجيء وقت فتحها ، فلم يقدر له ذلك وعاجله الموت، فقد خرج إلى الصلاة ذات يوم فصلى بالناس الجمعة ، فلم يرجع من مكان الصلاة حتى وعك ، وأحس أن منيته قد اقتربت فدعا بكاتبه ليكتب عهد الخلافة لولده وكان صغيرا لم يبلغ فقال له رجاء بن حيوة ( وكان ناصحا أمينا ): ما تصنع يا أمير المؤمنين! إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح.

إن سليمان بن عبد الملك بشر يدور في خلده ما يدور في خلد سائر الناس ، وتتحرك فيه عاطفة البنوة كما تتحرك في سائر الناس ، تلك العاطفة التي تميل غالبا بالإنسان عن الحق والصراط المستقيم ، ولكن وجود الرفيق الصالح والناصح الأمين يجعله يتنبه للأمر ، وهذا ما حدث من رجاء بن حيوة ، ولو أن كل حاكم مسلم وجد عند اقتراب أجله في رفقته من الصالحين أمثال رجاء هذا لنجى في آخرته وسلمت رعيته بعد مماته ..

فلقد تنبه سليمان لنصح رجاء وقال : أنا أستخير الله ، وأنظر فيه، ولم أعزم عليه؛ فمكث يوماً أو يومين ثم خرق عهده ودعا برجاء فقال : ما ترى في داود بن سليمان؟ فقال: هو غائب عنك بقسطنطينية ، وأنت لا تدري أحي هو أو ميت! فقال له: فمن ترى؟ قال: رأيك يا أمير المؤمنين ، قال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقال: أعلمه والله خيراً فاضلا مسلماً؛ فقال: هو والله على ذلك ، فأمر بإحضار الكتاب فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني قد وليتك الخلافة من بعدي، ومن بعده يزيد بن عبد الملك؛ فاسمعوا له وأطيعوه، واتقوا الله ولا تختلفوا فيُطمع فيكم ، وختم الكتاب..

ثم أرسل إلى كعب بن حامد العبسي صاحب شرطه فقال: مر أهل بيتي فليجتمعوا؛ فأرسل كعب إليهم أن يجتمعوا فاجتمعوا، ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابي هذا إليهم فأخبرهم أن هذا كتابي، وأمرهم فليبايعوا من وليت فيه..

فلما جاءهم رجاء بالخبر قالوا له : نريد أن ندخل على أمير المؤمنين فنسلم عليه ـ وكأنهم أبوا أن يبايعوا إلا في حضوره ـ فدخلوا عليه جميعا فقال لهم سليمان : في هذا الكتاب - وهو يشير لهم إليه - عهدى، فاسمعوا وأطيعوا ، وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب، فبايعوه رجلا رجلا ..

وقد توجس عمر بن عبد العزيز من إخفاء سليمان لاسم ولي عهده عنهم جميعا فأتى رجاء بن حيوة فقال: أخشى أن يكون هذا أسند إلي شيئاً من هذا الأمر، فأنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة! فقال رجاء : لا والله ما أنا بمخبرك حرفاً..

وتركه رجاء وعاد إلى سليمان ليودعه في لحظاته الأخيرة ، يقول رجاء: ودخلت على سليمان فإذا هو يموت، فجعلت إذا أخذته السكرة من سكرات الموت حرفته إلى القبلة، فجعل يقول حين يفيق: لم يأن لي ذلك بعد يا رجاء ، ففعلت ذلك مرتين، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئاً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، قال رجاء : فحرفته ومات.

وتلك ميتة يُغبط عليها ، ويتمنى كل منا لو ظفر بمثلها !!

ومن العجب أن بعض الكتاب والمؤرخين الآن إن تكلموا عن عمر بن عبد العزيز أفردوه بالخير كأنه كان نشازا من بين بني أمية ، ولا يذكرون أن الذي ولاه على الحجاز أميرا هو الوليد ، وأن الذي استخلفه بعده هو سليمان ، ولو لم يكن في هؤلاء خيرا ما سمحوا له بأن يشاركهم في الحكم ، ومشهد وفاة سليمان يؤكد صدق ذلك .

وبلغ عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك - وكان خارج دمشق- موت سليمان بن عبد الملك، ولم يعلم ببيعة الناس لعمر بن عبد العزيز، وعهد سليمان إليه، فعقد لواء، ودعا إلى نفسه فلما علم ببيعة الناس لعمر بعهد من سليمان أقبل حتى دخل عليه ، فقال له عمر: قد بلغني أنك كنت بايعت مَن قِبلك، وأردت دخول دمشق، فقال: قد كان ذاك، وذلك أنه بلغني أن الخليفة سليمان لم يكن عقد لأحد، فخفت على الأموال أن تنهك، فقال عمر: لو بويعت وقمت بالأمر ما نازعتك ذلك، ولقعدت في بيتي، فقال له عبد العزيز: ما أحب أنه ولى هذا الأمر غيرك ، ثم بايعه.

وأعود بعد ذلك إلى مسلمة بن عبد الملك فأقول : إنه ظل محاصرا للقسطنطينية ردحا من الزمن والخناق يزداد عليها يوما بعد يوم ، حتى أتاه خبر وفاة سليمان بن عبد الملك واستخلاف عمر بن عبد العزيز ..

وكانت سياسة عمر بن عبد العزيز تقوم على الإصلاحات والإعمار ، وقد نظر فوجد الدولة الإسلامية قد صارت مترامية الأطراف بفضل اتساع الفتوحات شرقا وغربا ، فأراد أن يوقف حركة الجهاد والفتح قليلا حتى يتمكن من إعادة ترتيب الدولة وصبغ البلاد المفتوحة بالصبغة الإسلامية بتكثيف حركة الدعوة بها ، فأرسل إلى مسلمة يأمره بفك الحصار عن القسطنطينية وأن يعود بجيشه إليه ..

وإلى لقاء آخر إن شاء الله إن كان في العمر بقية ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مدير موقع التاريخ الالكتروني

المصدر : موقع التاريخ الالكتروني


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 نظرات في العصر الأموي(7)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7