الرئيسة من صفحات التاريخعام 2012نظرات في العصر الأموي (4)
 
الأحد 26 أغسطس 2012
كيف اختار المنصور موقع بغداد  سل

نظرات في العصر الأموي (4)
كتب : د / أحمد عبد الحميد عبد الحق

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، وبعد..

فقد تحدثت في الحلقة السابقة عن الفتوحات الإسلامية التي تمت بعد استقرار الأمور في هذا العصر ، وعن بعض حركات التمرد التي قامت فيه وأثرها السلبي ، وأكمل حديثي فأقول : إنه قد ظهر في أوائل حكم عبد الملك بن مروان أيضا رجل يسمى " الحارث بن سعيد " ادعى النبوة ، وكان قبل ذلك قد نزل دمشق وتعبد بها وتنسك وتزهد ، فعرض له إبليس وأجرى على يديه بعض الخوارق.. وكان إذا أخذ بالتحميد لم يسمع السامعون مثل تحميده ولا أحسن من كلامه، فكتب إلى أبيه يقول : يا أبتاه أعجل علي فإني قد رأيت أشياء أتخوف أن يكون الشيطان قد عرض لي، فزاده أبوه غيا على غيه، فكتب إليه أبوه: يا بني أقبل على ما تؤمر به فإن الله تعالى يقول "هل أنبئكم على ما تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم"(1) ولست بأفاك ولا أثيم، فامض لما أمرت به، وكان يجيء إلى أهل المسجد رجلا رجلا فيذاكرهم أمره ، ويأخذ عليهم العهد والميثاق إن هو يرى ما يرضى وإلا كتم عليه (2).

وكان يريهم الأعاجيب ، كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح تسبيحا بليغا حتى يضج من ذلك الحاضرون ، وكان يقول لهم: اخرجوا أريكم الملائكة، فيخرج بهم إلى دير المران فيريهم رجلا على خيل فيتبعه على ذلك بشر كثير، وفشا أمره في المسجد ، وكثر أصحابه وأتباعه، حتى وصل الأمر إلى أحد العلماء المشهورين بدمشق وهو "القاسم بن مخيمرة " فذهب إليه وتظاهر انه يريد اتباعه فلما دخل عليه سأله عما يدعي فأخذ عليه العهد إن هو رضي أمرا قبله، وإن كرهه كتم عليه، ثم قال له : إني نبي، فرد عليه القاسم قائلا : كذبت يا عدو الله، ما أنت بنبي، وفي رواية أخرى أنه قال له : ولكنك أحد الكذابين الدجالين الذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي " وأنت أحدهم ولا عهد لك.

ثم قام فخرج من عنده وذهب إلى عالم يسمى أبي إدريس - وكان على القضاء بدمشق - فأعلمه بما سمع من الحارث ، فنقل أبو إدريس هذا الأمر إلى عبد الملك بن مروان ، فلما يتهاون في هذا المر وطلبه طلبا حثيثا، فاختفى وصار إلى دار ببيت المقدس يدعو إلى نفسه سرا ، فاهتم عبد الملك بشأنه حتى ركب إلى الناصرية فنزلها فورد عليه رجل من أهل الناصرية ممن كان يدخل على الحارث وهو ببيت المقدس فأعلمه بأمره وأين هو، وطلب من عبد الملك أن يبعث معه بطائفة من الجند الأتراك ليحتاط عليه، فأرسل معه طائفة ، وكتب إلى نائب القدس ليكون في طاعة هذا الرجل ويفعل ما يأمره به.(3).

فلما وصل الرجل إلى الناصرية ببيت المقدس بمن معه انتدب نائب القدس لخدمته، فأمره أن يجمع ما يقدر عليه من الشموع ، ويجعل مع كل رجل شمعته، فإذا أمرهم بإشعالها في الليل أشعلوها كلهم في سائر الطرق والأزقة حتى لا يخفى أمره، وذهب الرجل بنفسه فدخل الدار التي فيها الحارث فقال لبوابه : استأذن على نبي الله، فقال: في هذه الساعة لا يؤذن عليه حتى يصبح، فصاح الناصري : أسرجوا، فأشعل الناس شموعهم حتى صار الليل كأنه النهار، وهم الناصري على الحارث فاختفى منه في سرب هناك ، فقال أصحابه : هيهات يريدون أن يصلوا إلى نبي الله، إنه قد رفع إلى السماء، فأدخل الناصري يده في ذلك السرب فإذا بثوبه فاجتره فأخرجه، ثم قال لجنود الخليفة الأتراك الذين معه : خذوه فأخذوه فقيدوه، فيقال: إن القيود والجامعة سقطت من عنقه مرارا ويعيدونها، وجعل يقول: "قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي، وإن اهتديت فبما يوحي إلى ربي إنه سميع قريب" (4)..

وقال لأولئك الأتراك : "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله" (5) ؟ فقالوا له بلسانهم ولغتهم: هذا كراننا فهات كرانك(6) أي هذا قرآننا فهات قرآنك..

ثم أتوا به عبد الملك بن مروان فأمر رجالا من أهل الفقه والعلم أن يدخلوا عليه ويعظوه ويعلمونه أن هذا الذي به من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم (7). فلما رأى عبد الملك إصراره على الكفر والضلال أمر بقتله وصلبه وأرسل رجلا فطعنه بحربة فانثنت في ضلع من أضلاعه، فقال له عبد الملك: ويحك أذكرت اسم الله حين طعنته ؟ فقال: نسيت، فقال: ويحك سم الله ثم اطعنه، فذكر اسم الله ثم طعنه فأنفذه.. فصلبه بعد ذلك، يقول ابن كثير : وهذا من تمام العدل والدين (8)..
ونال عبد الملك بهذا الفعل رضا ربه ، يقول العلاء بن زياد العدوي : ما غبطت عبد الملك بشيء من ولايته إلا بقتله حارثا ، حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، فمن قاله فاقتلوه، ومن قتل منهم أحدا فله الجنة " (9).

وتفرغ عبد الملك بعد ذلك للفتوحات فافتتح أحد قادته " إرقيلية " سنة 79 هـ ، وفتح ابنه عبيد الله سنة 81هـ قاليقلا..

وغزا المهلب بن أبي صفرة سنة 80 بلاد الخُتَّل، وهي كورة واسعة كثيرة المدُن بماوراء النهرتقع خلف جيحون .. وقد توفي المهلب بن أبي صفرة بعد تلك الغزوة ، وكان قبل موته قد دعا من حضره من ولده، ودعا بسهام فحزمت، وقال: أترونكم كاسريها مجتمعة؟ قالوا : لا، قال: أفترونكم كاسريها متفرقة ؟ قالوا: نعم؛ قال: فهكذا الجماعة، فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإن صلة الرحم تنسئ في الأجل، وتشري المال، وتكثر العدد؛ وأنهاكم عن القطيعة فإن القطيعة تعقب النار، وتورث الذلة والقلة، فتحابوا وتواصلوا، وأجمعوا أمركم ولا تختلفوا، وتباروا تجتمع أموركم؛ إن بني الأم يختلفون، فكيف ببني العلات! وعليكم بالطاعة والجماعة، وليكن فعالكم أفضل من قولكم، فإن أحب للرجل أن يكون لعمله فضل على لسانه، واتقوا الجواب وزلة اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فينتعش من زلته، ويزل لسانه فيهلك.

اعرفوا لمن يغشاكم حقه، فكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرة له، وآثروا الجود على البخل، وأحبوا العرب واصطنعوا العرف، فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك، فكيف الصنيعة عنده! عليكم في الحرب بالأناة والمكيدة، فإنها أنفع في الحرب من الشجاعة، وإن كان اللقاء نزل القضاء، فإن أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوه قيل: أتى الأمر من وجهه، ثم ظفر فحمد، وإن لم يظفر بعد الأناة قيل: ما فرط ولا ضيع، ولكن القضاء غالب ، وعليكم بقراءة القرآن، وتعليم السنن، وأدب الصالحين، وإياكم والخفة وكثرة الكلام في مجالسكم (10) .

هذا نموذج للأمراء الذين كانوا يحكمون في العصر الأموي ، خير العصور بعد عصر الخلفاء الراشدين ، ونحن محتاجون لأن نربي أولادنا على تلك القيم التي ربى عليها هذا الرجل أولاده ووصاهم بها ، بدلا من الخوض في أمور الخلاف التي وقعت بين المسلمين فيه ، تلك الخلافات التي لا تزيدنا إلا انتقاصا للسلف وزهدنا في مجدنا ، وتجعلنا نفقد الثقة في أنفسنا ..
وقام يزيد بن المهلب بعد أبيه بفتح قلعة نيزك بباذغيس .. كما غزا موسى بن نصير بلاد الأندلس فافتتح مدنا كثيرة ، وأوغل في بلاد المغرب إلى أن وصل إلى الرقاق المنبثق من البحر المحيط (11) .. وغزا عبد الله بن عبد الملك بن مروان بلاد الروم ففتح مدينة المصيصة..

وغزا قتيبة بن مسلم نائب الحجاج على مرو وخراسان، بلادا كثيرة من أرض الترك ، وسبى وغنم وسلم ، وتسلم قلاعا وحصونا وممالك، تم قفل فسبق الجيش، فكتب إليه الحجاج يلومه على ذلك ويقول له: إذا كنت قاصدا بلاد العدو فكن في مقدمة الجيش، وإذا قفلت راجعا فكن في ساقة الجيش - يعني لتكون ردءا لهم من أن ينالهم أحد من العدو وغيرهم بكيد (12) وتلك من حكم الحجاج التي يحتاج إليه كل قائد ، ولكن للأسف غفل عنها الناس ، وصار همهم فقط تعداد مساوئه وزلاته.

وأثناء انشغال المسلمين بتلك الفتوحات والاحتفاء بها توفي عبد العزيز بن مروان سنة 85 هـ الرجل الثاني في الدولة الإسلامية، وقد قطعت حديث الجهاد والفتوحات لأتحدث عن وفاته لما له من فضل ، ولما في حياته من عبر يحتاج كل مسلم لمعرفته والتحلي بها ، فقد كان في بداية عهده بالإمارة يلحن في الحديث وفي كلامه، فدخل عليه رجل يشكو ختنه - وهو زوج ابنته - فقال له عبد العزيز: من خَتَنَك ؟ فقال الرجل : ختني الخاتن الذي يختن الناس، فقال عبد العزيز لكاتبه ويحك بماذا أجابني ؟ فقال الكاتب : يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن تقول من ختنُك، فآلى على نفسه أن لا يخرج من منزله حتى يتعلم العربية، فمكث جمعة واحدة فتعلمها فخرج وهو من أفصح الناس، وكان بعد ذلك يجزل عطاء من يعرب كلامه ، وينقص عطاء من يلحن فيه، فتسارع الناس في زمانه إلى تعلم العربية.

فقد سأل يوما رجلا: ممن أنت ؟ فقال : من بنو ( والصواب بني ) عبد الدار، فقال: تجدها في جائزتك ، فنقصت جائزته مائة دينار.

وكان كريما معطاء ، كتب يوما إلى عبد الله بن عمر: ارفع إلي حاجتك ، فكتب إليه ابن عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول " ولست أسألك شيئا ، ولا أرد رزقا رزقنيه الله عز وجل منك ، فكتب إليه بألف دينار ففرقها ابن عمر على المحتاجين .

وكان يقول : عجبا لمؤمن يؤمن ويوقن أن الله يرزقه ويخلف عليه، كيف يحبس مالا عن عظيم أجر وحسن ثناء ، ولما حضرته الوفاة أحضر له مال يحصيه وإذا هو ثلاثمائة مد من ذهب، فقال: والله لوددت أنه بعر خائل بنجد، وقال: والله لوددت أني لم أكن شيئا مذكورا، ولوددت أن أكون هذا الماء الجاري، أو نباتة بأرض الحجاز، وقال لهم: ائتوني بكفني الذي تكفنوني فيه، فجعل يقول: أف لك ما أقصر طويلك، وأقل كثيرك .(13).

فهل يأخذ الأثرياء والأمراء والعظماء الأسوة من حياة هذا الرجل ، ولا يحبسون مالا عن عظيم أجر وحسن ثناء ؟! آمل ذلك وأعلم أن في أمتنا الخيرون الكثر ، والخير في أمة الإسلام إلى يوم الدين ..
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن كان في العمر بقية ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
*مدير موقع التاريخ الالكتروني

1 ـ سورة "الشعراء ": 221 - 222

2 ـ البداية والنهاية : ج 9 / ص 35.

3 ـ البداية والنهاية : ج 9 / ص 36..

4 ـ سورة " سبأ : 50

5 ـ سورة " غافر ": 28

6 ـ المنتظم :2 / 280.

7 ـ البداية والنهاية :ج 9 / ص 36.

8 ـ البداية والنهاية :ج 9 / ص 36.

9 ـ صحيح ابن حبان :27 / 347

10 ـ تاريخ الرسل والملوك :ج 3 / ص 492.

11 ـ تاريخ الرسل والملوك :ج 4 / ص 5.

12 ـ البداية والنهاية :ج 9 / ص 74.

13 ـ البداية والنهاية :ج 9 / ص 78

المصدر : موقع التاريخ


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 نظرات في العصر الأموي (4)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7